‫الرئيسية‬ مقالات بين مبنيين: صحيفة “الديمقراطي ” و”مركز الدراسات السودانية”: مسافةٌ بين خطو التاريخ وغرور الجغرافيا
مقالات - 25 يوليو 2022, 6:56

بين مبنيين: صحيفة “الديمقراطي ” و”مركز الدراسات السودانية”: مسافةٌ بين خطو التاريخ وغرور الجغرافيا

——-

التاريخ يُمهِل ولكنه لا يغفل فهو خير الماكرين.
فقد هبَّت هَبوبهُ وفَتَحَت نافذةً باتساع الحلم الذي لا يسعه إلا قمطه المنسوج من دماء الشهداء الذين لا يملكون شيئًا سوى قمرَ جَمالِهم في سعيهم لجعل الموت قمراً لدامس الدروب

ما كان للنافذة تلك أن تنفتح بغير الجلوس على شرفة لا ترى المشهد إلا في ضرورة اختلافه عمّا كان وتأبَّدَ فبُلِيَ وتخثَّرَ جانبه وتعفَّنَ فانهار جداره ليفسح مكاناً لخطوِ تاريخٍ لا مناصَ من خطوِهِ حتى تستقيم ضرورات الحياة وتركض الخيول المغلولة برباط الخيبة وفحولة الدرب الغلط، فكان تجمُّع قوى التغيير الجذري وما تلاه من بيان.

ثمة مفارقة قد تكون مقصودة فكان جمالها أو غير مقصودة فكان جمالها أبهى وأنيسًا.
المسافة بين مركز الدراسات السودانية، حيث تم إعلان تحالف قوى التغيير الجذري، وجريدة “الديمقراطي” حيث ورشة تقييم قوى الحرية والتغيير لأداء حكومتها، أقول، تلك المسافة لا تقاس بأمتار الجغرافيا وسرعة أو بطء الوصول، لا تحسب بسرعة عقارب الزمن، هي مسافة بين خطوِ تاريخٍ بنعالٍ وآخر بنصف نعال

هناك بين جنبات ردهات صحيفة الديمقراطي التأمت قوى الحرية والتغيير تحت مسمى تقييم تجربة الحكم. جلسوا، جميعهم جلسوا، لينظروا لوجوههم في مرايا ذاتهم، أنْ حسناً أو حسناً. والمرايا مجبولة بقوانين الفيزياء فلا تكذب. هي ما وُئِد من فصاحة التاريخ وإيتام سلالته. فرأوا جمال وجوههم في مرايا كذبهم فصدقوا !

قليلاً، قليلاً أزاحوا دماملَ طلَت قيد إنجازاتهم بطلاء الحقيقة توأمة المرايا، فكسروا المرايا واستعصمت الحقيقة بمرايا التاريخ المجلوُّة بدماء الشهداء وأنّات المغتصبات وفحيح المفقودين وحُرقة حشا الامهات، ولم يروا وجوه وسامتهم المبتغاة والمرغوبة فأطاحوا بالمرايا المعجونة من صدق الفيزياء والضوء وأخرَجوا مراياهم المفتونة بذاتها والتي لا تعترف بصدق مرايا أخرى لا تعكس غير رؤية الرغبوي في وجوههم كما يودونه لا كما تود المرايا.

فكانت جلسات تقييم تجربة قحت في الحكم والمنعقدة في مبنى صحيفة “الديمقراطي” هي حفلة سمر للانتصاب والوقوف أمام المرآة لترى ما لا تريه المرايا وإنما ما يوده الرائي

كذبت المرايا وصدقت مراياهم المسوَّرة بغريزة انعدام شم دماء الشوارع ووسامة الموت فصدقوا وذهبوا لحال خيباتهم المغموسة في بركة عريهم وقلق السؤال

منذ بدء فكرة التقييم المزعوم، ألم يخطر على بال المنظمين اتساق وصدق أنْ يُقَيِّم من قام بالأمر من قام بذات الأمر ؟!! إنها لعبة المرايا المفروغ من كذبها.

بالتوازي، أنْ صدفةً أو تخطيطًا، التأم جمع آخر على مقربة “تاريخية” من جغرافية مباني صحيفة “الديمقراطي” ليقولوا قول التاريخ المسنود بسُنَنِ الزمكان وضروراته

جمَعَ بينهم حلمٌ تتوسده الشوارع وصخبُها، الهتافُ وماؤه، ودماءٌ سالت لتغسل دنس صلوات ذاك الحلم المبذور كريح لا تبقي ولا تذر. فقد كانوا ضيوفًا غير مرحبٍ بهم في موائد الخطاب السياسي المجدول من سعف البستان الكولونيالي الممتد في تربة الوطن منذ ما قبل الاستقلال. مائدة بأطعمة وفاتحة شهيات وبهارات لا تقبل إلا التماثل مع ذاتها وذات شهيات الجالسين حولها والواقفين على خدمتهم

تختلف الأزياء ورائحة العطر والبسملة فلا تكون إلا لوحة تؤخذ ويُنظر لها في كلياتها من غير إسقاطِ عنصرٍ مِن مكوناتها حتى يُشكر مبدعُها على حذاقة الدربة وأستاذ الرسم. وذلك يتطلب، ضمن مقتضيات أخرى، راءٍ ومُشاهِد ببصرٍ وبصيرةٍ خرجت عن مألوف العلف وضجر خضرة الحقول

راءٍ ومُشاهِد شبَّ عن طوق رؤية الطريق كدَرْبٍ للمشي ونظرَ إليه بشوقِ محمود درويش: الطريق إلى رام الله أجمل من الوصول إليها. فكانت شوارع رفضهم وهديرها أجمل من وصولهم لقصر “الرمم” كما أسمعوا الرمم.

الخروج، أيُّ خروج، على المتواتر والمتبدِّه يلزمهُ ويسبقهُ فحص ذات المتواتر والمألوف ويقين البداهة وإلا كان خروجاً بدخولِ ذات الفضاء وإنْ اختلفت سبل التسلل.
فكان خروجُ تحالف قوى التغيير الجذري هو خروجٌ على سيطرة الخطاب السياسي المربوطةُ مشيمَتُهُ مع سرة الخطاب الكولونيالي في بنية تتمرحل وتتأبّد بديمومة سيطرة الخطاب المحمول على سقالات وروافع طبقية وثقافية لا تسمح بطَرْقِ الضيوف الجدد على باب تلك المأدبة.
بكلام آخر، هو خروج تفكيكي على بنيةِ خطابٍ ببنيةٍ ذات مركز واحد إلى أخرى بعدة مراكز، ما أُسميه الانزياح من البنية إلى التبنين.

سبق هذا الخروج قراءات فاحصة على مدى أربع سنوات أفضت إلى عدة مقاربات تضمنتها مواثيق لجان الانتفاضة في الريف والحضر، فكانت سابقة سياسية ومعرفية في تاريخ السياسة السودانية الحديث.
فاختار جمعُ “مركز الدراسات السودانية ” الاصطفافَ خلف الخطاب التفكيكي الذي يوقظ الحلم من سباته على صبحٍ مشمسٍ ونديٍّ، مغسول بدماء برائحة الديمومة والحياة والمعرفة.
واختار جمعُ صحيفة “الديمقراطي” الارتهان لذات البنية السابقة وخطابها والانحباس في مكرور القول وسريالية المشهد وعبثية اليقين

الأولى اختارت أن تنظر لوسامتها أو قبحها في مرايا التاريخ، بينما الثانية دلفت إلى غرفة المرايا التي تكذِّب المرآة فلا ترى إلا وسامتها

بين المبنيين اختلافُ الاستئناس بالتاريخ والحلم في ذات الجغرافيا وضرورات الزمكان.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.4 / 5. Total : 14

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

  1. كعهدنا به ، صلاح الزين يكتب ويشرح ويشَرِح الحدث السياسي بلغة ادبية رفيعة لا اذكر اني قرأت مثلها طوال ما يقرب من ٧٠ عاماً منذ تعلمت القراءة .. قد اختلف مع صلاح في تحليله وشرحه ووصفه لهذا الواقع المعقد ولكن اقف منبهراً وسط جمهور “قصر المرايا” في رائعة عيسي الحلو “نسيان ما لم يحدث”
    اكتب واكتب يا صلاح يا مبدع اللغة السياسية

  2. مقاربة بين مبنيين ، مرايتين ، و موقفين في تمام التباين و الإلتباس، تضاد كامل لا يصلحه إلتماس، قطيعة لا يجسرها إقتباس، و صلاح الزين نجح في المقاربة و فارق بها ، و قديماً كان الفاروق الحد الفاصل بين الخطأ و الصواب ، أو بجذرية مطلوبة ، فقد فرّق بين الخيانة كمحصلة لفعل بني قحت و هم في مرايا الزيف ينظرون ، و بين خط الوفاء البطولي للوطن و للحقيقة إنسل من مركز الدراسات و انداح في الشارع الثوري الذي لم يغادره قط .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.