‫الرئيسية‬ ترجمة مداميك التشبث المضلل بفكرة ايجاد دستور تحويلي في السودان
ترجمة مداميك - مقالات - 16 أكتوبر 2022, 20:07

التشبث المضلل بفكرة ايجاد دستور تحويلي في السودان

قسم الترجمة والصحافة الدولية

  بقلم عايدة أبشر – 5 أكتوبر 2022

الدستور التحويلي هو فقط الدستور الذي يدعمه الشعب ويمكِّن لسلطة الشعب ويكون جزءاً من مشروع سياسي عريض.

 

 نشرت نقابة المحامين السودانيين، الشهر الماضي، مشروع دستور حظي بقبول دولي كبير.  وبعد مرور حوالي عام على الانقلاب العسكري احتفت كل من حكومة السودان الانتقالية والممثلين السياسيين الوطنيين والسفارات الغربية ”بالمبادرة التي تتسم بالجدية والحماس”. ومن شأن هذا الاطار القانوني الجديد، المقترح، أن يبطل العودة إلى الحكم العسكري القمعي المناهض للديمقراطية برئاسة عبد الفتاح البرهان.    يقال أنه يمكن لهذا الاطار أن يكون إيذانا ببدء” حكومة مدنية كاملة تضع السودان في مسار نحو الديمقراطية والانتخابات.

 وهذه ليست هي المرة الأولى التي تُعقد فيها الآمال على دستور سوداني. ففي عام 1956 وتمهيداً للاستقلال، على سبيل المثال، صاغت القوى الاستعمارية البريطانية المغادرة، جنباً إلى جنب مع مجموعة مختارة من النخب الحضرية النيلية، قانون الحكم الذاتي.  وكان هدف هذا المستند القانوني هو توجيه البلد الوليد نحو صياغة دستور دائم، باعتباره ذي أهمية قصوى لبناء الدولة الحديثة. طغت المحادثات بشأن الفدرالية وتقاسم السلطة بالإضافة إلى هوية الدولة على الخطاب السياسي السوداني في بداياته.

 توقفت هذه المحادثات بصورة مفاجئة عندما قام الفريق إبراهيم عبود بانقلاب عام 1958 وعلق العمل بقانون الحكم الذاتي. لم يبد عبود اهتماماً كبيراً بوضع دستور للبلاد، إلا أن الحاجة لوثيقة قانونية محددة برزت إلى الواجهة مجدداً بعد الانتفاضة الشهيرة في عام 1964. احتدم النقاش، هذه المرة، بين الأحزاب السياسية بسبب تباين آراءها حول قضايا مثل العلاقة بين الخرطوم والأقاليم، ودور الإسلام في السياسة.

 وفي نهاية المطاف، أجازت حكومة جعفر النميري دستوراً في عام 1973.  تحدثت هذه الوثيقة عن أهمية اللامركزية ووعدت بالمساواة في المواطنة والحقوق. فدافعت عنها الحكومة باعتبارها شاملة واشتراكية وللجميع.  ولكن الحقيقة أن هذا الاطار مليء بالمتناقضات وكان تأثيره محدوداً في صياغة توجه مستقبل السودان. وفي بداية الثمانينيات، على سبيل المثال، أجاز النظام قوانين سبتمبر، التي ضمنت قانون الشريعة الإسلامية في قانون البلاد وهمشت غير المسلمين، رغم تأكيد الدستور على أنه دستور للجميع. كما عدّلت الحكومة الدستور بشكل تعسفي حتى تمنح الرئيس مزيداً من السلطات.

 وفي عام 1985 شهد السودان انتفاضة شهيرة مرة أخرى.  وفوراً علقت الحكومة العمل بالدستور ووضعت على قائمة أولوياتها صياغة دستور جديد. عقدت الآمال، هذه المرة، على أن الوثيقة قد تبت في المسائل العالقة بشأن اصلاح القانون والسلام مع الجنوب والهوية السودانية.

 وتوقفت المحادثات مرة أخرى بسبب انقلاب عام 1989. وفي عام 1998 فقط، أدرك نظام عمر البشير، بعد أن حكم نحو عقد من الزمان، أهمية الدستور الذي ساعده على ترسيخ طبيعة الدولة الإسلامية وأحكام قبضته على السلطة والتقرب إلى الشرعية الدولية. وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2005، استُبدلت وثيقة عام 1998 بالدستور الوطني الانتقالي|.  ثم مهّد هذا التعاقب بعد انتفاضة 2019، الطريق نحو وثيقة إعلان دستوري. وهي الوثيقة التي انتهكها علناً الشركاء الموقعون من المكون العسكري بانقلابهم في 2021.

 التأسيس لسلطة تحويلية

 وعبر تاريخ استقلال السودان، ظل ينظر إلى وضع الدساتير باعتبارها فعل اساسي لبناء الدولة. وكما يبين التاريخ أيضاً، فإن هذه الاجراءات كانت مبالغاً فيها في أغلب الأحيان.

 وتشكلت هذه الدساتير بواسطة السلطة الحاكمة، وليس العكس وعلى الرغم من السلطة التحويلية المنصوص عليها في هذه الوثائق القانونية فإنهم لم يفعلوا شيئاً يذكر في السودان لحلحلة التناقضات وإنهاء الصراع وضمان تحقيق العدالة او توسيع الحقوق.  وجل ما فعلته النخب هو تعليق العمل بالدستور، كتابة دساتير جديدة أو تعديلها بقوانين تتناسب واحتياجاتها الآنية. أضف إلى ذلك، أن الأنظمة عندما كانت تفشل في الايفاء بالتزاماتها، فإن الشعب لا يعزلها بموجب الأحكام القانونية بل بالانتفاضات الشعبية.

 إن السياق الذي كتب فيه المشروع الدستوري الأخير للسودان لا يختلف عن السياقات السابقة. فقد كان كذلك محط آمال عظام وحظي باهتمام بالغ على المستويين المحلي والدولي. كما أنها تعاني من قيود ديناميات قوة عريضة تجعل الخوض في تفاصيل الوثيقة  للكيفية التي ستتم بها محاسبة بقايا نظام البشير أو اجبار النظام العسكري في السودان على ارجاع السلطة لحكم مدني أمراً صعباً.

 وبالرغم من الرأي الأرثوذكسي الذي يرى أن الدساتير دليل لا يمكن انكاره في بناء الدولة، إلا أن تجربة السودان اظهرت أنها ليست في حد ذاتها تحويلية. ولم تتمكن الدساتير السابقة من توفير الحماية لعدد لا يحصى من ضحايا الفظائع التي ارتكبها البشير أو من يخلفه اليوم من العسكر.

 ولا يعني ذلك أنه لا قيمة للدساتير. بل أنها لا تكون تحويلية حقاً وتصب في مصلحة الناس إلا إذا صورت مرة أخرى باعتبارها جزء من حركة سياسية تحويلية عريضة بدلاً من اعتبارها فوق هذه الدساتير أو تتجاوزها. وفي السياق السوداني، يعني ذلك أنه ينبغي ان تدار صياغة الوثيقة بمشاركة شعبية واسعة وهادفة ومستمرة، بدلاً من الانخراط في مشاورات عديمة الجدوى. كما ينبغي أن تصاغ وتخاطب واقع الشعب وهمومه الحقيقية. ولكي تُحدِث أثراً باقياً، يجب أن تستمد قوتها من الشعب السوداني وتعمل على تمكينه.

المصدر: africanarguments.org

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.8 / 5. Total : 5

كن أول من يقيم هذا المقال