‫الرئيسية‬ ثقافة فنون في التشكيل.. “أبسفة” حين يستنهض الألوان
فنون - 16 أغسطس 2022, 0:39

في التشكيل.. “أبسفة” حين يستنهض الألوان

جابر حسين
ضوء :
التشكيل، ذلك الحلم في ضجيجه وتحليقه اليومي، يظل – بجماله وسحره وغموضه وأوجاعه – هو “مخاض” الفنان طوال دورات حياته، أبدا لا يكف لحظة عنه ذلك الحلم الوفي، ولا يستطيع الفنان، بالمقابل، أن يفارقه لحظة واحدة، فلا يكاد يفارقه أيا ما كان حاله وبيئته. ذلك التوهج اللوني، في لمعانه وسطوعه، في خفوته وعتماته المفاجئة، هو، وحده، قدر التشكيلي وجوهر كينوته ومعني حياته وجدواها، هو ضوءه يصاحبه كل أطوار حياته.  هنا، في هذه البرهة شديدة الذكاء والبصيرة، تكون “الملاحظة” هي السيدة، ثمرة المعايشة الحميمة لليومي في حياة المجتمع، حياة كل الناس، الذين يعيشون، الآن، تحت وطأة الديكتاتورية وصلفها وقسوتها و .. قبحها.  تنهض العين الذكية للتشكيلي فتؤازر الوعي فيه والقلب منه.  فتنثر، كما رذاذ المطر، الأسئلة في جميع الجهات، وفي تطورات نمو الوعي وتكريسه ليصير جمالا يتبدي، عبر اللون ومن خلال اختلاطاته، في بيئة ونتاج التشكيلي.  خطاب التشكيلي، الآن وفي كل المراحل، هو خطاب الملاحظة الدقيقة والأسئلة التي لا تكف عن أن تقلقنا، ترينا ما ينبغي أن يرى وتحرضنا على أن نكون في فعل التغيير والثورة.
هنا، هنا بالذات، يضع التشكيلي فيوضات رؤاه، بعضها أو كلها، يموضعها لتضيء في اللوحة، وهي، نفسها، التي ستغدو مفصحة وناطقة. حتى وهي في خبائها، ستقول الألوان قولها، فألوانها هي ألوان الناس وملامحهم، ناطقة براهن حالهم وبغدهم، بالمرئي وبذلك الذي في الخفاء، الجميل الذي يبدو فيجعلنا في الفرح وأناشيد الحياة، و القبيح أيضا الذي يقسو علينا فيجعلنا في فعل السخط والثورة. إنها تكون أكثر أوقاتها في الفرح والبشارة، لكنها أيضا، أحيانا تكون في الحزن، وفي الإحباط واليأس وفي المسكوت عنه، في المخبأ الذي تريده الديكتاتورية أن يظل محجوبا غير مرئي بعيدا عن الحواس. التشكيلي يضع كل هذه العناصر أو بعضها في اللوحة، ولست أدري، بعد، كيف لبعضهم أن يجعلوا ألوان الفرح الراقصة بنشوة وجمال الحياة في ذات اللوحة التي تشي بكل تلك الكآبة والظلمة والقبح ! التشكيل، إذن، كما كل سائر الفنون، معنيا حد الشغف والملازمة الرحيمة لكل أوجه حياتنا ونضالات شعبنا في مساراتها كثيرة التنوع والتعقيد، راصدا حقيقيا لها بتفاصيلها كلها، يكسبها جمالا هو، أصلا، في جواهرها، فالبثور والقشور هنا ما هي إلا تلك البرهات المحبطة الخاطفة تجيء تطل أحيانا، هنا أو هناك، في ذلك العمل أو في ما عداه، لكن سرعان ما يطغي “الضوء” عليها، يزيحها فيكسبها أشعة الأمل ويلبسها أردية الغد الآتي، يجعلها في الآتي الجميل الذي يراه فيرينا إياه بأبهي وأجمل ما يكون.

“الرسم على الهامش”، أسئلة الراهن أيضا:

أيها الرائي “أب سفة”:
لقد أحصيت الألم كله
أحصيت، أيضا، حلم العطش..
حتى نزيف الدم إذ يملأ علينا النهار
ويدلق فينا ضوءا وسحرا
وعبق البهار.
وبكامل الرؤيا،
الرؤية البصيرة للتشكيلي،
يختلط بالضوء وبالظلال و…الألوان
بلا مواعيد تؤجل المشهد غير المألوف
للوحة :
“طقوس العطش”.
لهذه البلاد التي بهيام وعشق كاملين
تصعد ،
إلى العلا حتى الصراخ..
للسماوات العطاش نفسها
التي قال بها صاحبك إيريك فروم
تصعد إلينا و.. إليه:
الحب !
لقد منحتنا رحيق اللوحة
فأحببناهما معا :
التشكيل و.. كتابتك.

باقة ورد إليك،
أيها التشكيلي الروائي الجميل !

الفنان التشكيلي الكبير عبد الله محمد الطيب، الذي أشتهر في الناس ب :
“أب سفة”، أصدر مؤخرا كتابا جميلا في التشكيل : (الرسم علي الهامش).
الكتاب من 144 صفحة من القطع المتوسط، صدر عن دار “سيبوية للنشر والتوزيع” ببيرمنغهام في بريطانيا، واحتوى على 45 لوحة لأب سفة ولوحة
“خلق آدم” الخالدة لمايكل أنجلو . ولتلك اللوحة قصة مع أب سفة، فقد أراد – وهو المكافح بفنه العظيم ضد الديكتاتورية والطغيان – أن يدين قطع اليد للسارق التي تفشت عقب قوانين سبتمبر وتنصيب السفاح نميري نفسه أماما بمبايعة ومباركة “الإخوان المسلمين”، يقول: “.. كنت قد أنجزت في معرض ذكرى محمود بوستر حول هذا الأمر، بتر اليد تحديدا، استخدمت فيه عمل مايكل أنجلو الشهير “خلق آدم”. آدم مستلق على الأرض يمد يده بهدوء نحو الطاقة الإلهية المتسربة إليه، كشحنة كهربائية، عبر يد الله . دقة التشريح في رسم مايكل أنجلو للأيدي، تسرب أيضا الإحساس بقداستها، كونها الوسيط لتلقي القوة والحياة . قمت بواسطة عملية مونتاج على نسخ مصورة بالفوتو كوبي، ببتر يد آدم كما يفعلون . اليد المقدسة خالقة الإنسان فعلا كما يرى فردريك إنجلز، يتم بترها هكذا ببساطة دون أن يطرف لهم جفن هؤلاء الأطباء المزعومون ! “ص
(65 ). في صدر الكتاب يقول أب سفة : “ليست هذه سيرة ذاتية، لا طاقة لي ولا رغبة في ذلك، إنها محاولة لتسليط بعض الضوء على العتمة التي يعمل فيها التشكيلي في السودان، كما أنها بعض تأملات في الواقع الثقافي عموما أواخر السبعينيات والثمانينيات في تقاطعاته مع السياسي واليومي في حدود ما لامسته وعايشته .”ص ( 5 ). حقا، فقد تجاوزت الكتابة وجهة السيرة لتكون في الواقع التشكيلي وتأملات عميقة في واقع الثقافة والفنون جميعها، تأملات وتفكرات لكنها تتم من خلال عين التشكيلي، خلال وعيه وقلبه، والسياسي / الاجتماعي حاضر هنا يؤازر الفني ويضيئه أينما حل . مشاهد ورؤى و العديد العديد من الأسئلة، فما من حدث، أيا ما كان، مرت به بلادنا تلك الحقبة إلا ونظرت إليه، عميقا، عين التشكيلي و وعيه . تناولت الكتابة التشوهات والجروح و القبح الذي جعلته الديكتاتورية في وجه الوطن وفي ملامح الفنون والأدب جميعها . أما الأسلوب، ساحرنا الذي يجعلنا في دهشة المعنى وفي متعة القراءة فهو ما تجده في سمت جمالياته الأنيقة لدى أب سفة . أمتعني جدا أسلوبه وطرائقه في الكتابة حد أن رأيت فيه ملامح الرواية ووجهها . سعدت جدا عندما شاركني ديشاب الرأي حين قال : “لازم … لازم أب سفة يكتب الرواية”، وقد قلتها إليه أيضا، فالأسلوب يجعل الأشياء الأكثر تفاهة فريدة، علي قول فولتير . المشاهد والرؤى، الأحداث والوقائع، الأشخاص ومصائرهم، لحظات الفرح والأمل تتغلغل في بيئات الكآبة والأوجاع والقبح لتطلع منها البشارات، حقا، أن الأسلوب، هنا، هو المبدع . فأكتبها إذن يا أب سفة، أكتبها الرواية !

دعوة للنهوض…
كما هو معلوم أن صالات العرض تتيح أوسع البراحات أمام التشكيليين أن يقيموا المعارض الفردية أو الجماعية، فتكون متاحة للجماهير التي، أساسا، يتوجه إليها، ويستهدفها العمل التشكيلي في تنوعه المثير وفي خطابه التقدمي الذي يؤشر للدروب التي تقود إلى التغيير والثورة، إلي الديمقراطية والحريات والسلام الذي ينمو ويزدهر في رحابه . لكن بلادنا تفتقر إليها، المتاح منها فقير جدا ولا يفي بالغرض، وهناك المحتكر من صفوة لا يعنيها فعل الثورة ولا وعي الجماهير، بعيدون عن هموم الشعب وقضايا الوطن الملحة في راهننا . يقول أب سفة :
“صالات خاصة بمواصفات سيئة، أشبه بالبقالات يديرها بعض المتنطعين لا داعي للخوض فيها ! ” ص ( 37 ) . ثم يمضي فيقول : “جهاز الدولة – وقد تمت خصخصته لصالح جماعات بعينها – أصبح لا يعنيه مطلقا أمر رعاية الثقافة، ولا طاقة لنا ولا قدرة على السير في الدروب الملتوية لكسب ود مراكز الثقافة الأجنبية . لماذا لا نؤسس لقاعة للعرض التشكيلي تعفينا وتعفي المهمومين حقيقة بالفعل التشكيلي من الوقوف بأبواب السلاطين ؟! (وكمان أجانب !!) ص
( 38 ) . لقد بدأت الخطوة بالفعل، خطوة صغيرة لربما، لكنها أول الموصلات إلى الهدف، فذلك هو سبيل النضال على أية حال، ” … المشروع يتجاوز كثيرا قدراتنا المادية، ولكنه لا يبدو مستحيلا . انضم إلينا التشكيليون : محمود عمر، بابكر كنديو، عبد الحليم كابو، صلاح سيد أحمد …، ناقشنا الفكرة مع الفنانة كمالا إبراهيم إسحق، ضممناها إلي جماعتنا بوضع اليد، وستمتد يدنا إلى آخرين . نقاش الأمر مع المهتمين – حقيقة – داخل وخارج البلاد سيفتح آفاقا أوسع، ولكن يجب في البداية تسجيل جماعتنا لدي المسجل بوزارة الثقافة لتأخذ شخصيتها الاعتبارية والقانونية، هذا ما نعكف عليه الآن”. ص ( 39 ).
دعوتنا لمحبي التشكيل وأهله، أن يأخذوا إليهم هذه اليد الممدودة إلى الضمير الثقافي، فيجعلونها في أولويات فعلهم اليومي بحب واقتدار، يحملونها علي محمل المسؤولية الحرة حين تنهض في أمور الثقافة والفنون والإبداع، وأن تنضم، بكيانها وقدراتها ورؤاها، إلى هذه المجموعة وتشرع معها، وسيدعمهم شعبنا لا شك، في الإجراءات صوب تأسيس هذا الصرح . الأمر يبدو ممكنا، ليس مستحيلا كما رآه أب سفة . لتكن تلك هدية شعبنا للتشكيليين السودانيين وللوطن، بذائقته العالية، للثقافة والفنون، فالإرادة الإنسانية، دائما، قادرة أن تجعل الأهداف ممكنة ومرتاحة.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.