‫الرئيسية‬ مقالات “قحت” وورطة الانقلاب
مقالات - 31 يوليو 2022, 18:49

“قحت” وورطة الانقلاب

عصام علي عبد الحليم

بعد أن تكلم الرجل، قرر أبو حنيفة أن يمد رجليه متجاوزا وجاهة الرجل الظاهرة وغير متحققة. وقد أسس للممارسة العتيقة سقراط، إذ قال لأحد تلاميذه، عندما جاءه يزهو متبخترا في مشيته: “تكلم حتى أراك“. فما الذي قالته قوى الحرية والتغيير “قحت” عندما هبط عليها انقلاب اللجنة الأمنية لنظام المخلوع البشير في ال 25 من أكتوبر 2021.

يمكن أن يعكس الكلام (أو الخطاب) بشكل عام وبدرجة ما، ماهية الذات المتكلمة. نصيبها من الغادات اللغوية ومخزون الكلمات، وطريقة اختيار قواعد اللغة في الحديث وفي الكتابة، والتي تمتاز بدرجة من الرسوخ عبر الممارسة اللغوية وبالذات في الخطاب السياسي. فخطاب السياسة يقدم مرامي الأيدولوجيا للمتكلم السياسي، يقدمها ويرجو دورها المرتقب في تعزيز تصوّراته في أذهان الناس، كما يرجو خلق الدلالات الرمزية السياسية والفكرية في خدمة سلطة سياسية، أو بنية قوة ما ينتمي إليها ويعمل على تحقيق هجمنتها.

ما الذي قاله “القحاتة” وبإصرار؟ إلغاء الانقلاب!

لعلنا نتفق أن إحدى طرائق أي معالجة نقدية لأي ممارسة سياسية، هو أنك تشاهد وجود منهج مطبق وبشكل واع ومتسق في تناولها، وأن المنهج يتطور بشكل محايث مع تعمق فهمه لطبيعة العملية السياسية المرتبطة، وافتراضاتها ومقدماتها ونتائجها. وأن المنهج – في النهاية – يطرح وحدته وعقلانيته، وفي نفس الوقت يطرح ان “العملية السياسية ” هي عملية لها محتوى وليست عملية فارغة وطق حنك.

تواجه الممارسة السياسية” لقحت” -أو نستخدم عبارتهم الأثيرة: العملية السياسية – مشاكل متواترة في المذكور أعلاه، وتبتدئ في المشكلة المقيمة والمتمثلة في عدم القدرة على مغادرة منطلقاتها الابتدائية، والتي سمتها القوى الثورية بالهبوط الناعم. والهبوط الناعم هو صيغة السيد برينستون ليمان المبعوث الأمريكي للسودان، لمشروع حكومته الامبريالية – يدعى ليمان أنه نتاج إجماع دولي – والذي تم تنفيذه فى 2013 بلم بعض الفرقاء من أحزاب المعارضة، في مائدة سميت بالحوار الوطني، والذي قام على الاتفاق المبطن بأنه ليس بالإمكان سقوط النظام البغيض. تلاه اجتماع نداء السودان – وقد غابت عنه قوى الإجماع – في باريس في 2016 لتناقش خارطة طريق أمبيكي، واقترحت عليها بعض التعديلات رفضها الدكتاتور البشير قائلا إن الحوار الوطني قد اكتمل، وهز أمبيكي كتفيه، وكانت فكرة بوث الأمريكي أنهم سوف يوقعون! ذهبت نداء السودان تحضر لخوض انتخابات 2020 آملة في تغيير نظام البشير وإخوته من الكيزان بمستويات طفيفة وبهبوط ناعم. استمرت الممارسة السياسية للهبوط الناعم -الذي تحقق أخيرا – وللأسف -بعد الثورة – حتى انقلاب اللجنة الأمنية العسكرية لنظام الدكتاتور المخلوع وبعده، ولا زالت “قحت” آملة.

كان الانقلاب نية مبيتة ومحاولة متكررة، تحققت عدة مرات، وفى المرة الأخيرة عند ال 25 من أكتوبر، وترك “قحت” متفاجئة، فنادت بعصيان مدني لم يذهب اليه أحد، ولم تذهب إليه. لم تنتبه “العملية السياسية” الخاصة ب “قحت” إلى العملية الانقلابية الخاصة بالعساكر، – قالت مريم الصادق: “كنا نظن الخير بالمكون العسكري “- وبعد تحققها تعددت أسماء الانقلاب. في بياناتها الأولى سمته الانقلاب، ثم سمته “الحالة الانقلابية ” لاحقا وطالبت بإلغائها، وسمته “صفحة الانقلاب” وطالبت بطيها. ثم سمته “بإجراءات ال 25 من أكتوبر”. يتوقف نصيب الانقلاب من الأسماء والصفات والدوافع على الفكرة الآنية المسيطرة على ذهن “قحت” واختياراتها السياسية اللحظية، ويتوقف على فعل الثورة المنطلق، كما يتوقف على الجهة المعنية بالخطاب. فقد سمته انقلابا عندما توجه خطاباتها إلى الجماهير، وسمته “حالة ” وصفحة ” وإجراءات 25 أكتوبر عندما خاطبت الآلية والأطراف الدولية والإقليمية! ولسان حالها يقول نعنيكم يا شركاء.

فى رد فعلها الأولى، طالبت “قحت” بالعصيان المدني الشامل، وعندما لم يتحقق، طالبت بإلغاء الانقلاب وكأنه خطاءً غير مقصود ارتكبه البرهان، والرجوع إلى ما قبله، ويادار ما دخلك شر!

تمتلك الأيديولوجيا سميولوجيا (تحمد الله سيدا)، وسميولوجيا الأيديولوجيا المطروحة من قبل العساكر تبيع فى فكرة انهيار البلد بسبب الصراعات والانقسامات (ذلك هو المعنى الرئيس المنتج وترغب في توصيله) وهو مصير مؤكد في وجود “قحت” كشريك في السلطة. ولذلك ألغاهم الانقلاب كحاضنة (غير فعالة على أية حال) للحكومة لتتفرغ لمنع انهيار البلد، ولتحقيق السلام والعدالة!

وسميلوجيا الأيديولوجيا عند “قحت” هي إعادة تسمية موقفها السياسي ياستلاف اللغة الثورية التي تحقق وجودا مأمولا بالقرب من الممارسة الراديكالية لقوى الثورة ـ تحاول أن تغطي بها موقفها الأساسي القديم، ألا وهو قبول التفاوض مع لجنة القتل الأمنية الخاصة بالسفاح المخلوع. وكذلك بالغياب الكامل لفكرة وحدة النظرية السياسية والممارسة، وإنها ليست مشكلة فكرية (فلسفية)، بل مسألة إجرائية يجب أن تخوضها القوى الثورية بحثا عن حلول عملية ونفعية، تماما كما تفعل “قحت”، فلكل حادث حديث وإعلان سياسي، وتفسير وإعادة تفسير للقضايا الشائكة، مثل (على سبيل المثال) المعرفة بالانقلاب.

فما هو تعريف “قحت” للانقلاب؟

في يوم الانقلاب أصدرت “قحت” بيانها الممتعض، وسمته ب “دعوة إلى العصيان المدني الشامل”، ونسبت للبرهان الانقلاب، وحده لا شريك له، إذ كتب البيان “بإعلان البرهان اليوم الانقلاب الصريح على السلطة، واعتقالاته (…)، فإن البرهان أعاد وضع البلاد إلى مرحلة المجلس العسكري الانتقالي وإلى ما قبل الاتفاق مع المدنيين”. وقال البيان كذلك “بهذا يؤكد البرهان ارتباكه وقراءته من كتاب التاريخ القديم، وأنه يقود جيش الوطن والشعب ضد إرادته، ويقع في خطأ قاتل“، وأصبح تعريف الانقلاب بالخطاء ارتكبه البرهان. وقالت “قحت” في بيانها برفضهم للانقلاب جملة وتفصيلا. وأعلنت العصيان المدني الشامل! طبعا لم يذهب أحد إلى العصيان المدني الشامل، ولم تذهب “قحت” نفسها إلى عصيانها، بل خرجت الجماهير الثورية بمليونياتها إلى الشوارع غير ملتفتة إلى البيان، في ممارسة ثورية مفارقة. ويذكر الناس انه فى يونيو 2019 عندما دعي إلى العصيان المدني خلت شوارع المدن وقراها من الناس، في استعراض مهيب للقوة ومعنى التضامن وفهم الثورة. دعت “قحت ” إلى العصيان المدني، فلم يجلس الثوار فى بيوتهم، بل سيروا المليونيات كبأس يتجلى.

حاولت “قحت” مرة أخرى تعريف الانقلاب بعد ملاحظة فقر التعريف الأول، فقالت في الخطاب الموجهة إلى الآلية 12 مايو 2022 بأنه”أقصى تجليات الأزمة الوطنية هدفه قطع الطريق على التحول المدني الديمقراطي ونشر العنف في أقصى حالاته“. والحل “والمخرج من الأزمة الحالية لا يتأتى إلا بإنهاء الحالة الانقلابية وإقامة تأسيس دستوري جديد”.

وفي محاولة جديدة ثالثة – أحسن حالا وبعد ما يقارب الشهرين – وصفت الانقلاب بالآتي: “انقلاب 25 أكتوبر هو انقلاب جنرالات المكون العسكري الذي اختطفوا المؤسسة العسكرية وارادتها بالتواطؤ مع قوى الثورة المضادة، وهذا الانقلاب لم يأت وليد غضبة آنية أو ظروف نشأت حديثاً، حيث ظل هؤلاء الجنرالات يعدون المسرح له عقب سقوط البشير عبر محاولات متعددة ومتنوعة منذ أبريل 2019 مروراً بفض الاعتصام وما تلاه، وبعد توقيع الوثيقة الدستورية التي اتبع عقبها المكون العسكري طريقاً آخر في تجهيز المشهد للانقلاب، حيث عمل على إضعاف الحكومة المدنية، ووضع العراقيل في طريقها (…الخ).لمجلس القيادي المركزي لقوى الحرية والتغيير 16 ديسمبر 2021 “.

ويمكن للمتابع أن يقرر بكل سهولة أن الأخير تعريف مستلف من موقف الحزب الشيوعي الصادر في 12 يوليو 2019 الموجه في خطاب “لقحت“، حيث ناقش الحزب مسودتي الإعلان السياسي والدستور: “(…)، فإننا نرى أن هذا الاتفاق لن يفتح الطريق أمام تحقيق أهداف الثورة التي ظللنا نعمل معاً على تحقيقها منذ انطلاقتها، وأن هذا الاتفاق يقودنا نحو تنفيذ مشروع الثورة المضادة بفروعها العالمية والإقليمية. وقد تم إعداده لتنفيذ الهبوط الناعم وإعادة إنتاج نظام الرأسمالية الطفيلية، فهو اتفاق معيب تفوح منه رائحة التآمر، ولا يرقى لأهداف انتفاضة ديسمبر المجيدة وانتصاراتها المذهلة (…) واتساع مداها وتضحياتها الجسام، ولا يرقى للأهداف والمهام المضمنة في وثيقة إعلان الحرية والتغيير ووثيقة البديل الديمقراطي ووثيقة إعادة هيكلة السودان. وقد اتخذ مهندسو هذا الاتفاق من انتفاضة 19 ديسمبر رافعة لتحقيق مشروع الهبوط الناعم بعد إزاحة رأس النظام، مما سيقطع الطريق أمام استعادة الحريات وانعقاد المؤتمر الدستوري الذي (…) يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تسع الجميع على تعددهم وتنوعهم وتؤسس الديمقراطية الراسخة والتنمية المتوازنة والسلام الوطيد والمساواة على أساس المواطنة”. كان ذلك هو الانقلاب على الثورة في تعريف الحزب الشيوعي، طرحه في بداية الثورة وقبل أكثر من سنتين على الانقلاب الاخير. حسنا – وكما يقال ان تأتى متأخرا من الا تأتى ابدا. ولكن هل اتوا؟

فى التعريف الأول كان الانقلاب خطاءً ارتكبه البرهان. ثم صار نتيجة للأزمة الوطنية وتجليا لها، وهو تعريف تجاوز خطأ البرهان وارتمى في حضن ما هو أكبر منه. وفى محاولة التعريف الأخيرة صار الانقلاب مشروعا أصليا للمكون العسكري (بما في وصفهم بالمكون العسكري من حياد يثير الحنق). وهكذا أخرجت “قحت ” ما في جعبتها من غياب للاتساق في القدرة على تعريف الانقلاب ضمن أدوات التحليل المتاحة في المعارف السياسية، والمتاحة ضمن المجرى المنسرب لحركة الثورة وصراعها الفكري والسياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي يسم ملامحها الأساسية، ومن غياب للجملة الثورية – أو قول على الأقل السياسية – المتماسكة، فانعدم ترابط السياسي، وأصبح متاح للمناورة يتناوله تعدد الإفصاح والمخاتلة، والحصافة المتضعضعة.

هذا ما كان من أمر تعريف الانقلاب، فماذا قدمت “قحت” من حلول.

تجولت “قحت” فيما رأته من ممكنات للحلول.

وكان أول ما طرأ لها هو ما نادت به بالتصدي للبرهان بالعصيات المدني الشامل، حسب بيانهم الأول بعد الانقلاب. لم يتحقق ذلك وكان لجماهير الحركة الثورية رأيا مغايرا، عندما ذهبت إلى مليونياتها واثقة أن الشوارع لا تخون. فتوجهت “قحت” وجهة أخرى، وطرحت إلغاء الانقلاب والعودة إلى ما قبله. ففي بيانها الصادر في ١٠ نوفمبر ٢٠٢١ كتبت:

” أولا: التأكيد على رفضنا القاطع للانقلاب وماترتب عليه من إجراءات غير شرعية.

ثانياً: تمسكنا التام بعدم التفاوض مع الانقلابيين، وحتمية العودة إلى ما قبل ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، وعودة الحكومة المدنية الشرعية لمزاولة مهامها تحت قيادة رئيس الوزراء الشرعي الدكتور عبد الله حمدوك، والتمسك بالوثيقة الدستورية.

فكرة أن الانقلاب غلطة ارتكبها البرهان غير بعيدة من هذا الاقتراح للحل، ولم تر في حمدوك شريك للانقلابيين. ولم ترى فيما قبل الانقلاب سوى مشروع لهزيمة الثورة وأهدافها، وهي التي قالت إن الجنرالات كانوا يعدون للانقلاب ومنذ سقوط الدكتاتور البشير! وعندما وقع حمدوك على البيان السياسي الذي أعدته قوى الانقلاب، قالت “قحت” إن حمدوك طعن الثورة في ظهرها!

ثم فكرت “قحت” أن الحل للانقلاب يقع على عاتق الآلية الثلاثية، فأعلنت في بيانها بتاريخ 19 مايو 2022 الآتي: “المهمة الرئيسية للآلية الثلاثية والتي ندعمها، هي طي صفحة الانقلاب والوصول إلى إقامة سلطة مدنية ديمقراطية. والصراع الحالي ليس بين المدنيين، بل هو صراع أطرافه واضحة وهي قوى المقاومة المدنية من جهة والانقلابيين من الجهة الأخرى”.

عقد المكتب التنفيذي لقوى الحرية والتغيير اجتماعا طارئاً ظهر الأحد الموافق ٨ مايو ٢٠٢٢م، ناقش خلاله رؤيته حول العملية السياسية تحت رعاية الآلية الثلاثية، حيث توصل إلى الآتي:

“رابعاً: يجب أن تؤدي أي عملية سياسية تحت رعاية الآلية الثلاثية إلى تحقيق مطالب قوى الثورة بإنهاء الانقلاب وتشكيل سلطة مدنية كاملة ” وهكذا اتضح أن مهمة الغاء الانقلاب مهمة تقع على عاتق الآلية الثلاثية، تسلمهم السلطة الخالية من غلطة الانقلاب.

الجدير بالذكر أنه في أول لقاء مع الآلية كان موقف “قحت”: “وقد أكد الوفد على موقفه الثابت في مقاومة وإسقاط الانقلاب ومساندته ودعمه الكامل لما ترفعه الجماهير من شعارات ورفضه لاتفاق ٢١ نوفمبر ٢٠٢١ م”، جاء ذلك في بيانهم الصادر في ٧ ديسمبر ٢٠٢١. والجدير بالذكر كذلك أن هذا البيان مثل “هيجة” انتظمت بياناتهم في نوفمبر 2021. ففي نوفمبر هذا، وعلى متن 3 بيانات، هتفت “قحت ” باللاءات الثلاث! “أيا والله!” نفس لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية بذات جمالها وثباتها، هتفت بها “قحت ” وقالت للثوار أنا معكم. ولكنها لم تستمر، ووجدت حلا آخر” لمشكلة الانقلاب “! أو ” الأزمة السياسية” بعيدا عن اللاءات الثلاث.

بعد اقتراحها للحل بواسطة الآلية الثلاثية، ها هي تقترح الآن الحل بواسطة آلية دولية؛ ففي رسالة لأصدقاء السودان -اجتماع السعودية بتاريخ 18 يناير 2022 قالوا: “وطالب التحالف المجتمِعين بدعم مطلب تكوين آليّة دوليّة رفيعة المستوى تكون مقبولة للشعب السوداني ومتوافقة مع تطلعاته لتساعد في تطوير عمليّة سياسيّة ذات موثوقيّة تُنهي الوضع الانقلابي كليًّا وتؤسس إطارًا دستوريًّا جديدًا يحقق مطلب السُلطة المدنيّة الكاملة التي ينشدها شعب السودان”.

وقد جاءت فكرة الطلب لأن “المشاورات الأوليّة التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة المتكاملة بالسودان قد تعرّضت لضربة قاصمة بواسطة سُلطة الانقلاب” كما جاء في الرسالة.

فى 12-5-2022 أصدروا بياناً حول اجتماعهم مع الآلية الثلاثية، قالوا فيه ” أولاً: الأزمة الراهنة في البلاد هي نتاج مباشر لإجراءات 25 أكتوبر والحل الصحيح لها هو إنهاء هذا الوضع والتأسيس الدستوري الجديد لانتقال يتوافق مع رغبات وتطلعات الشعب السوداني في التحول المدني الديمقراطي.”

“ثانياً: تؤمن قوى الحرية والتغيير بالحل السياسي كأحد أدواتها التي تستخدمها في التعاطي مع أزمات البلاد الذي يكمل ولا يستبدل أدوات شعبنا المجربة والمستحدثة في المقاومة السلمية، ولكن الحل السياسي الذي نتبناه في وضعنا الراهن هو الذي يحقق مطالب الشارع المتمثلة في إنهاء إجراءات 25 أكتوبر “. إذن، فالحل السياسي هو وسيلة الغاء الانقلاب، ام الأدوات شهبنا المجربة فهي مجرد أدوات في المقاومة السلمية! تعتبرها “قحت” كأدوات ضغط مفيدة، وليست ادوات الشعب لإسقاط الانقلاب.

صار للانقلاب اسما لطيفا ويستاهل الاعتبار فهو الآن ” إجراءات 25 أكتوبر. “والحل السياسي” هو الآلية المتبناه، لأنها تحقق مطالب الشارع. وتسأل ما الذي حدث للاءات الثلاث؟ بل ما الذي حدث للحل السياسي بذاته؟ وهو سؤال لا يمكن تفاديه عندما تقرأ بيانهم بعد اجتماعهم مع السفيرة الامريكية والسعودي، حيث سطر بيانهم الآتي: “قوى الحرية والتغيير تعتمد ثلاث وسائل لهزيمة الانقلاب هي الثورة الشعبية الجماهيرية والتضامن الدولي والإقليمي والحل السياسي المفضي لتسليم السلطة للمدنيين”. يحتل الحل السياسي المركز الثالث الآن، يا لهوانه، وقلة اعتباره عند ناسه!

لخطاب “قحت” نوعين يتحركان بين الإفصاح المتوتر والغموض، ونادرا ما يتفاديان النفاق. يتأثر ذلك بالاقتراب الظاهر للموقع الطبقي لمكونات “قحت” ، وبالتالي التعبير السياسي الواضح عنه، أو محاولة الاقتراب من الموقع الطبقي المغاير، حيث يوجد طبقات الكادحين مجتمعة في كتلة ثورية، تتكلم في السياسة بالجملة الثورية ( اللاءات الثلاث وتفاصيل برامجها ) ، تحاول “قحت” استلاف شعاراتها خوفا من بقاع العزلة التي تقترب من حصارهم، حيث تضغط الاسئلة ذات الأهمية السياسية على العقل السياسي “لقحت” مثل الخيار بين إلغاء الانقلاب أم هزيمة الانقلاب، الثورة أم العملية السياسية، نوع العلاقة مع الكتلة الثورية وصيغ التحالف واشكاله الممكنة في الفترة الانتقالية، أم التحالف نتاج المساومة مع “المكون العسكري !”… الخ.

عندما تصدر “قحت” البيانات الجماهيرية تسبغ أعظم الصفات للشعب السوداني، فتخاطبه ب “شعبنا الهمام “، “شعبنا التواق للحرية ” و“شعبنا الصابر المثابر ” “جسارة شعبنا المذهلة “… الخ. كما ان بياناتها تدعى ان الثورة هي الوسيلة المعتمدة لديها لإقامة سلطة الشعب الديمقراطية، وهي الوسيلة الاساسية التي تعتمدها الجماهير و”قحت”. وعندما تخاطب المجتمع الدولي تختفي تلك العبارات والمفاهيم المزعجة، يظهر الدولي كمتعاطف وكداعم للانتقال الديمقراطي وأداة تحقيقه، وتصبح أكبر موجهات السياسة عند “قحت” هي عدم الرغبة في خسارة ودعم المجتمع الدولي، وهو المجتمع الدولي المشغول بالاجتماعات في بيت النفيدي والسفير السعودي، حيث تنجز التسوية بما لا يقل من ال 80% من الاتفاقات على قول فولكر.

لقد مثلت التسوية الخيار السياسي الأساسي “لقحت” لحل ما تسميه بالأزمة (بدلا عن التسمية الحقيقة للواقع بأنه ثورة). والتسوية كانت خيارات “قحت” منذ أن تم اعتماد وتغيير الإعلان السياسي والوثيقة الدستورية وتوقيعها، وكانت وثيقة أخرى غير ما اتفق عليه جمع قوى الحرية والتغيير في صبيحة الثورة. والتسوية كحلت عيون “قحت” بالرضا طوال فترة سيادة اللجنة الأمنية لجنرالات البشير المخلوع حتى سويعات قبل الانقلاب. التسوية هي ممارسة تفاصيل الهبوط الناعم، أمرت به الامبريالية الدولية (الترويكا وأمريكا والسعودية والإمارات والساقطين من الاتحاد الأفريقي). رفضت “قحت” التفاوض المباشر مع مجرمي اللجنة الأمنية لنظام الكيزان بعد مذبحة القيادة، فساقهم – في اليوم الثاني- بوث والسفراء السعودي والإمارات وحشد من ضباط المخابرات الأجنبية إلى منزل النفيدي للاجتماع مع ممثلي المجلس العسكري المجرم. رفضوا اجتماع روتانا لأنه ضم آكلي الموز داعمي الانقلاب، فساقتهم- في اليوم التالي – السفيرة الأمريكية إلى منزل السفير السعودي لمفاوضة المجلس العسكري المجرم (سيد الانقلاب)، وقد أنجزت التسوية ال 80% من الاتفاق على ما رغبوا في تسويته.

وفى خطابها الاخير تعقيبا على خطاب زعيم الانقلاب بتاريخ 5 يوليو أكدت “قحت” بأنها “ستكثف وتيرة اتصالاتنا مع الأسرة الإقليمية والدولية، بغرض مناقشة تطورات الراهن السياسي، وحشد السند والتضامن مع الشعب السوداني في مقاومته للاستبداد وسعيه للحرية والسلام والعدالة، لقد أثبتنا عملياً عبر تعاطينا الإيجابي مع المبادرات الدولية المطروحة أن قوى الثورة لها مطالب عادلة تسعى لبلوغها بكل السبل السلمية بصورة موضوعية وعقلانية، “! (يا سلام !1).

التفاوض هو ضرورة ومنهج التسوية لتحقيق الهبوط الناعم. والثورة هي نقيض التسوية وهي نقيضة التفاوض بدأ، والثورة هي اللاءات الثلاث ومشروعها، وهي هزيمة فكرة الهبوط الناعم، والثورة هي هزيمة جمع العساكر القتلة وإخضاعهم للقصاص العادل.

والثورة هي الهزيمة الماحقة للانقلاب، وليست إلغاءه. استمرار احتلال للشوارع وملئها بالمواكب تصدح بالهتاف والنشيد، وذكرى الشهداء الهادرة وتحويل اعتصاماتها ووقفات احتجاجها إلى منابع للتفكير المبدع المستهدف لتجميع مواقع الالتقاء والتوافق المنتبه للمشترك من فكرة ثورية، حملتها المواثيق الثورية بكامل الوسامة والوضوح. والوصول إلى وثيقة واحدة، أقرب للاكتمال تطرح برنامجا للعمل ومركزا موحدا يعمل على قيادة إنجازه عبر قيادة ثورية بما هي ذكية ديمقراطية للحراك الجماهيري الواسع لإسقاط الطغمة العسكرية، وبناء السلطة المدنية الديمقراطية. قيادة تستمر في دفع حركة الجماهير الثورية في التصاعد إلى إضراب سياسي متفجر ومتماسك، وعصيان مدني سميك ينزع السلطة من أيدي القتلة ويرسلهم الى حساب عسير، ويذهب إلى تحقيق أهداف الثورة المجيدة.

 

 

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 1 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.