‫الرئيسية‬ ثقافة رحى بلا طحين
ثقافة - 30 يوليو 2022, 1:53

رحى بلا طحين

خانق هذا الصباح، رطب انعدمت فيه النسمة وتوقف الهواء توقفا تاما، حتى كادت الأشجار أن تصير أصناما ودمى د، والشمس مختبئة داخل قبة السماء، خلف بواكير صباح يموه قدومها الآتي، وهي تحشد في جوفها نهارا قائظا، وتشحذ في أشعة ألسنتها اللأسعة.

مسح عبيد عرق جيده وجبينه المتفصد، ونفض جلبابه الملتصق به، وهو يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويتعجب من صباح أتى على هذا النحو، جلس وهو يمسح عينيه من أثر النوم، اثر السهد الذي كابد فيه ما كابد، وهو يحاول ترتيب أمورٍ شتى، في رأسه حتى أعياه التفكير فنام قرب صلاة الصبح.

هب عبيد من سريره وهو ينتفض، إثر سماعه طرقات عالية على باب داره الحديدي، ركض ووجيب قلبه يسبقه لفتح الباب فلم يجد أحداً فاستغرب، ولكن شيء ما جذبه من أسفل جلبابه قرب قدميه، فوجد طفلا في الخامسة يستجدي كسرة خبز، أو حمل قمامة المنزل وهو يشير إلي بطنه الخاوية، وفي يده حجر كبير قريب من حجم رأسه كان يطرق به باب الحديد الصلد العتيد، زجره عبيد بأعلى ما لديه من صوت وصرخ في وجهه بعزمه كله، وصفع الباب في وجه الصغير، ولكن وهو يخطو إلى داخل المنزل رق لحاله وتذكر الله والرسول (صلى الله عليه وسلم) والحساب والعقاب وذل السؤال يوم الدين… والآية ( و أما السائل فلا تنهر )، وجال في ذهنه الكثير من ذلك، حتى أوشك أن يعود لسب الصغير في نفسه مرة أخرى، ولكنه كان قد صحا تماما، فذهب من فوره إلى مطبخ منزله، وعاد بأقرب كيس وجده أمامه، وقد كان مليئاً بالخبز حمله في فورة هياجه تلك ولم يستفسر عن مصدره وكنه محتواه، فتح باب الحديد الصلد ولحق بالصغير في الشارع وأعطاه إياه، وعند رجوعه إلى داخل المنزل لاقته زوجته متجهمة الوجه والقسمات عابسة وعند رؤيته هبت صارخة في وجهه مما أزعجه، تسأل عن كيس الخبز وأين ذهب به ولمن أعطاه ؟ مستطردة بأنه خبز الصغار الذين يتأهبون للذهاب إلى المدرسة الآن وماذا يأكلون ؟ وميعاد المدرسة أوشك. جعلها عبيد تصرخ ما شاءت وتنعته بنعوت شتى قبيحة، وكأنها كانت في انتظار هذه السانحة لتهب فيه، فليس لديه أي حديث الآن معها، فهو مذنب، وسوف يتحمل نتيجة ما فعل، وثقلت نفسه أكثر عندما تذكر أن ليس هناك أحدُُ غيره سيحضر الخبز، لأن الخادم قد خرج عصر أمس دون عودة بعد اكتشاف سرقة ساعته التي عاصرته عمرا، وكانت هدية من أعز أصدقائه له عندما عاد من سويسرا بعد مضي فترة بعثته هناك، زاد في تلك اللحظة نقمه على الخادم مفتقدا ساعته، كما اكتشفوا سرقته لنظارة ابنه الكبير أيضا.
عليه الآن الذهاب إلى الفرن ليأتي بالخبز للصغار قبل اصطحابهم إلى المدرسة، غسل وجهه وذهب راجلا إلى الفرن، اجتاز فناء منزله وهو ينظر إلى سيارته القديمة، رابضة منذ سنوات تستجديه أن يخرجها من مكمنها، سيارته عتيقة عاصرته عقدين من الزمان، وشهدت فرحة ومولد بعض أولاده وهي موديل قديم لم يعد مستعملا إلا في بلد إنتاجها أو بعض البلاد الثرية، ولا يستطيع بيعها فلا أحد يريد شراءها كما لا يستطيع تصليحها لتكلفتها الكبيرة ولا يستطيع شراء غيرها، وهو في انتظار اسبيرات لها طلبها من أخيه الصغير منذ عدة سنوات ووعده أخوه بإحضارها وهو يتذرع في كل اتصال بأعذار شتى، حتى آخر اتصال قبل ثلاثة أشهر وعده بأنه سوف يحضرها قريبا عند حضوره في إجازته، أخوه هذا يعلم علم اليقين أنه في حاجة هو وأبناء إلى السيارة.. هم في نفسه أن يحقد عليه.. لكنه يحبه فقد رباه بعد موت أبويه مع أختيه وعلمه وصرف عليه إلى أن بلغ مبلغ الرجال، وبعثه إلى الخارج ليكمل تعليمه الجامعي، وفور عودته تزوج زميلة له كانت معه في بعثته وهاجر مع زوجته إلى دول الخليج العربي، ولم يحفل به بعد ذلك، كما لم يساهم أو يساعده في زواج أختهما الصغرى التي تزوجت بعده. تذكر عبيد أنه لا يستطيع ذكر ذلك أمام زوجته فهي تحقد على أخيه الصغير ذلك وتحقد على زوجته أيضا. لذلك لن يصب الماء في الزيت الساخن، ويكفيه ما سمع قبل قليل.
عاد عبيد بالخبز ليجد ابنه الصغير ذا الأربعة أعوام يصرخ صراخاً حاداً يقطع الأكباد، رمى بالخبز جانبا وكانت أمه تحمله، وهي تهرول وتولول داخل فناء الدار وصدر الصغير وقميصه مبللان بالدم المخلوط بالماء ودموع الصغير، وشفته السفلى متورمة وأسنانه العليا ساقطة وقد أخبرته زوجته وسط صراخها بأنه وقع من سطح طاولة المطبخ، أخذ عمامته وهرول بالصغير إلى خارج الدار وذهبت زوجته وهي تنتحب لتعود وهي تجر ثوبها على عجل لترافقه، هم أن ينتهرها لتعود أدراجها لكنه عدل عن ذلك، فذهابها لن يغير من الأمر شيئا أو كأنه آثر السلامة من ثورتها والظرف لا يتحمل أكثر من ذلك. خرج لم يجد سيارة أجرة أمامه وانشغل عن ذلك عند مشاهدته لجاره الملاصق له وهو يخرج سيارته البيضاء الفاخرة من جراج بيته. عبيد يدرك تماما أن جاره شاهده هو وزوجته وطفله في مرآة سيارته ولكنه عمد أن يتجاهلهم، فليكن، ألم يحث الله ويوصي على سابع جار فلن يتركه، فذهب إليه متعشما في أن يوصله إلى المستشفى، فهو يعلم أن المستشفى في طريق مكتبه، ذهب وأخبره بما حدث، اصطحبهم جارهم وهو يبدي اهتماما مصطنعا، وأنزلهم أمام المستشفى وهو يعتذر بأن أمامه عملا، وتمنى لهم ما تمنى من خير، أستغرق خياطة جرح الصغير ما استغرق من زمن وجهد، وهرول عبيد كثيرا بين ردهات المستشفى وصيدلية في الشارع المقابل لها، واشترى ما طلب الطبيب المتعجرف الذي لم يفعل شيئاً سوى أن تحرك من كرسيه بعد ذلك ليخيط جرح شفة الصغير في تؤدة وتأن وقد اخترقت صرخات الصغير ردهات المستشفى الحكومي العتيق النتن وقلب عبيد وقلب زوجته يتفتتان لذلك.
عادوا بسيارة أجرة وأفرغ لسائقها ما تبقى بمحفظته، وتشاجر مع زوجته عندما سمعت منه وهو يحادث السائق بأن ذلك كل ما يملك وليس لديه حق الغداء اليوم.. وقد أثارها أكثر وهو يقول لها عليها اليوم أن تطبخ عدسا، وهو يعلم بأنها متعجرفة، كيف يقول لها أن تطبخ عدسا وهي سليلة أسرة ثرية عريقة.. جار عليهم الدهر.. هم أن يبتسم ولكن لا مجال، أمامه مطبات شتى، عليه توصيل الصغار إلى المدارس.. مصاريفهم اليومية.. الطريق وازدحامه الخانق.. الكبري و الزحف الصباحي اليومي المعتاد فيه، تعوده منذ عقود تربو على الأربعة. ولكنه زحف واختناق متنام بمعدل مضاعف، أو كأنه مقنن، أين الكبري الجديد ؟.. لم يحل أي إشكال، هم أن يقذف الحكومة ويسبها في نفسه، ولكن تذكر أن هذا حال كل عهد أو حكومة عاصرها منذ الاستقلال فهو من مواليد عقد سبق الاستقلال، منذ وعيه والحكومات متقاعسة عن تحقيق أقل مطالبه، والشوارع الواسعة المرصوفة المضيئة والسيارات المنسابة فيها هو متيقن بأنه لن يراه إلا على شاشات السينما كما يقول العامة.. عاد وقذف الحكومة وسبها متمتما، عليه عوائد.. ضرائب.. فواتير ماء وكهرباء وفواتير هاتف معطل.. إيجار البيت وصاحب الدكان.. مصاريف المدارس.. مصاريف البيت.. المجاملات.. الديون.. راتبه مهزلة لا يغطى بندين مما سبق.. الشتاء قادم وكذلك رمضان و الأعياد بعدهما يليهم افتتاح المدارس من جديد، ابن عمته يعاني فشلاً في الكلى ويقوم بغسلهما.. ليس لديه معين غيره.. وعندما يذهب ليعوده في المستشفى لا يفعل شيئاً سوى أن يعطيه فواتير كل شيء، عمته أخت أبيه الوحيدة سوف تأتي من البلد لكي تجرى لها عملية في عينيها الاثنتين.. بهما مياه بيضاء.. سوف تحضر معها ابنتها الوحيدة وأطفالها لملازمتها فهي لن تترك أمها في يد زوجته الغريبة عنهم، سوف يحضر ضيوف كثر من أجل ذلك.
ترجل عبيد من السيارة وكان الصغير قد غط في نوم عميق إثر البكاء والإنهاك والتعب، نزل بحرص منها لكي لا يصحو الصغير ويعاود البكاء ولم يحفل بحديث زوجته ولم يستوعب منه كلمة واحدة، فقد تكفل سائق سيارة الأجرة بذلك، وعلى ما يبدو كان الحديث منصبا على ما يبثه الراديو من برامج فكلاهما كان ينتقد الراديو وأيضا التلفاز، وكان صوت زوجته وهي تتحدث إلى السائق حاداً يشوبه القلق والتوتر.
دخلا الدار فقابلتهما ثورة عارمة، فثلاثة من أبنائهما يصرخون في صوت واحد … أبوي محمد سكب اللبن.. لم يوافق الموقف سوى زوجته التي هبت ثائرة ثورة تحاكي ثورة الخبز الصباحية واستغرب عبيد من أن الثورة كلها توجهت إليه وكان خلاصتها أنه فاشل في كل شيء، .. لم يهاجر مثل غيره.. لم يغترب.. لم يترقّ.. لم يدخل السوق.. لم يسافر سوريا..لم يبن بيتا.. ليس لديه كلمة مثل الرجال ليوقف جور أهله عليه واستغلالهم له.. ليس لديه كلمة حتى مع أخيه الصغير الذي رباه.. لم.. لم.. آخرها لم ولن يستطيع أن يربي حتى أولاده.. وهاهم فقد سكب محمد اللبن وليس هناك شاي صباحي، فقط شاي ساده دون حليب..احتدم الموقف والساعة تدق التاسعة صباحا، وجب قلب عبيد فقد تذكر مديره ووجهه المتجهم، هب هذه المرة هو في صغاره لكي يتعجلوا فقد فاتت حصتهم الأولى.. زاد الهرج والمرج، أمي أين شرابي.. قميصي.. حذائي؟.. لا أريد شايا سادة.. أريد ساندويتش أريد. . لا أريد.. تمنى عبيد كوب الشاي السادة ولكن لا وقت، ركبوا جميعا الحافلة أنزل الأولاد أولا في ناصية شارع المدرسة وأكبرهم يلقي مسألة التأخير على أبيه ويعلمه بأنه لا ذنب له فيها ويخبره بأن يستعد لمقابلة ناظر المدرسة في الأيام القادمة، أما محمد فهو هائم كعادته لا يلقي بالا لشيء، أنزل البنات في الساحة القريبة من مجمع مدارسهم، في العودة يعودون جميعا مع زملاء لهم آباؤهم يملكون سيارات، كان الجدل معهم يحتدم وهم يفارقونه في تلك اللحظات، حين يهم بإعطائهم المصروف اليومي فهو أقل من نصف ما اعتادوا عليه، فيصرخون ويصرخ فيهم حتى يكاد قلبه أن يتوقف فيحسم الأمر بأن ينتهرهم ويحث سائق الحافلة بالتحرك، إحدى البنات دخلت مدرستها وهي تنتحب، لأن المدرسة هددتهم بأن من لا تحضر ما طلبت أمس فسوف تحرم من كذا وكذا اليوم، وكان يحاول أن يشرح لهم في عجالة وسط زحام الركاب وتحرك السيارة ظرف اليوم الطارئ وما حدث لأخيهم الصغير.. ولكن لا أحد فيهم يحاول أن يستوعب الأمر تركهم بعد أن أوصاهم وصاياه المعهودة وهو على يقين بأن لا أحد فيهم قد سمع شيئا منها.
استقل وسيلة مواصلات أخرى ليصل لمكان عمله، كان اختناق الكبرى قد خف، ولكنها كانت العاشرة والنصف صباحا حين دخل دائرته الحكومية، وقد قضى ساعة أخرى كاملة يعتذر عن أسباب تأخره ويحكي السبب، الجميع تركوا كل شيء ليعرفوا أسباب تأخر عبيد أفندي، وأطنب الجدل وزاد حين ذكر المبلغ الذي دفعه لسائق الأجرة إذ دارت معركة كلامية عن غلاء أجرة التاكسي وتفرع الجدل إلى السيارات وأسعارها والبنزين وسيارات الحكومة وسيارات المديرين وما يجد المديرون من امتيازات وتطرق الحديث إلى الأسرار والفضائح وغيرها، آخر من سمع قصة تأخر عبيد المدير الذي أتى بعده بقليل سمع قصته ولكن كعادته لا أحد يعلم دواخله، فوجهه المتجهم دوما لا ينم عن ما بداخله، تساءل عبيد في نفسه هل يا ترى تجاوب معه ؟ حن عليه أم يضمر له شيئا ؟ أو سوف يمسكها له مذلة ؟ كله وارد ولكن لا يستطيع أن يتكهن بالأمر.. توجس قليلا وانتابه القلق، ولكنه توكل.. وباشر عمله الرتيب وساعتا تأخره زادتاه رتابة ومللاً وتكدساً شرع فيه دون حماس وطعم مر تحسسه في لعابه فازدرده.. أثناء عمله قرصه الجوع، واشتد وجع رأسه فعدم شرب الشاي صباحا يفعل به ذلك، فليته شربه حتى لو كان دون حليب وزاد وجع الرأس حين أعلمه أحدهم بأنهم فطروا دونه فقد حسبوا أنه لن يحضر اليوم، فاكتفى بكوب شاي ليعينه على قضاء باقي اليوم.
لم ينتبه عبيد إلا على صوت هرج ومرج الموظفين وهم يغادرون مكاتبهم اليوم يوم من أيام آخر الشهر، فعليه إتمام عمله، وقد بدأه متأخرا. بعدها خرج وكانت الشمس قد تم خروجها من مكمنها مشرعه كل أسلحتها المحتشدة اللاسعة، لتلهب وتلسع الجميع فلا يسلم منها حجر أو شجر.
تنقل من وسيلة مواصلات إلى أخرى، كل واحدة منها حديدها أشد لسعا واكتظاظها أشد في نهار ذلك اليوم واختناق الكبرى وزحفه لا ينقطعان. دخل داره زوجته ناقمة عليه كعادتها ولن تحدثه تمنى ذلك ليتها تفعل فصداعه قد أزداد واستحكم، كما أنه اليوم لم يعطها شيئا.. فالصمت أفضل، لاقاه محمد ابنه الصغير، فهتف الابن به أبي.. أبي.. عاد عمي عمر وعمي سالم من البلد وتركوا حقائبهم وسوف يعودون في المساء!! زوجته تتشهد بأعلى صوت لديها وهي رافعة يديها إلى السماء.. هم أن يبتسم ولكن خانته عضلات فمه إثر الجوع والتعب جلس إلى طاولة الطعام بعد أن اغتسل وسط صرخات الصغار وهرجهم وباغته أن وجد شيئاً بجانب العدس، .. ماكرة من أين أتت بالمال.. أم كرامتها كبنت عز لم تدعها تكتفي بالعدس.. هم أن يبتسم ولكن عدل فقد أوصله التعب والإنهاك حدا لا فكاك منه إلا بالنوم.. تمدد.. لم يتسن له أن يغفو لم تمض سوى خمس دقائق وإذا بطرقات عالية عنيفة وصخب على باب الحديد الصلد، أتى محمد.. أبى.. جارنا حسيب على الباب يريدك بسرعة، صوت صرخات تتعالى ووجيب قلبه يسبقه. . بادره الجار حسيب برفع الفاتحة وهو يقول هل لنا أن نفتح داركم لعزاء الرجال ؟ والد زوجتي توفى، جاءنا الخبر الآن سوف نسافر غدا صباحا للبلد، بيتنا كما تعلم ضيق سنتركه للحريم، العجيب يا أخي عبيد أنه كان يتكلم معنا مساء أول أمس الأعمار بيد الله.. ينتحب احتضنه عبيد مواسيا وتمنى أن لا يدعه فقد دنا عبيد أن يغشى عليه ويقع ولكنه تماسك وجاهد حتى استطاع أن يفتح باب الحديد الصلد على مصراعيه، وتدفق إثر ذلك رجال الحي وبعدها تدفقت الكراسي وتدفق الماء والشاي وترك الصغار دروسهم وجالوا وسط الجمع، تصدر عبيد المجلس بوهنه لابد من ذلك فالدار داره، أغلق عبيد باب الدار بعد منتصف الليل بعض المعزيين يفترشون أرض الفناء للنوم لا مكان آخر لهم افترش معهم الأرض لابد فالدار داره …فليكن فغدا صباحا هم راحلون شد الغطاء.. لم يكمل ذلك.. طرقات على الباب أتى عمي عمر وعمي سالم الفاتحة ماذا حدث.. لاشيء والد زوجة جارنا توفي. . الترحاب.. أيقظ زوجته خاف ثورتها ولكنها منهكة فاليوم مشحون كما أنها سوف تضمرها له كعادتها، أشعلت النار.. عشاء.. شاي.. دار الحديث عن سبب تأخرهم إلى ما بعد منتصف الليل فأمورهم لم يتسن لهم الانتهاء منها إلا بعد منتصف الليل إذ ذهبوا إلى ابن فلان في حلة سموها له لكي يتوسط لهم عند فلان، ولم يتسن لهم تناول لقمة منذ ظهر اليوم، أدخلوهم غرفة الأولاد وحمل عبيد الأولاد النائمين، واحدا واحدا إلى غرفته وزوجته، عندها لم تتمالك زوجته نفسها فهبت في صوت خفيض فيه خشية أن يسمعها أحد من الضيوف، دنت الساعة من الثانية والنصف صباحا حين هم بالذهاب إلى مكانه في أرض الفناء لينام بجانب ضيوف العزاء افترش الأرض وجسده كله ينتفض، وقد عصاه النوم وتنبه.. شيء ما يفتك به لم يستطيع القيام ليتناول حبة دواء تعينه، المعزون حوله يغطون في سبات عميق منهكون، .. زوجته مكدودة و بعيدة عنه وتغط هي وصغارها في النوم.. الحمى توشك أن تفتت عظامه، .. ولا نوم يطاوعه ليغلبها حتى الفجر، لم يستطع النهوض.. طرقات على الباب والفجر يوشك، تكفل ضيوف العزاء وحدهم بفتح الباب على مصراعيه، تدفق الرجال.. تدفق الماء وتدفق الشاي قام يتوكأ على ذاته الخربة، جلس معهم فالدار داره، لم يستطعم شاي الصباح ذلك كان مرا كالحنظل فتركه وهو يتساءل في نفسه ماذا به يا ترى ؟ نفسه (مسدودة) عن كل شيء.. جر نفسه جرا ليذهب لضيفيه عم عمر وعم سالم النائمين في غرفة الصغار، لم ير زوجته، أتت بعد قليل عابسة لتضع الشاي للضيوف داخل غرفة الصغار، تطوع ابن الجيران لإحضار خبز الصباح من الفرن.. لم يقو عبيد على الذهاب إلى العمل أو على توصيل أولاده إلى مدارسهم.. فالحمى تفتك به تحامل على نفسه أكثر وجلس مع المعزين وتارة مع ضيفيه في الحجرة، لا يستطيع أن يقول إنه مريض، فالبيت مليء بالضيوف وأهل العزاء لم يسافروا كما وعد جاره، ضيوفه الآخرون سيظلون حتى تكتمل أمورهم، عمته قادمة في القريب.. التلفون معطل لا يستطيع أن يتصل بمصلحته ليخبرهم بمرضه.
ذهب عم عمر وعم سالم لقضاء مصالحهم بعد الإفطار لم يستطع أن يتناول شيئاً معهم فمازالت نفسه (مسدودة).. رويدا.. رويدا ارتخى كل شيء فيه عضلاته.. أعصابه.. عيناه.. ولكن كان يسمع طرقات متتابعة على باب النساء خلف المنزل فباب الرجال به أهل العزاء والطرقات كانت لطالبي أعمال البيوت بنات وصبياناً.. لشحاذين.. ألديكم قمامة.. ؟ أحدهم قدم أوراق طبية (كونسولتو ) لمريضة بالقلب يجمع لها المال لتسافر إلى الأردن، عائد من الجهاد يده مقطوعة.. يطلب صدقة.. كان عبيد في شبه غيبوبة ولكن ابنه محمد يأتيه بتلك الأخبار تباعا، أحدهم تسلل من مكان العزاء فأخذ ملابس ابنه محمد من الحبل ثارت زوجته دون أن تراعي ضيوف العزاء وابنه محمد يبكي ويلح في شراء غيرها اليوم، أمه تصرخ فيه أين عمك وتعب أبوك فيه؟ لماذا لا يأتي بملابس لك؟ ولكن أبوك استغفر الله. كانت توجه الحديث إلى عبيد وعبيد يتلاشى، وهي لا تحادثه لليوم الثاني ولا يعطيها نقوداً ولن تحدثه وسوف تطبخ عدسا اليوم مهما حدث. عند الساعة الرابعة بعد الظهر رحل أهل العزاء بعد تدفق مزيد من الرجال والماء والغداء والشاي رحلوا وتركوا المكان وكأنه ميدان معركة أو حرب انتهت لتوها.
بعد العصر مزيدُُ من الطرقات رجال لا يعي عبيد من هم.. نساء.. صغار شحاذون.. دائنون.. أتى عم عمر وعم سالم.. أحضر الغداء لهم لم يتسن له رؤية صينية الغداء وما بها: لم يحفل الحمى تفتك به ويتلاشى.. عزم عند الغروب الذهاب لفحص دمه إنها الملاريا تعوده لا بل هي مقيمة عنده، تذكر بعد لأي أنه ليس معه نقودُُ لدفع ثمن الفحص أرسل ابنه محمداً لجاره طالب الطب.. أخذ الطالب عينة الدم وعاد ليخبره أن ليس لديه ملاريا استغرب عبيد لأول مرة لا تكون معه أين ذهبت أين ذهبت يا ترى ؟
هذا الشيء الذي يفتك به شبيه بها. طرقات على الباب نفس ما كان ونفس الهرج والمرج تحامل على نفسه على أمل أن يستطلع الأمور ولكن هذا الشيء الشبيه بالملاريا يذويه لزم الفراش.. زوجته لا تحدثه مازالت عابسة. عند أول المساء تغطى بصعوبة واستكان لما ينهكه.
عند الصباح جذبت زوجته الغطاء.. عبيد ماذا بك ؟ أمس كان لديك عذر واليوم قد فات موعد استيقاظك وجاء موعد مدارس الصغار وقد فاتتهم المدرسة أمس بسببك.. عبيد.. عبيد.. صرخات.. عويل عبيد.. أبى.. أبى.. فتح باب الحديد الصلد مجددا على مصراعيه تدفق الرجال … نساء.. شحاذون.. دائنون.. لصوص.. نشالون امتلأت الدار مات عبيد.. الجميع
متعجبا كيف مات عبيد وقد كان في أتم صحة وعافية جالسا يستقبل معزي جيرانه.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.