‫الرئيسية‬ ثقافة كتابةُ الذاتِ الأنْثَوِيَّةِ كمُوَّلدٍ نَصَّي – مقدمةٌ لقصيدةِ النَّثرِ النُّسْويَّةِ السُّودَانيَّة
ثقافة - 29 يوليو 2022, 16:31

كتابةُ الذاتِ الأنْثَوِيَّةِ كمُوَّلدٍ نَصَّي – مقدمةٌ لقصيدةِ النَّثرِ النُّسْويَّةِ السُّودَانيَّة

عادل سعد يوسف

أنا خَلْفِي

وخَلْفَ أنَاي

مَنْ كانت قبلَ صرخةٍ ـ أنا

وسُلالاتُكَ في أثَرِى ألْسِنَةٌ رَطْبَةٌ

تَعَرَّقَتْ في شُقُوقِي

أَرْضَعَتْ الخُشُونَةَ والموَدَّةَ في رَحِمِي

وحَوْصَلَتْ النَّارَ حَوْلِي

فِي الأبدْ.

سارة حسبو

  

 

 

 مدخل:

      قصيدة النثر في تحولاتها الدلالية أصبحتْ فضاءً شعريًّا مفتوحًا، تؤسسُ لصيغةٍ جماليةٍ جديدةٍ في الكلامِ، وفيها أصبحتْ الشاعرةُ السودانِيَّةُ أكثرَ تفتُّحًا ومعبرةً عن همومِها بطريقةٍ  غيرِ مسبوقةٍ، احتضنتْ قصيدةُ النثرِ الصوتَ الأنثويَّ السودانيَّ، وهي إحدَى الفعالياتِ الجماليةِ المُتلألئةِ فِي مَتنِ الشعرِ السودانيِّ.

     لا شكَ أنَّ الحصارَ الذي  طوَّق كتاباتِ المرأة تحت ما يسمى بالكتابات الوجدانية هو نفسه الذي فتح الباب لمفهوم الكتابة النسوية والذي شكل مفهومًا نشطًا وبارزًا في اتجاهات النقد الحديث كما ظهر في دراسة إلين شوالتر Elain showalter «نحو شعريات نسوية» Towards a Feminist Poetics: يقول عبدالله السمطي الناقد المصري:  «النقد النسوي يمكن أن ينقسم إلى نمطين جليين، النمط الأول : هو ما ينتمي إلى المرأة بوصفها قارئًا للنتاج الأدبي، مع الحفاظ على فرضية تغيرات القراءة النسوية بالنسبة لمعطيات النص، التي توقظنا بدلالاتها وشفراتها الجنسية، وسوف أسمي هذا النمط بـ«النقد النسوي التحليلي»، أما النمط الآخر من هذا النقد فهو يرتبط بالمرجعية التاريخية أو بالأيديولوجيا، وبالظاهرة الأدبية، فهذه الموضوعات تتضمن: الصور، والكتابة التسجيلية، وأدب المرأة».

     يمركز النقد النسوي نفسه بوصفه نشاطًا جوهره النظرية النسوية فهو يعتمد على تصورات ومبادئ هذه الحركة في نقد اللغة في الأدب.

    لقد اصبحت قصيدة النثر تشكل نوعًا من الخلاص التعبيري عن قضايا المرأة التي تمس خصوصيتها، بوصفها انفكاكًا( قصيدة النثر) من الهيمنة الذكورية وهذا ما أشار إليه صلاح فضل في كتابه قراءة الصورة وصور القراءة حيث أشار إلى أن قصيدة النثر أكثر الأشكال التي تلائم وتتسق مع طبيعة المرأة. [i]

 

من العوامل التي مكنت لصعود قصيدة النثر النسوية:

– صعود  تيار النسوية وإعادة قراءة المنتوج النسوي، واتجاهات تحقيق المرأة لذاتها الكتابية في أشكال إبداعية. ويشير السمطي: «لقد انبثقت قصيدة النثر النسوية بوصفها ظاهرة من أهم ظواهر تحولات الشعرية العربية الحديثة،  بعد بدايات فردية في الستينيات والسبعينيات- في العقدين الأخيرين من القرن العشرين على الأخص، وتجلت بشكل مثير للانتباه في عقد التسعينيات بخاصة، ويتسنى لنا أن نعزو ذلك لعدة أمور:

– احتفاء الفضاء العام بالتجارب الجديدة والمؤثرة ومجافاة التجربة التقليدية.

– صعود قصيدة النثر في التسعينيات واعتبارها الشكل الشعري البارز في الخارطة الشعرية وتصدرها المشهد الشعري السوداني انفتاح قصيدة النثر السودانية على مستويات متعددة من الصيغ والأشكال  السردية والشعرية.

– ظهور أشكال تعبيرية نسوية في الرواية والقصة القصيرة.[ii] «النقد النسوي» و«الشعر النسوي» و«الرواية النسوية» الخ.

 

    ينسجم  النقد الأدبي النسوي مع النقد الثقافي،يعمل على تحويل الرؤى المعرفية للمرأة/ الأنثى إلى خطاطات نصيّة، وبالتالي يستطيع رصد ما هو أنثوى داخل المتن النصي باستكناه  المختفي والمضمر في المهيمن،  إنه نقد يستمع ويقرأ النص الأدبي للمرأة بمرجعية نقدية منفتحة على كل الإطارات النقدية السابقة، فهو يصغي إلى الشفرات المؤنثة المبثوثة في النصوص، ويدرك إيحاءاتها التي تعلن عنها مجمل الفروق الجنسية، لا فيما يتعلق ببنائها المادي الفيزيولوجي أو ببنائها الثقافي والاجتماعي.

 

    إن منجزات النقد النسويّ هدفت إلى إجراء مراجعة ثقافيّة لتغيير ماهيّة الصور النمطيّة الشائعة للمرأة، وإعادة النظر في نسق القيم الذي جعلها في موقع أدنى، وانخرطت في ذلك جماعة من الكاتبات، مثل: شارلوت جيلمان، وسيمون دي بوفوار، وبيتي فريدان، وكيت مليت، وجوليت ميشيل، وجوليا كرستيفا، ولوسي إيريغاري، وماري إيلمان، وإلين شوالتر، وهيلين سيكسو، وغيرهنّ.

    كما أن إن قابلية الشعر على احتواء المعرفة وإعادة إنتاجها تشكل لحظة ابستيمية في إعادة صياغة التمركزات لكن بشكل مغاير لما هو سائد يقوم على الجمالي.[iii]

 

       تحاول هذه الورقة  الوقوف على نماذج لقصيدة النثر السودانية النسوية دون الدخول في قراءة  قصيدة النثر قراءة نقدية، وهي بذلك تقف في حدود التعريف ببعض الأصوات الشعرية في قصيدة النثر السودانية. وفيها تختبر الورقة مهيمنة كتابة الذات لدى الشعر النسوي السوداني كمولد نصي، يضع الشعر كنمط أدبي يعيد هيمنة الذات في النص الشعري، ما بين السيرذاتي واليوميات، بهذا يتسع فضاء البوح وتتداخل فيه الأنواع الشعرية المختلفة. وتزعم «أن آليات القصيدة التقليدية لا تستطيع أن تفعِّل البوح الأنثوي الكامن في دخيلائها، وعليه قررت  الكتابة بأدوات جديدة تمكنها من تأسيس الذات الأنثوية الفاعلة» [iv]

يقصد بالذات « هي التي تتكون من مظاهر الشعورية كلها، وتعطي وحدة ثبات للهيكل البنائي للشخصية، وهي تسعى إلى تحقيق التوازن والثبات من جهة والتكامل والانسجام من جهة أخرى بين أوجه الشخصية»[v]

    إعادة كتابة الذات بعيدًا عن محمولها التاريخي إذ أنها خلوص للحظتها الآنية، في قصيدة النثر نرى  الشاعرة المتحدثة عن نفسها دون وصاية، إنها الأنا النسوية/ الأنثوية ، وهي الصوت الكامن في جل النصوص الشعرية  وعبرها تسعى الشاعرة إلى تقديم ذاتها وإلى تقديم الرؤية الأنثوية الحقيقية للعالم من جهة أخرى دون وصاية.

يقول الغذامي : لقد خرجت المرأة عمليا من مرحلة الحكي، ودخلت إلى زمن الكتابة. [vi]

 

ﺑَﺪَوْتُ  أَﻛﺜَﺮَ  ﺷُﺤﻮﺑﺎً ﻣِﻨﻲّ ﺣِﻴﻦَ وَﻗَﻔْﺖُ أَﻣﺎﻣﻲ؛

ﻣَﻌْﻄُوبةٌ ﺑِﻤِﻘَﺺٍ ﺻَﺪِئٍ على ﺣﺎﻓَﺔِ اﻟﺨِﺼﺮ.

أَﻗِﻒُ باِﻧْﺘِﺼَﺎبٍ داﺧِﻞَ ﻗﺎﻋَﺔٍ ﺗَﻌُﺞُّ ﺑِﺎﻷَﺷﺨَﺎصِ،

ﻓَﺎﻗﺪي اﻟﻤﻼﻣﺢ.

اﻷَﺷْﺨَﺎص ذاﺗِهم اﻟﺬﻳﻦَ راﻗَﺼُﻮني ذاتَ ﻣﺴﺎءٍ

على ﻃُﺒُﻮلِ اﻟﻨُﻮاح؛

ﻫَﻴئَتهم اﻟﻤُﻬْﺘَﺮِﺋﺔ ﻧَﻔَْسها،

وﻣَﻼﻣِﺤُﻬُﻢ اﻟﻤَﻔْﻘﻮدة،

حتى واروﻧِﻲ ﺑِﺬﻟﻚَ اﻟﻄِﻴﻦ اﻟﺒَﺎرِد.

ريتا صابر – صورة ومقص

 

   وإذا كانت الكتابة الذكورية تشكل موقفًا انطولوجيًا من العالم فإن الكتابة النسوية تسعى إلى كتابة تاريخ أنطولوجي للغياب القسري للذات أو التاريخ الذي كتب نيابة عنها في مرحلة زمنية معينة[vii].  فهي كذات تعبر عن العشق   في بوح تصيغ عبره هذه العلاقة الوجدانية، تكاد الذات الشاعرة الأنثوية فيها تذوب في الآخر من خلال التغني بالثمالة والحب في حضور لافت للمفردة الرومانسية ودلالاتها.

 

كُــــنْ جَمِيْلاً هَكَـــذَا وَاذْرِفْنِي

عَليَّ إِذْ أَتَهَــدَّلُ عَلَىْ خَدَّيْكْ،

تَنْبُتُ بِصَدْرِكَ بِضْعُ بُرْتُقَــــالات..

يَا صَوْتَكَ؛

رُوْحِي المُرَّاقَـةَ فِيْ تَهَجُّــدِ الأَنْفَاسْ

يَا حُرُوْفَ اسْمِي الثَّمْـــــلَى نَشْـــوَةَ رِيْقِكْ

يَا آبَارَ بَوْحِكْ؛

يَنَابِيْعِي وَمَصَبَّاتِيْ

ميادة محمد الحسن  – نِدَاءَاتٌ مِنْ بَطْنِ عُصْفُور

 

     في المقابل نجد الشاعرة سوزان كاشف  في استعمالها للجملة الاسمية التقريرية صباحٌ فقد ذاكرة النور، تحاول أن تؤثث الفقد على ذاكرة الأشياء الصباح الذي يفقد النور، ويتكئ على خاصرة الوجع، الساعة الهزيلة المتمهلة، لدرجة الضجر والمبادرة بالسؤال متى يمضي الوقت؟ لبلسها النسيان كمعطف قديم كذات تعرضت للانتهاك أي لحالة غياب.

 

صباحٌ فقد ذاكرةَ النورِ

يتكئُ يومي على خاصرةِ الوجعِ

أقدامُ الساعةِ الهزيلةُ

تمشي الهوينى

وأتشرنقُ بحزني

أتساءلُ متى يتدحرجِ الوقت؟

ويلبسني النسيانُ

كمعطفٍ قديمٍٍ بالٍ

تخرجُ من بين ثقوبهِ ذكرى إنسان.

سوزان كاشف – مساءات حزينة

    

      في شعرية غيداء أبو صالح بروز لخصوصية الأنا الماكثة بين الكلام والكتابة لتجعل الأنا محورًا ينبني عليه الخطاب كمغاير منفلت في الأثر، ومتفلت في الترائي، وهي التي تخبئ وجهه بين كَفَّيْها، لتعمده يسوعها، وهي يسوعُ الكلِّ  الذي يمضي في نقاء الآلام.

 

لكَ وجهُ نَبَيٍّ لا يُبِينُ أبدَاً

وَأَصَابعُ طَويلةٌ كشَهْقةِ الكَمَانِ

تعبرُ القوسَ المنحنَي كلَّ يومٍ

ولا أثرَ

لا أثرَ

لِخطْوِكَ ……

هَا أنَا

أخبيءُ موجَ وجهِكَ بينَ كفيَّ

وأقْتَفِي أثَرَكَ في الأصْدَافِ

أُعَمِّدُكَ (يَسُوعِيَ) حينَ أَكُونُ أنَا يَسُوعُ الكلِّ

أُعَمِّدُكَ بِمَاءٍ مَعْطُونٍ بِصَبْرِ الْحُبِّ

وَنَقَاءِ الآلامْ.

غيداء أبو صالح- الطوفان الآخر

   

     تنطلق الشاعرة حكمت أحمد إلى تفجير الموقف الأقصى الرافض، والتعبير عن مآزق الوطن وتعرية الواقع ونقد الذات، بصورة تتشكل من الجمل الاسمية المدببة والحادة والواصفة (العَلَامَةُ الحَمْرَاءُ لشِارِعِ القَصْر- وَجْهِي سَوْأةُ الدِّيَانَاتِ …) أو بطريقة تتغطى برمزية تجريدية عالية بإشارة قاصدة للمكان، عبر وجهها المقابل للآخر، الآخر الذي يرى الوجه عورة، الوجه المرتعش الحزين الذي تكفِّنُ بسمته طلقةٌ تنطلقُ ببرود ساحقٍ.

 

وَجْهِي

العَلَامَةُ الحَمْرَاءُ لشِارِعِ القَصْر

وَجْهِي الذِي عَشِقَهُ شُرْطِيُّ المُرُور

المُرْتَشِي

وَجْهِي الذِي أَرْبَكَ اللصَّ فَقُبَض.

وَجْهِي قُرْآنٌ يُتْلَى

وَأَحَادِيثُ قِيلَ عَنْهَا وَقَالَتْ عَنْ وَجَهِي

وَجْهِي سَوْأةُ الدِّيَانَاتِ

وَحَسَنَاتِهَا السَّيِّئَة

وَجَهِي العَوْرَةُ الجَمِيلَةُ فِي جَسِد السِّيَاسِيِّ العَاهِر

وَجْهِي الحُلوُ الحَزِينُ

المُرْتَعِشُ مِنْ طَلْقةٍ كَفَّنَتْ بَسْمَتِي فِي بُرُودٍ سَاحِقٍ وَلَا مُبَالاةٍ مُضْحِكَة.

وَجْهِي ذَات صَبَاحَاتٍ ضَالَّة

ذات ضَياعٍ شَاهِقٍ

وَاْلتِقَاءَاتٍ مُحْرَزَة

ذَات مَجْزَرَة.

حكمت أحمد

    

          لعل نصوص الشاعرة ماجدة عدلان المليئة بالأسئلة نصوص تراوغ من حين إلى آخر بالإشارة للمرأة في وحدتها عبر صورة مشهدية للأم، الأم المُحاطة بالعديد من الإنشاءات الثقافية والسياقات التقليدية الضاغطة التي تجعلها غير قادرة على تمثيل نفسها فبالأحرى باقي النساء، وهي بذلك تراوغ فضح الهيمنة الذكورية وتجلياتها. وهذا نحسه من الوحدة التي تعاني منها الأم، الأم التي لا تأبه لرغبات طفلتها، وهي ترمي بخاتمة نصها المتسائل مَتَى كانَ صَمْتِي فَضِيلةً غَيرَ مقبولة.

 

هلْ كنتِ تَشْكينَ مِن ألمٍ مَا؟

وَلمَاذَا كنتِ تتجوَّلينَ فِي أرْجَاءِ البيْتِ بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ؟

هَلْ كنتِ وَحِيدةً لِهَذه الدَّرجةْ؟

أينَ أيامُكِ الطَّيباتُ؟ ولماذَا ذهبتْ سَريعَاً؟

تَارِيخُكِ العَاطفيُّ المثقلُ ـ حكاياتُكِ القصيرةِ حوْلَ الناسِ، وَالعلاقَاتِ وحتَّى حَوْل هندسةِ الأزْهَار؟

فِلمَاذَا إذنْ كنتِ تَدُّسينَ فِي فِرَاشيَ أزهارَكِ الصَّغيرةَ ذاتَ المشْبَكِ العاجيِّ المُستديرِ

ولماذا لا تأبهينَ لصُرَاخيَ الصَّبَاحِيِّ قبْلَ ذِهَابي للمَدرسةِ

أمُّي أيَّتُها المُتعبةُ مِنِّي

مَتَى كانَ صَمْتِي فَضِيلةً غَيرَ مقبولة .

ماجدة عدلان – ذكرى

 

      إن الكتابة عن الممرات الضيقة للجسد عن احتياجاته الطبيعية،  يُكسب الذات النسوية هويتها، تلك الهوية التي تنقاد مرغمة للسائد الاجتماعي والأعراف المجتمعية» هكذا تتأرجح الذات بين الإحساس المؤلم بتبعيتها لما هو سائد والاعتراف به كواقع وبين الإنصات إلى رغبات الجسد السالبة»[viii].

 

البردُ هُنا لا يحتاجُ كوبَ «شوكولا» ساخنة،

بل يحتاجُ كتفاً بعرضِ الهواجسِ ..

كتفٌ .. تبكي عنده عُتمة القلب و مساءات الشتاء..

تتوكأ عليه حين ضعف، وتتوسده ساعة حُلم ..

البردُ هُنا – يا إلهي – يحتاج كتفاً يشاركُك «كباية شاي مقنن»،

ومن ثم يُذيبُ بدفئه كلَّ الصقيعِ والاغترابِ الذي مُلئت به الممراتُ الضيقة للجسد!!

أمنية المساعد

 

      وتأخذ كتابة الجسد وتجربته عبورها السرّاني مساراتٍ متعددة ليس كهاجس بل كانفتاح جمالي يكرِّس نفسه ضد الهابيتوس[ix] . كما في نص سماح جعفر، وهي تعلن هباتها( الانفعالات – التساؤلات- والضحكات- أهبك شفاهي .. لوٌّنى بالزرقة) بل تهبه كل النساء، ولكنها تلعنه بمطلق إرادتها حتى هذه اللعنة تحملها إليه. بالطبع هي الكتابة اللفظية الإيروسية  كما يذهب موافي في النظر لما تكتبه المرأة فاسماه إيروسية لفظية وليست جسدًا مكشوفًا أي إيروسية الخطاب وليس إيروسية الجسد العاري[x].

 

أهَبُكَ الانْفعالاتِ

التساؤلاتِ

والضَّحكاتِ

أهَبُك شِفَاهِي .. لوٌّنى بالزرقةِ

الزُّرقةِ

أهَبُكَ كلَّ سِلالَ النِّساءِ

كلَّ وشومِهنَّ

هَزَجَهُنَّ الْمُتزامنَ

أجسادَهُنَّ المُتماوِجةَ

أفَوْاهَهُنَّ المُدَمْدَمَةَ

وَحَلَبَةَ الرَّقصِ

أهَبُكَ شَغَفَى بالإصغاءِ

فَلْتُبَارِكْنِى بِالغِناءِ

«أنتَ غيرُ مرئى لأنَّكَ تَلْبسُ لونَ الماءِ ! هَلْ سَمَحَ لكَ النَّهرُ بِذلكْ ؟»

عُمُومَاً

عَلَيكَ مُطلقُ اللَّعْناتِ

وَهْىَ فى الْمُطلقِ

تُؤدِّى إليكْ.

نيرفانا: سماح جفر

    يظل الجسد من التيمات المركزية عند إشراقة مصطفي، يتشكَّل حضوره في شعرها  كإدراك واعٍ لقيمته، كحالة من الثورة على تقاليد المنع كما ذهبت إلى ذلك  مادونا عسكر»وصوغ للجمال الإنسانيّ، وتبيان حرّيّة المرأة الفكريّة والنّفسيّة والرّوحيّة»   وتشير إلين شوالتر في كتاب النقد النسائي الجديد  الكتابة النسائية  تعرفها بأنها :»نقش جسد الأنثى واختلافها على اللغة والنص».

 

قَبِّلْنِي، لَيْسَ أُحْدقُ مِنْ شَفَتَيْكَ

أُكْتُبْ عَلَى لِسَانِي ثَوْرَةَ التَّاريخِ

فَليسَ سِوَاك يكْتبُه صَادِقَاً وَفِيَّاً

وَمُنحازَاً للْغِناء والإنْسانِ

ليْسَ سِوَاكَ يُجِيدُ العَوْمَ

عَلى شَفَتَيَّ

المَاءُ

وَيَسْبحُ بِي ..بِكَ ..بِنَا

نَحْوَ أفْقِ السَّاقِيَةِ

ستَدُورُ بِقُبلتِنا

وتُسْكِرُ

العالمينَ.

إشراقة مصطفى: أنجبتني الأعاصير

 

     وبالجرأة على المستوى الدلالي والشكل الفني حيث كسرت القوالب الثابتة للموروث الشعري وأظهرت النثرية المنحازة بقوة إلى التجريب والحداثة فظهرت نصوص متشحة بالغموض والانغلاق متجاوزة الصورة البيانية إلى التجسيد الصوري والبحث عن لغة رامزة جديدة، ولعل أبرز هؤلاء الشاعرات لقصيدة النثر نجلاء التوم

 

إذْ كُلُّ شَيْءٍ وَرَائِي:

 

ثَلْمُ النَّجِيلَة. مِسْطَرِينُ العَنَاكِبِ في العتمةِ في الصَّمْت. حُرُمَاتُ الكَهْفِ على مُبْهَمِ الكَهْف. وَرَائِي جُذُورُكَ في رَاحَةِ النِّيل. بَيَاضٌ مُشَدَّدٌ في ضَرَائِح. وَرَائِي غُيُوبٌ آتِيَةٌ وأَفْلاَكٌ وهَلاَك. وَرَائِي جَسَدَانِ لَيْسَا عَلَى الْمَاء؛ لَيْسَا عَلَى الغَيْمَةِ أَعْلاَهُمَا. وَرَائِيَ الرَّمَق: مَذْهَبٌ فِي كَمَالِ النُّحُول. مِقْعَدُ العَصْرِ في فِنَاءِ «الأميري» . مَطْلَعُ القُبْلَة؛ كَنَارِيٌّ صَغِيرٌ ويَنْعَسُ في كُلِّ حَال. وَدَاعَةُ الْخَشَبِيِّ خَلْفَ دُوَارِ الْمُوسِيقَى وأَبْعَد.

وَرَائِي

رَقِيبُ الْمَنَادِيلِ قَبْلَ غُزْلاَنِها.

وَرَائِي نَهَارُ الثّلاَثَاءِ يَصْعَدُ يصعدُ

وَرَائِي

سَقَطْتُ.

صَدَى بِرْكَةِ اللَّيْل.

نجلاء التوم – منزلة الرمق

 

     هذه العلاقة المتوترة دومًا بين الرجل والمرأة، تحضر كعامل رئيس في نكبة المرأة وفي قهرها، فإن صورته تحضر في القصيدة النسوية بإرجاعه لعاديته، العادية هنا تعني صورته النمطية، وهي تمارس سخريتها الحارقة، كما عبرت عن ذلك وجدان فضل

 

أبْعَدْتُكَ

مِنْ صَخَبِي

وَقَلَقَي

وَلَوْمِي.. وَشَغَفَي

وَجَعَلْتُكَ رَجُلاً عَادِيًّا

عَادِيًّا

حَتَّي أنَّ مَقَاسَ حِذَائِكَ

لا يَتَعَدَّى

الْوَاحِدَ وَالأرْبَعِينَ

عَادِيًّا

تِأْكَلُ وَتَعْمَلُ وَتَنَامْ

تُشَاهِدُ التِّلْفَازَ

وَأكْبَرُ انْفِعَالٍ يُمْكِنُ أنْ تَحْصلَ عَلَيْهِ

حِيْنَمَا يُسَدِّدُ فَرِيقُكَ

هَدَفًا

يَا لِعَادِيَّتِكَ

مِنْ بَعْدِي…

وجدان فضل

 

ملاحظات أخيرة:

1-   تضمر هذه الكتابة داخلها تاريخًا طويلًا من محاولات الظهور والتجلي، حيث كانت الأنثى المبدعة تكتسب الجرأة شيئًا فشيئًا للتعبير عن كيانها كأنثى، تمتلك بفعل تميزها الجنسي تميزًا نفسيًا يدل على حساسية عالية وشعور مرهف وخصب.

2- إن استدعاء خطاب المرأة، والوقوف عند مجريات بنائه وطريقة صوغه للعالم، وطبيعة إدراكه للأشياء، نعتبره في تصورنا اقترابًا من معرفة ما تزال بكرًا من حيث التلقي والمقاربة، وإضافة لأسئلة قد يساهم تفكيكها في إعادة النظر في فرضيات معرفية دعمتها السلطة الثقافية السائدة.

2- هذا الرصد غير دقيق تمامًا، ندرك أن هذا الجهد لا يشمل كل شاعرات قصيدة النثر النسوية في السودان، كما أن الترتيب غير خاضع لفترات الظهور، وهناك شاعرات نشرن بعض كتاباتهن على المدونات الخاصة ومواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، وأخر لهن دواوين شعرية، وهناك من كتبن ولم يظهرن إلا في فترة قريبة، وهناك  أسماء شاعرات لم يتصلن بالساحة الشعرية والثقافية، لكن هذه محاولة أولية في الرصد والتتبع بغرض إنشاء مدونة لقصيدة النثر في السودان.

3- عنيت الورقة بالإشارة فقط للفترة المكتنزة بالكتابة الشعرية والتي تمتد من منتصف التسعينيات وبداية الألفية الجديدة , وتتسع الخارطة الشعرية النسوية  يومًا بعد يوم لترفد المشهد  الشعري بكثير من الثراء الفني والتجريب ،حيث دخلتْ للمشهد في الألفية الجديدة أسماء سجلت تميزًا شعريًّا واضحًا، رفدته تجارب من سبقهن من الشاعرات.

 

       أخيرًا  لا بد من القول إن قصيدة النثر السودانية النسوية عبر قراءة أصواتها وطرائقها الحداثية واستقرائها يمكننا استنباط أنماط متعددة  من قصيدة النثر النسوية، التي جاء فضاؤها مفتوحًا لاختيار الموضوعات التي يمتزج فيها الذاتي والموضوعي، وهذا ما نلمحه بدءًا من الاختيار النصي وبنية النظام اللغوي في مستوياته الصوتية والمعجمية وقوته الدلالية، واشتغال الآليات المشهدية المتحررة وتكثيف الصورة.

 

 

 

 

 

 إحالات ومصادر.

1/  إبراهيم السعافين وخليل الشيخ،  مناهج النقد الأدبي الحديث، ط1، لبنان، 2013م، ص،37.

2/ انظر: مجلة الفيصل: العددان 481-482 الجسد في القصيدة النسوية..

3/  صلاح فضل: قراءة الصورة وصور القراءة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1997 ص 107.

4/ عبد العزيز موافي:  قصيدة النثر من التأسيس للمرجعية، ص 165.

5/ عبد الله السمطي، انبثاق قصيدة النثر النسوية، مجلة نزوي.

6/ عبدالله الغذامي: المرأة واللغة ص 47.

7/  قيس عمر محمد، شعائرية التمركز الأنثوي في مخاطبات بشرى البستاني – الحوار المتمدن.

8/  محمد نور الدين أفاية ،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، إفريقيا الشرق -الدار البيضاء،1988،ص:19 .

9/ نسق التكوينات الإدراكية المكتسبة عبر الزمن والتربية والتنشئة والأوضاع الاجتماعية. كما يقول بيير بورديو. في نظرية الممارسة.

10/  نفسه: شعائرية التمركز الأنثوي في مخاطبات بشرى البستاني.الحوار المتمدن.

 

 

 

 

عادل سعد يوسف

 الخرطوم-السودان 2018

[i]– صلاح فضل: قراءة الصورة وصور القراءة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1997 ص 107.

 

[ii]– عبد الله السمطي، انبثاق قصيدة النثر النسوية، مجلة نزوي.

 

[iii]– قيس عمر محمد، شعائرية التمركز الأنثوي في مخاطبات بشرى البستاني – الحوار المتمدن.

 

[iv]– انظر: مجلة الفيصل: العددان 481-482 الجسد في القصيدة النسوية..

 

[v]– إبراهيم السعافين وخليل الشيخ،  مناهج النقد الأدبي الحديث، ط1، لبنان، 2013م، ص،37.

 

[vi]– عبدالله الغذامي: المرأة واللغة ص 47.

 

[vii]–  نفسه: قيس عمر محمد – شعائرية التمركز الأنثوي في مخاطبات بشرى البستاني.الحوار المتمدن.

 

[viii]– محمد نور الدين أفاية ،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، إفريقيا الشرق –الدار البيضاء،1988،ص:19 .

 

[ix]– نسق التكوينات الإدراكية المكتسبة عبر الزمن والتربية والتنشئة والأوضاع الاجتماعية. كما يقول بيير بورديو. في نظرية الممارسة.

 

[x]– انظر: عبد العزيز موافي؛ قصيدة النثر من التأسيس للمرجعية، ص 165.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 1 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.