‫الرئيسية‬ ثقافة افق قصيدة النثر السودانية*
ثقافة - 29 يوليو 2022, 12:41

افق قصيدة النثر السودانية*

محجوب كبلو

“لقد حاولت أن أكتب الفردوس.. لا تتحرك دع الريح تتكلم ذلك هو الفردوس”

عزرا باوند

المقتطف التصديري يجادل بأناقة المقولة الشائعة، في كل الثقافات على وجه التقريب، تلك التي تحدد الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى، ويبدو طريفا استثناء بعض الجيوب الثقافية التاريخية والإثنية كالفراعنة والأسكيمو الذين يضعون القافية في بداية البيت الشعري. هذا المقطع لعزرا باوند مبرر غير قابل للدحض ونصير حاسم للشعرية الجديدة والتي تقبل مؤقتا اسم قصيدة النثر والذي يبدو جليا قلقه وعدم كفاءته الإشارية إلى مسماه منذ اجترحته سوزان برنار في منتصف القرن الماضي ليستقر بعدها في النظام الشعري. يعود روغان هذه التسمية بنسبة الشعر إلى توأمه اللدود النثر، وتبدو كما لو أنها اعتذارية للمعرف الكلاسيكي والذي تكشف عوار حيثياته مقولة عزرا باوند المتقدمة. ويبدو تعسف المعرف الكلاسي في فصل قصيدة الحساسية الجديدة عن مجري الشعر التاريخي الرئيسي ورؤيتها كزهرة غريبة نمت خارج بيئة الشعر، وينفي أنها تطور طبيعي للشعر في وحدته وعمومه. وليس من الإفراط القول بأن تحديدات التعريف التقليدي هي محض توصيفات ثانوية، عرضية، وبرانية غير نافذة إلى جوهر الشعرية. قد لا يختلف الحس المعاصر في أن جوهر الشعرية في هذا الطور من الوعي هي خلق التناغم والانسجام بين وحدات الكون المتفاصلة في سطوحها الخارجية، وليست الشعرية سوى أداة الوعي الإنساني في تحقيق هذا التناغم بين الكون ومركزيته الإنسانية. بذا يتبدى الفارق المفاهيمي بين برانية المعرف الكلاسيكي وبين الشعرية الجديدة التي لا تكف عن ارتياد الأعماق لاصطياد ذلك المخاتل الشديد الروغان والعسير على الإمساك المتوطن شفا الثقوب الوجودية. على أنه يمكن اعتماد هذه التسمية بقصيدة النثر باعتبار أن الأسماء اعتباطية بطبيعتها، فليس في مفردة (وردة)، على سبيل المثال أي (وردية)، لا في اللون ولا في الرائحة ولا في مجمل الكيان، بدليل إطلاق أسماء مغايرة في اللغات المغايرة، ليس الاسم هو حقيقة الشيء، إن الحقيقة تتوارى خلف العلامة بكل تأكيد. ولقد تقبلت الثقافة الغربية القصيدة الحرة قبل حريتها السياسية التي انتزعتها من الملكيات المطلقة ونظام الإقطاع. ولقد سبق الشعراء الرائون العظام حركة التاريخ السياسي والاجتماعي الأوروبي، من أمثال بودلير وآرثر رامبو وفيرلين الذين اجترحوا العزف على مزاهر الحرية سابقين لعصرهم، وقد احتفت بهم الحساسية الأوروبية ووضعتهم في مقدمة النظام الشعري الأوروبي، وهذا يذكر بدور قصيدة النثر السودانية وسبقها للفاعل السياسي في التمهيد لثورة ديسمبر وشعارها الخالد: حرية سلام عدالة؛ فقد كانت ميادينها قبلة الشباب الذي تزحم مواكبه أرجاء السودان حتى هذه اللحظة. أما تطور القصيدة العربية عامة فقد، كان بطيئا، متناوما وبطبعه المستريب في كل تجديد، فقد كان سلحفائيا في هذا المنحى، وغاية ما حققه إزاء التجديد هو تنويع قافية القصيدة وتطفيف ميزان الفراهيدي، ولم يجرؤ على التخلص منه بإبقائه على تفاعيل الأوزان ردحا طويلا ما زالت تكتكاته تخفق حتى الراهن كقلب حيوان صغير. أما على صعيد الشعر السوداني فلم تجد قصيدة التجديد المحدود التفعيلية أي عقبة في تسيّدها للمشهد، فقد كانت سابقتها التقليدية العمودية غير عميقة الجذور في التربة السودانية، إذ لا يتجاوز عمرها القرن وبضع عقود، وإن أبدى كبار شعرائها فحولةً لا تُضاهي في فض المعاني البكر أمثال البنا الكبير ومحمد سعيد العباسي والتيجاني يوسف بشير والناصر قريب الله، إلا أنها تدهورت منذ أربعينيات القرن الماضي واقتصرت على عصماوات أندية الخريجين وبعدها وطنيات الليالي السياسية، التي تهيمن عليها خصائص النّظْم البارد، أو الإخوانيات المتفكهة، لذا لم يجهد رواد الشعر التفعيلي أنفسهم كثيرا، ولم يجدوا مشقة في كسر عمود القصيدة التقليدية (طق) كما قال قائل منهم – صلاح أحمد إبراهيم – واحتلت القصيدة التفعيلية المشهد الشعري السوداني منذ بداية الستينيات، ومن أبرز شعرائها الرواد صلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبدالحي ومحمد المكي ابراهيم والنور عثمان أبكر؛ تلاهَم عبد الرحيم أبو ذكرى، وبرز بعد ذلك شباب قصيدة التفعيلة في ذلك الزمان، ومنهم عالم عباس وفضيلي جماع وتيراب الشريف ومحمد نجيب محمد علي الذي ما يزال عاكفا على إنتاجها إلى جانب بابكر الوسيلة الذي يبدو متململا من تقييداتها في أدائه الراهن. وقد تميز كم هائل من إنتاج التفعيليين بعذوبة بالغة، وقد كونت القصيدة قاعدة جماهيرية عريضة بما كان شعراؤها حداة للثورات التاريخية المعاصرة. بالرغم من ذلك فقد بدأت تفقد بريقها نتيجة فلاحتها المتكررة في تربة الشعبوية والشعاراتية وذلك ما نأى بها عن منابع الشعرية الصافية التي لا تهمل ذاتية المبدع بحسبان الشعرية هي التعبير الأكمل عن تلك الذات وثمرة دهشة تواجده في هذا الكون. لقد كان لما سمي بالالتزام في ستينات القرن الفائت دور كبير في إدقاع قصيدة التفعيلة وإفراغها من طاقاتها الجمالية، وصارت لسانا للأيديولوجيا، وليس من نبل الشعر سوى التعبير الأكمل عن الذات المبدعة. وتتجلى أزمة هذه القصيدة في توقف الأكثرية من شعرائها عن كتابتها لعقدين أو أكثر وتوقف بعضهم عن إنتاجها حتى أيامه الأخيرة. تسللت من ذلك السبات الشتوي لقصيدة التفعيلة شبان في أوائل العشرينيات من سني حياتهم من قاعدة جمهورها وكتابها إثر سقوط حقبة الديمقراطية التي تلت ثورة أكتوبر 64 على يد المايويين الذين دشنوا عهدهم بمقتلتين عظيمتين في اليمين واليسار، وأطبق على السودان ليل شمولية طويل على نمط بقية الجمهوريات العربية، ومتبنيا لشعاراتها الثورية كبناء مجتمع الكفاية والعدل وما إلى ذلك من الشعارات التي ثبت خلوها من المضمون من الوهلة الأولى بإغراقه البلاد في حمامات الدم. دفع ذلك الشباب إلى مساءلة كل ما اعتقدت من يقينيات، ولما كان ما يليهم، بحكَم طبيعتهم، هو الشعر، كانت المساءلة تتوجه إليه ضرورة. وكانت خلاصاتها النهائية هي لا التزام في الفن إلا بالجمال، ووصلوا إلى تعريفه بـ : التعبير الأكمل عن ذات المبدع، ويمكن أن نؤرخ لهذه اللحظة التي ألقى فيها بذرة قصيدة النثر في روع أولئك الشبان.

 

ثاني تلك البادرات الناجمة من اقترابهم من القصيدة بعد التزامهم بالتعبير الأكمل المحض عن الذات، كان التخلي عن موضوعات القصيدة التفعيلية الشائعة، وعن قاموسها الشعاري الهتافي المحطوطب. وتعهد الشباب تمردهم النبيل فتداولوا علنا محرمات الواقعية الاشتراكية، أزهار بودلير وفصول جحيم العابر الهائل بنعال من ريح وديوان فيرلين وقصائده الآتية من زحل وكل الذين يلعنهم سدنة الواقعية كانوا نهبا لشراهة هذه الطليعة ريلكة، لوتريامون، والت ويتمان وهولدرلبن قبل ذلك، ثم تعرفوا على يوسف الخال وأدونيس في محطة مجلة شعر، كان ذلك بركانا معرفيا ضاريا فوق احتمال سنيهم البضة، فذاقوا جلجلة الخروج وتقدمهم شهيد عندما هوى نجم سامي يوسف على خطى سلفه العظيم التيجاني بن يوسف، جريد أخضر يخضل مثواهم. ذلك هو أساس تكوين القصيدة المضادة للسائد والمبتذل والزائف والزاعق والضرير. هذا الانحراف تواصل حتى نهاية السبعينيات، وكانت تتكون بموازاته بؤر عديدة في مدن البلاد تهيأت لها نفس الظروف، وأزكتها رياح ثورة الشباب على المستوى العالمي مما شكل وعيا نقديا جارفا انفجر في الثمانينيات واحتل مساحة كبيرة في الوعي والوجدان الثقافي، وذلك ما شكل إمكانات كبيرة لعناصر الحداثة، وأفاد منه على وجه خاص تيار الشعرية الجديدة. وسار التغيير انسيابيا حتى منتصف العقد الأول من هذه الألفية الذي شهد الانفجار العظيم لقصيدة النثر، وطارت فراشاتها من سرر أوراقها الشرقية لتهبط على حديقة الشعر السوداني وغطت ساحتها الواسعة في زمن وجيز، والآن لا يوجد جمهور جدي للشعر في السودان سوى جمهور قصيدة النثر. أما عن مستقبلها في السودان ومقامها في ديوان الشعر العربي، بل العالمي فيبدو واضحا، إذ تزود الآن بغبار أفراسها الشابة كل الخيول التي تشاركها المضمار. هذه الأفراس هي سليلة الخوارج البريين العظام الذين حققوا خمس ثورات مزلزلة في قرن أو يكاد، فيما تذوي أغصان شجرة الحرية لألفية من السنوات لدى الشعوب التي اختبرت طغيان الدولة المتعالية دهورا يقينا أن البرية أزكت لهيب الحرية في الروح السوداني، وهي المقابل لبحرية الشعر الغربي التي استمدها من أصوله الهيلينية في نماذجها العليا، وهي شعرية يتلبسها السرد الذي يُخفت ورود شعريتها، بخلاف الشعر البري المتحرر من تحديدات الهندسة وبرود المنطق، وتحديقه الدائم في سحر الوجود. إن شعراءنا الكبار كالحاردلو والتيجاني ليضاهون هوميروس ودانتي وشكسبير وقد يتفوقون عليهم في الإمساك بجوهر الشعر.

 

 

*قدمت هذه الورقة في الثالث والعشرين من يوليو الجاري بملتقى قصيدة النثر بقاعة الشارقة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.