علي تلوبي
‫الرئيسية‬ مقالات آراء حجة التساوي بمفهوم التسوية
آراء - مقالات - 29 يوليو 2022, 16:07

حجة التساوي بمفهوم التسوية

كتب علي تلوبي لمداميك

اطلعت على مقطع الفيديو المرفق الذي يتحدث به الأستاذ الحاج وراق؛ وهو رجل مشهودة له قدراته التحليلية العالية ومواقفه الوطنية. وسأعقب على ما بالمقطع لأنه يُعبِّر عن تيار أعم في سياق الجاري بالوطن. وعدا ما بالفيديو المرفق فأنوه إلى أني لم أطلع على بقية الحديث، فلذا فقد يكون تعقيبي مُنْبَتّا عن سياق أعم قصده المتحدث، ولكن هذا ليس مهماً، لأن المقطع مجرد مدخل لنقاش الفكرة المتبناة من جانب شريحة واسعة من الوطنيين.
وباختصار ينتقد المقطع ما يُعتبر من وجهة نظر المتحدث أنه تطرفٌ في الموقف الثوري للبعض. ويُفصِّل تطرف ذلك الموقف كونه مُطالِبا باستبعاد الإسلامويين “الإسلاميين”، وأنه موقف ضد الطائفية، وضد الجيش، وضد الدعم السريع. ثم يسترسل متسائلا باستنكار عن ماهية القاعدة الاجتماعية للانتقال الديمقراطي في حال استبعاد كل هؤلاء؟ وكيف ستنتصر الثورة وهي ضد كل هؤلاء؟
وبدءاً فإن الموقف الذي ينتقده المتحدث بالمقطع ليس هو الموقف المنتشر بالذهنية الشائعة بالموقف الثوري. وكمثال ساطع لذلك فإن الموقف الثوري الشائع ليس بموقف ضد الجيش أو هادف إلى إلغائه أو إلغاء دوره؛ بل هو موقف مع الجيش ومع استعادة الجيش لعقيدته الوطنية ووحدته ولدوره الطبيعي عبر التخلص من قياداته الانقلابية المغوَّصة بواسطة الدولة الظلامية منذ قدومها عام 1989؛ وهو موقف يضع الجيش في مكانه المنطقي بحيث ينأى بنفسه عن فساد القيادة الحالية المتغولة على الحياة السياسية والاقتصادية. فتصوير التساوي المخل يتأتى في اعتبار التبعيض البسيط، أي القيادة الانقلابية الفاسدة، هي تعميم كلي، أي الجيش كله.
ولكن هناك إشكالية بحجة التساوي على مستوى جوهري أهم، ولتسهيل فهم ذلك بمثال من عهود العبودية التي سادت العالم في القرون السابقة، فإن حجة التساوي كانت تكافئ ما بين مطمح العبيد في التحرر وما بين مصلحة أسيادهم في إبقائهم في إسار العبودية. فحجة التساوي توهمنا بالموضوعية والحكمة في الطرح بإيحاء أنها تضع كل العوامل بالاعتبار. وما تعانيه هذه المنهجية هي الثنائية الفجة التي تزن الأشياء عبر عاملين تعتبرهما متكافئين، متجاهلة بقية العوامل والثقل الحقيقي لكل عامل، كما وأنها تتعامى عن منطق الحقوق الطبيعة. فمنطق الطبيعة وثقل الأشياء في مثالنا هنا يرجح بصورة قاطعة مطمح التحرر من العبودية. وهذا الترجيح القاطع، رغم شده وضوحه لدينا الآن، فهو قد كان، بسبب حجة المساواة، مشوشاً بذهنية المجتمعات الإنسانية في عهود العبودية.
وبإسقاط المثال على سياقنا قيد النقاش، فإن حجة المساواة تتجاوز منطق الحقوق الطبيعية بأن الجيش هو شريحة مجتمع لا يمكنها أن تستعبد بقية شرائح الشعب بتغولها على السلطة السياسية والاحتكار الاقتصادي. كما تتعامى حجة المساواة عن ثقل مطالب شعب كامل مقارنة بمصلحة شريحة ضيقة من قيادات الجيش. وبدرجة أعلى يمكن إسقاط نقاشي أعلاه على مليشيات الدعم السريع. فالموقف الثوري يهدف على مستوى أول إلى دولة مدنية تكون القوات الأمنية فيها تحت سيطرة الدولة المدنية. وهذا ليس إجحاف بأحد، بل هو في مصلحة جميع الأطراف.
الإشكالية الأخرى في طرح التساوي هو أنه يخلط كل أصناف الشراب في كوب واحد. فلا يستقيم أن نتحدث عن الإسلامويين، والطائفية، والجيش، والدعم السريع وكأنها نظائر متماثلة. بل هناك فروقات كبيرة في ماهية الكيانات المذكورة. وأهم من ذلك فإن هناك تباينات كبرى في كيفية معالجة الإشكالات الخاصة بكلٍ منها. على سبيل المثال فإن معالجة قضية الدعم السريع بالموقف الثوري الشائع تتمثل في أن يتم استيعابهم بالجيش. وهو ليس موقف عدمي، وإنما موقف منطقي يتعامل مع القضية بصورة توزان ما بين ثقل هدف الاستقرار الأمني المستديم الممثل في الانضباط المؤسسي للقوات الحاملة للسلاح، باسم الشعب وحماية له، وما بين واقع مفروض علينا متمثل في أفراد الدعم السريع الذين لا بد من التعامل مع ضرورة استيعاب وجودهم بصورة واقعية متحولة نحو الأفضل.
أما مسألة التعامل مع الإسلامويين، فإن الهدف الشائع هو الإحلال والإبدال لكوادر الدولة الشمولية الفاسدة كهدفٍ ذي مستوى ثان، من ناحية زمنية. وهنا فإن حجة المساواة تكافئ ما بين المعتدِي والمعتدَى عليه. أي أنها تساوى ما بين حق الأكفاء الوطنيين غير المستوعبين سواء اقتصادياً أو بالخدمة المدنية وما بين أولئك الذين تم تمكنيهم بسبب انتمائهم للنظام الغاشم. وهي ليس مساوة مختلة على مستوي الحقوق الفردية المهضومة فحسب، بل هي أيضا مختلة بمعيار الكفاءة العملية المطلوبة لبناء الوطن، وبمعيار الثقافة الواجبة عملياً لإرساء الدولة المدنية. فالإحلال والإبدال ضرورة من ضرورات إمكان بناء الدولة المدنية، وإلا فإننا سنعيد تجربة الفترة الانتقالية السابقة بما أنتجته من عودة لدرك سفلي أدنى مما كنا عليه قبل عام 2019. فمن ناحية عملية، فإن الإحلال والإبدال هي تماماً ما قام به الأسلامويون عبر دولتهم الشمولية مما أدى إلى توطيد أركان ديكتاتوريتهم. فتماثلاً للنجاح العملي لدولتهم الغاشمة عبر عملية الإحلال والإبدال للعناصر الوطنية بالعناصر الموالية لهم، فتلزم العملية العكسية تماماً من ناحية عملية لإمكان نجاح الدولة المدنية. إذن فالتساؤل العملي الذي يستعرضه المقطع إنما هو تساؤل عكسي تماماً، والفرق الوحيد هو أنه سيكون عادل بينما كان جائراً في ظل الدولة الغاشمة، ولا يزال.
أما بالنسبة للمسألة الطائفية، فتقديري المتواضع أن استحضارها وكأنها تيار ذو قيمة كمية ونوعية إنما هو مبني على تقييم مستند على ذاكرة تاريخية ماضوية. نعم، كانت الطائفية قبل عدة عقود تياراً متلبساً للمجتمع السوداني. أما مع الأجيال الحالية، فإن الطائفية قد تضاءلت سائرة تجاه أن تكون ماضياً مندثراً عن الوجدان السوداني عاماً بعد عام. وما تبقت للطائفية من سطوة حتى الآن فهي غالباً مسنودة بحكم تعود الأجيال الماضية على أهمية ذلك التيار. ولكنه لا يعبر عن نفسية الأجيال الحديثة. ولذلك فإن السماح للقيادة الطائفية بموطئ قدم بدفة القيادة إنما هو مبنى على نفسية ماضوية. وبأي حال فإن الموقف الثوري الشائع لم يدرج الطائفية كقضية ذات بال، لكونها قضية ذات صيرورة مندثرة أو تندثر نسبة لوفرة وتزايد أدوات الوعي.
أما بالنسبة للقاعدة المجتمعية المطلوبة للتغيير، فإن حجة المساواة تساوي مرة أخرى ما بين السواد الأعظم من السودانيين الذي يدعم التغيير وبين من ذكرهم المقطع وهم أقلية، حتى لو اعتبرنا كُلِّياتهم، رغم عدم سلامة تعميم القيادات على الكُلِّيات. وهم للمفارقة برغم أقليتهم قد شكلوا القاعدة المجتمعية المطلوبة للحكم لعقود من الزمان. وهذا في حد ذاته، رغم مرارته، دليل على عدم الحاجة إلى كل الشعب كقاعدة مجتمعية للحكم. ببساطة فإن الأغلبية السودانية هي القاعدة المجتمعية المستوفية لاستحقاقات إقامة الدولة المدنية. ولكن يجب الإشارة هنا إلى خلل أساسي بحجة المساواة التي تساوي ما بين الأطراف التي تعدت على الوطن وما بين الأغلبية المَقْصية خلال العقود الماضية. والخلل يتسلل من ثغرة فرضية أن السعي إلى التسوية مع الأقلية الغاشمة تؤدي إلى تراكم حسابي كَمِّي يزيد من سعة القاعدة المجتمعية الداعمة. إذ أن الافتراض يتجاهل أن مساواة الأقلية الغاشمة ودعوتها لدخول القاعدة يؤدى إلى العزل الجبري والاعتزال الطوعي للكثيرين من الأغلبية المستحِقة وخرجهم من القاعدة المجتمعية المطلوبة للدعم وللبناء. وهي ليست خسارة كمية فحسب، بل هي أيضاً خسارة نوعية لعدم تساوي الكفاءة والالتزام الأخلاقي تجاه البناء الوطني من الطرفين. وهو ما قد بينته التجربة العملية خلال الفترة الانتقالية السابقة حيث أدت حجة المساواة “التسووية” إلى السماح لعناصر الدولة العميقة بالتخريب المتعمد وقطع الطريق نحو التحول الديمقراطي والبناء، بينما لم تُتح الفرصة للوطنيين الأكفاء بالمشاركة لعدم توفر الإرادة التي تسمح بآليات سريعة للإحلال والإبدال، مما أدى عملياً إلى عزل الكفاءات الوطنية واعتزالها.
هناك شيء جانبي واجب الإشارة له، وهو أن التصريحات من هذا القبيل هي تصريحات، وبصورة عملية، غير خادمة للموقف التفاوضي المرجو للمتحدث نفسه. فالمفاوض الساعي لتسوية ما لا يأتي للمفاوضات بموقف معلن بحد أدنى لطلباته. بل يأتي إلى الطاولة معلناً عن سقوف تفاوض شديدة العلو. خاصة أن الطرف الثاني، رغم مسوغاته الظلامية، إلا أنه طرف يعمل بجد ونشاط سعياً نحو توطيد دولته الغاشمة. كما وأن ذلك الطرف ماهر بالإجراءات التفاوضية. وهذا الفرق بين القدرات التفاوضية المتواضعة للجانب الوطني والقدرات العالية لأركان الدولة الشمولية قد وضح جلياً أثناء السنوات الثلاثة السابقة.
ورغم أن ما يلي ليس جزءاً من المقطع قيد النقاش، ولكنه حاضر بغزارة في أدبيات شريحة كبيرة من الوطنيين. وذلك أنه أثناء النقاش التداولي يتم مساواة هدف الوصول إلى الدولة المدنية بدعوة البعض إلى التشفي والانتقام ممن قاموا بالتعدي على الوطن والمواطن خلال العقود الماضية. وعادة ما يتم القفز إلى فكرة التشفي وعرضها كأنها تمثل الهدف الأولي الجوهري للوصول للمدنية ومن ثم نقدها. بينما حقيقة الأمر أن مسألة العدالة الانتقالية هي أولاً مسألة ثانوية مفهومياً وزمنياً إذ تتأتى بعد تأسيس الدولة المدنية بما في ذلك المؤسسات العدلية وإصلاح الأجهزة الأمنية. كما وأنها ثانياً، قضية ذات خيارات متعددة لها نماذج متعددة بما في ذلك النموذج الجنوب أفريقي والنموذج الأرجنتيني. ولذا فمن ناحية مفهومية وزمنية فلا يتسق مساواة المسألتين والقفز عرضاً إلى الثانوي منها وكأنما هو الأَوَّلِي.
أما أبرز ما أود الإشارة له هنا، فهو أن هناك استخداماً سائداً لنهج توصيفي للواقع الموضوعي غير مصحوب بنهج تغييري لواقع متوق. وهو ما يؤدي بالبعض من بالجانب الوطني بالركون إلى خانة المفعول به المكتفي برد الفعل المستسلم تاركاً الفعل الممكن إلى مبادءات وإرادات ورضاء أركان الدولة الغاشمة ومنتميها. نعم لن تتحقق كل أهداف التغيير. وبعضها سيتحقق تَمَرْحُلاً وليست دفعة واحدة. ولكن ذلك لا يعني الاستسلام لقراءات الأمر الوقع وكأنها حالة مـتـيـبـسة غير قابلة للتغيير الممكن بإرادة وفعل الوطنيين. فالواقع قابل تماماً للتغيير بمثابرة الوطنيين نحو واقع أفضل.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.