‫الرئيسية‬ ثقافة قصيدة النثر : شعرية النمط وإشكالية التجنيس
ثقافة - دراسات - 27 يوليو 2022, 6:50

قصيدة النثر : شعرية النمط وإشكالية التجنيس

 

محمد جميل أحمد

مدخل
……..
منذ الترجمة الأولى لفصول من أطروحة كتاب الناقدة الفرنسية سوزان برنار عن قصيدة النثر بعنوان: (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا هذه) عبر جماعة مجلة شعر البيروتية في ستينات القرن الماضي، دار سجال عريض حيال شعرية وشرعية قصيدة النثر ، ولا يزال.
في هذا السجال تم تسجيل الكثير من المواقف والآراء بأسلوب لم يخل من حجاج، دار أغلبه خارج معنى الشعر ، أو بالأحرى؛ أن الصراع حول الأشكال الشعرية الذي جرى في ذاك النقاش لم يكن ليتحول إلى مثل هذه الحدة والشراسة ، لو توفرت بنيات معرفية موضوعية لثقافة تنطوي على معناها وتحدق في صورتها، بحيث تكون تلك الثقافة من خلال تلك الصورة، قادرة على فرز حيثياتها عبر آليات منتجة للأسس المعرفية الحاضنة للإبداع؛ أي أنه قد تم تعويم سجال عريض حيال قصيدة النثر اختلطت فيه الأسباب الثقافية بالإبداع، وبصورة بلغ فيها التشويش مبلغا انعكس في سيل من النماذج الفجة والفطيرة لنصوص استسهل الكثيرون كتابتها كنماذج لقصيدة النثر، فيما هي في الواقع ظلت تعبر باستمرار عن مأزق ثقافي راهن.
وعبر التباس الثقافي بالإبداع في السجال الذي دار حول قصيدة النثر ، أصبح الفرز من الصعوبة بمكان للمتلقي البسيط؛ بين النماذج الدالة على شعرية وشرعية قصيدة النثر كما في نصوص الماغوط، سركون بولص، انسي الحاج، عباس بيضون، وديع سعادة وغيرهم. وبين النصوص التي تمارس فراغا وتجويفا في اللغة دون أن تتوفر على كيمياء المعنى في قصيدة النثر ، بحيث يمكننا القول إن أكثر من 90% مما يتم نشره كنماذج على قصيدة النثر على صفحات الصحافة الثقافية العربية، إنما هو تعويم لتلك المجانية والفجاجة دون أي مقاربة حقيقية لإنتاج المعنى والإبداع.
ونتيجة لهذا الالتباس الذي غلبت عليه فوضى الكتابة المعبرة عن المأزق الثقافي لا يزال هذا السجال العقيم يدور في الفراغ!
وبالرغم من أن الحجاج النقدي المعرفي حول قصيدة النثر حسم شعرية وشرعية هذه القصيدة، مرة وإلى الأبد، إلا أن تجليات المأزق الثقافي الذي تكمن أسبابه في أمكنة أخرى خارج الإبداع، هي الأكثر تشويشا في إعادة التشكيك حيال الكتابات الغالبة لقصيدة النثر. ذلك أن الإشكال الحقيقي لأزمة السجال حول قصيدة النثر يندرج فيما هو ثقافي؛ أي في الحالة البائسة للواقع الثقافي. ولهذا تنعكس هذه الحال أيضا على ما يكتب من النماذج الرديئة جدا، كما هو معروف وشائع.
وهكذا نجد أن الخلط بين ما هو ثقافي له أسبابه الموضوعية، وبين ما هو إبداعي له أسبابه الذاتية، هو الذي يعوّم صراع الأشكال الشعرية في السجال الذي يدور بين معسكرات كل واحد منها يتوهم أنه يكتب الشعر ويفترض شكلا معينا له، مخالفا بذلك طبيعة الشعر نفسها التي تسبق الشكل ابتداء وتتمرد عليه.

وإذا كان التأويل الكلاسيكي للشعر يندرج في تعريف كلاسيكي يقول عن الشعر أنه: الكلام الموزون المقفى.. الخ؛ فهذا بطبيعة الحال تعريف لا يمكن أن يتوفر على تحديد طبيعة الشعر، ففضلا عن خروج قصيدة التفعيلة والنثر من هذا التعريف، سنجد هذا التعريف يدخل “المنظومات” التعليمية التراثية في مسمى الشعر، بحسب توفرها على الوزن والقافية كمنظومة “السُلَّم المنورق” للأخضري في المنطق مثلا؟.
والحال إن هناك الكثير من العناصر من خارج الوزن والقافية هي من صميم الشعر؛ كالصور – العاطفة – الإيحاء – التجربة – التخييل – التكثيف – الإزاحة – التقطيع غيرها لكننا سنجد أيضا أن العناصر الآنفة الذكر يمكن أن تندرج في مقطوعة نثرية بخلاف الوزن والقافية. ولهذا يستحيل تعريف الشعر تعريفا جامعا مانعا، كما يقول القدماء، وعليه فإن مفهوم الشعرية الذي يدرج الوزن والقافية ضمن الموسيقى بالإضافة إلى تلك العناصر الآنفة الذكر ربما هو الضابط الأقرب إلى تأويل الشعر، بحيث يمكننا القول إن الشعرية هي: سلطة تأثير كلمات تأخذ فاعليتها من طريقة تركيب الشاعر لها بأسلوب يكثّف تلك العناصر بحيث يستخدم النص علاقات الكلمات والأشياء وفقا للعالم الداخلي للشاعرـ عالم التجربة ـ وهو عالم لا يمكن أن تطَّرِد فيه علاقات اللغة والأشياء كما هي في العالم الخارجي ومفردات القاموس، وإنما هي عملية مركبة تستند أصلا إلى موهبة الشاعر وثقافته فالشعرية؛ هي في الأصل حالة شعورية تقوم بنفس الشاعر قبل أن تكون تعبيرا ..
ضمن هذا التأويل المركب لمعنى الشعرية تجاوز النقاد المحدثون المفهوم الكلاسيكي لتعريف الشعر دون أن يهدروا عناصره المذكورة ودشنوا شرعية قصيدة النثر وشعريتها في نفس الوقت .
ففي قصيدة النثر الحقيقية (وللأسف 90 % من قصائد النثر العربية هي همهمات لغوية) لا ينشأ الإشكال عبر نماذجها الباذخة كما في قصيدة الماغوط وسركون بولص ووديع سعادة، وعباس بيضون، ومحجوب كبَلَّو وغيرهم ، وإنما ينشأ الإشكال من بعض الالتباسات التي صاحبت ادِّعاء البعض لكتابة قصيدة النثر وهذه الالتباسات لا تلغي بالضرورة شرعية قصيدة النثر.
ذلك أن الشكل المجاني لتقنية قصيدة النثر هو الذي أغرى كل من هب ودب بكتابتها؛ مما ترك انطباعا عمومياً لدى القارئ بخلوها من الشعر. لكن قراءة نصوص للماغوط وأنسي الحاج وسركون مثلا تدل بوضوح على شرعية قصيدة النثر وشعريتها.
ولذلك فإن هذا الالتباس هو تحديدا ما يستدعي فك الارتباط بين الجدوى الشعرية والشرعية لقصيدة النثر ، وبين المأزق الثقافي الذي تكمن أسبابه خارج تلك الشرعية والشعرية المكرسة نقديا وموضوعيا لقصيدة النثر.
بعبارة أخرى؛ إن المأزق الثقافي يكمن في انحطاط حال المعرفة ووسائطها في واقعنا الثقافي : الجامعات ـ التأليف ـ الجهل بتاريخ الشعر وضعف المعرفة اللغوية والاستلاب وغير ذلك من الأسباب التي تصب في ضعف الثقافة العربية المعاصرة.
ولهذا ربما كان مفهوم الشعرية هو الأقرب إلى اكتشاف حيثيات شعرية قصيدة النثر
فحين نقول الشعرية نقصد العناصر التي يتكون من مجموع تفاعلاتها في سياق من المعاني والكلمات خطاب/ نص شعري ذو سلطة شعورية بحيث يترك هذا النص بصفته تلك؛ ظنا غالبا في وعي المتلقي بأن ما يقرئه أو يسمعه هو شعر فحسب.
في هذا المعنى سنجد أن سلطة التأثير هذه، أي الشعرية، يمكن أن تكون غائبة حتى في نص موزون مقفى بحيث لا يوحي بتجربة ولا يخلف تأثيراً .
وحين يكون النص الشعري خطابا فهو بالقطع سينطوي على السرد والحوار و التخييل وما إلى ذلك من عناصر الشعرية، لكن ليس لمجرد كونه ينطوي على نَفَسٍ سردي أو حواري يعني أنه ليس شعراً، فشعريته بالقطع تتكون من عناصر يدخل فيها السرد والحوار وغير ذلك لكنه يظل نصا شعريا ـ حتى في الشعر الكلاسيكي المقفى سنجد تلك العناصر. فمن حيث مفهوم الخطاب في أي نص تتكون خصائص فنية متعددة مع احتفاظ ذلك الخطاب بنوعه الخاص.
التعريف الجامع المانع للشعر عبارة عن وهم توهمه الناقد العربي القديم “قدامة بن جعفر” حين عرف الشعر بأنه: “الكلام المقفى الموزون الذي جاء لمعنى” في كتابه الشهير “نقد الشعر”، وبالتالي ليس من حق أحد أن ينفي عن قصيدة النثر شعريتها مثلا لعدم وجود عنصر أو عنصرين من عناصر التعريف القديم للشعر . فخصائص الشعرية يمكن أن تتجلى في كل خطاب أدبي فني لكن تجليها ذلك سيكون ضمن نوع الخطاب. فالسرد مثلا حين يكون ضمن تقنيات النص الشعري، يأتي كتقنيةٍ مجزوئه من خلال السياق، ولا يأخذ صفاته الفنية الكاملة كما في الرواية أو القصة مثلا: (الحبكة ـ البداية ـ الذروة ـ النهاية الخ) وإنما يأتي كتقنية محكومة بالسياق ومجزوئه بحسب علاقتها بعناصر الشعرية الأخرى. التكثيف مثلا هو خاصية شعرية أولى بالأساس لأن النص الشعري عادة هو نص قصير – مهما كان طوله – وهو تعبير شعوري يستخدم صفة التكثيف كطاقة تضغط المعاني ودلالاتها في كلمات قليلة تكتسب وهجها من ذلك التكثيفـ وهنا تكمن إحدى خصائص الشعر الكبرى، وهي: قابليته للقراءة المتكررة وبصورة متجددة مرة وإلى الأبد، وهذه الخاصية تفضي إلى خاصية أخرى تحيل على أن مصدر الغموض الأزلي للشعر ـ أي تلك الحالة التي يغيب فيها الشاعر عن العالم والزمن ـ لا يمكن أن تنتج عنها بقوتها تلك غير الشعر. ووحيها ذلك هو الذي يجعل من الشعر طاقة شعورية خالدة، لأن قابلية تجدد تلك السلطة التأثيرية للشعرية في النص الشعري قابلية تعيد إنتاج نفسها كلما وقعت حالة القراءة للنص من طرف المتلقي سواء في زمن إنتاج النص أم في زمن آخر.
وبكلمات أخرى؛ الشعرية: جنس لخاصية الشعر، تضمر تحتها أنواعا متعددة من الخصائص يفضي اجتماعها في النص إلى غلبة الظن في إحساس القارئ بأن ما يقرأه هو شعر وليس قصة مثلا، وإن انطوى النص الشعري على خاصية مجزوئه للسرد ضمن خصائصه. وقوة الإحساس في تعبير النص- تلك القوة التي تضمرها الشعرية – هي ما يجعل نصا بعينه شعراً.
الأمر هنا يحيل على أن تعريف الشعر إنما هو كتعريف الروح تماما بالسلب أو الإيجاب، فجميع الناس يعرفون أن الجثة ليست روحا، ويعرفون أن الروح حياة دون إدراك كنهها على نحو محدد ، لكنهم في نفس الوقت يعرفون أيضا أن الحياة ليست جثة!
إن الغموض الأزلي لتلك الحالة التي يغيب فيها الشاعر عن الزمن والعالم لا يمكن أن تنتج بقوتها تلك غير الشعر. كل الفنون تنطوي في مصادرها الأولى على ذلك الغموض والإيحاء؛ كالقصة والموسيقى والتشكيل.. الخ، ولكن بمستويات مختلفة، لكننا في حالة الشعرية سنقف على دلالتها أيضا كحالة إنسانية شرطية في حياة الشاعر وسلوكه قبل أن تكون تعبيراً. تماماً كما أن الفنون الأخرى في حالاتها الكلاسيكية تظل باستمرار مصدرا للمتعة المتجددة، لكن ليس بتلك الحالة التي يعبر عنها الشعر. فبإمكان القارئ أن يقرأ النص الشعري مرات عديدة ومتجددة وإلى الأبد، أكثر من إعادته لقراءة رواية كلاسيكية. أو قصة جميلة جدا كـ(مائة عام من العزلة) ولكنه في أكثر الأحوال سيقرئها مرتين أو ثلاث بخلاف النص الشعري، لأن الطاقة التي تمنح الشعر قابلية القراءة المتكررة دائما هي الشعرية الكامنة بخصائصها الكاملة أيضا.
وإذا كانت هناك اليوم، بالفعل، سلطة أيدلوجية لقصيدة النثر تقصي كتابة نمط التفعيلة والكتابة الكلاسيكية العمودية للشعر خصوصا في الصفحات الثقافية في الصحافة العربية، فإن هذا خطأ لا يبرره أي تأويل نقدي. إذ أن الأشكال الشعرية تتجاور ولا تنقض بعضها بعضا لسبب بسيط هو: أن استدارة اللغة تمنع أي تقنية شعرية جديدة ، بمعنى أنه لا يتصور أن ينتقل الشعر إلى تقنية أخرى بعد قصيدة النثر فاللغة من حيث الشكل لا تقبل سوى هذه الأشكال الثلاثة وأي تقنية أخرى ستعود إلى القافية مرة أخرى. ولهذا فإن الالتباسات التي تنشأ على هامش قصيدة النثر ترتبط بأزمة الواقع الثقافي العربي وعلاقاته المأزومة بالتراث والحداثة معا؛ ذلك أن المحنة المزمنة في هذا الواقع هي في أننا نقرأ التراث برؤية مجتزأة للحداثة، ونقرأ الحداثة برؤية مجتزأة للتراث. وإذا كان من غير المقبول نسبة أزمة قصيدة إلى نماذجها السيئة والمأزومة كسبيل إلى الطعن في جدوى شعريتها وشرعيتها فإن إدراج الغث الوافر من همهمات قصيدة النثر التي يمارس بها كثير من أدعيائها فراغا وتهويشا في اللغة ضمن الثمين النادر (كنصوص الماغوط وسركون ووديع سعادة وعباس بيضون وغيرهم) يهدر قيمة المعنى العميق لقصيدة النثر.
إن استحضار المنطق الجمالي لقصيدة النثر هو الذي يسمح بتذوق تلك النصوص كنماذج شعرية عميقة. وهنا سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام مفهوم الشعرية كتعريف مركب للعناصر التي تنتج الشعر في نفس الشاعر وهي عناصر تكمن وراء إدراك المعنى الدراماتيكي لسلوك الشاعر في الحياة؛ فشاعرية الشاعر في سلوكه أمر معروف من حيث عديد الصفات التي تتلبَّسه؛ كالحساسية المفرطة، والعزلة والاغتراب، وسرعة البداهة ، والغرائبية، أحياناً، وتمثُّل الحدود القصوى في خياراته، والمثالية والنمذجة، وتقلب المزاج والانفعال السريع، والحدة، وغير ذلك. بمعنى أن الشعر حين ينفصل عن الشعرية لا يمكن أن يكون شعراً حقيقياً، وصاحبه لا يلبس أن يفارق كتابته، مهما أدعى ذلك، بعكس الشاعر الذي لا يستطيع أن يفارق الشعر حتى لو أراد ذلك.
وبطبيعة الحال، فإن هذه الشعرية ليست على مستويات واحدة بين الشعراء ولا ملابساتها التي تتعالق مع حيثيات معقدة لفردية الشاعر وتاريخه الشخصي وظروف حياته وغير ذلك. كما أن الضابط من ذوبان قصيدة النثر في الكتابة النثرية (النثر الفني) هو الإيقاع الداخلي لوحدات المعنى، والتناغم الإيقاعي لحركة الحروف، والتكثيف، والموسيقى الباطنية لبنية النص الكاملة ووحدة التجربة الشعورية ضمن تقنيات أخرى. لكل ذلك نظن أن الشعرية بعناصرها التي ذكرناها تتجاوز التعريف الكلاسيكي للشعر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ألقيت هذه الورقة بصوت الصديق الناقد (نادر السماني) في ملتقى (قصيدة النثر السودانية) الذي أقامه (بيت الشعر السوداني) بقاعة الشارقة الخرطوم – السبت ٢٣ / ٧/ ٢٠٢٢م
…………………………………………………………………

الصديق الناقد نادر السماني، وهو يقرأ الورقة في (ملتقى قصيدة النثر السودانية) – بيت الشعر

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.