‫الرئيسية‬ مجتمع أخبار تقارير تسليع الكتابة: ورشة إبداعية تثير جدلا في السودان
تقارير - ثقافة - 20 يوليو 2022, 7:31

تسليع الكتابة: ورشة إبداعية تثير جدلا في السودان

مغيرة حربية

أثارت ورشة للكتابة الأدبية، مدفوعة القيمة، في سابقة نوعية بالسودان، عقدتها مؤسسة نيرفانا الثقافية، استضافت الروائي حمور زيادة، أثارت جدلا واسعا في الوسط الثقافي السوداني وفور الإعلان عنها، الذي ظهر بألوان المؤسسة التقليدية وبورتريه للكاتب وكلمة “أدوات الكتابة” تحتها مدة الورشة ساعتين. حاجج البعض أن الكتابة الإبداعية ليست في حاجة إلى “توريش” وبيع أدوات الكتابة بمقابل مادي، فهي حفر بالأظافر والدم والروح. بينما دافع آخرون عن حق المؤسسة أن تتيح فرصا للتدريب بمقابل لتمليك الخبرة والمهارات للآخرين، في ظرف تخلت فيه الدولة والمانحين عن دعم الثقافة.

مفاكرة وعصف ذهني

يرى الكاتب علاء الدين محمود أن الكتابة الإبداعية عمادها الموهبة بصورة كبيرة. ويقول “ربما تنجح هذه الورش في اكتشاف المواهب وتوجيهها، لكنها بطبيعة الحال لا تصنع مبدعا لا في مجال السرد أو الشعر أو غيره”. ويضيف “أحيانا تعتمد الورش في فكرتها على لقاء بين المبدع صاحب التجربة الكبيرة والمواهب الواعدة لعقد مفاكرة وعصف ذهني أكثر من كونها علاقة بين أستاذ وتلاميذ”. ويتابع “مثل هذه اللقاءات أو الورش يجب أن تكون بواسطة المؤسسات الثقافية التي تخدم الحراك الثقافي وتدعمه لا أن تقام بواسطة كاتب”. ويقول “إنها مسألة تحيلنا إلى فكرة الدروس الخصوصية التي يكون الأساس فيها هو التكسب المادي”.

ويذهب بابكر خليل قارئ ومهتم بالثقافة في ذات الاتجاه مشبها الأمر بكتيبات “كيف تتعلم الإنجليزية في أسبوع”. ويرى أن الكتابة الأدبية “موهبة فطرية” تنمو وتتطور بالتراكم المعرفي وسعة الاطلاع وكثرة القراءة  النوعية المفيدة، وتمكن الكاتب من اللغة موضوع خطابه الإبداعي. ويقول “الكاتب لا يٌصنع أو يُعد  مثل صناعة الحرفيين في معاهد التلمذة الصناعية أو إعداد أصحاب المهن الأخرى في الجامعات” يضيف “إذا كانت ثمة نصائح تقدم للناشئة فهي: اقرأ أكثر وتعلم أكثر، وليس السعي خلف سويعات تخلق كاتبا”.

ويرى أن المبلغ المالي المحدد المرفق في ديباجة الإعلان غير واقعي، ويبن الهدف (الربحي) من الورش، بحسب ما قال، ويضيف مبلغ “إنه تعجيزي ويقفز فوق الوضع الاقتصادي البائس”، ويرى أن هناك طرقاً عديدة لتقليل التكلفة لتكون في متناول الشباب الذين تستهدفهم الورش”.

إعادة تشكيل الكون

يحاول الناشط الثقافي معتصم شريف، فك التعارض بين مادية الكتابة وفرادة الإبداع وما يمكن تصوره أن الإبداع كحالة ميتافيزيقية مفارقة ومخالفة، تحدث هكذا، كما يذوب الدرويش في الحضرة وكما يتلقى الأنبياء الوحي من الما وراء.

ويرى شريف أن الإبداع على عمومه دعوة إلى المفارقة وجنوح ثوري لتحدي العالم كما نعرفه وتعبير عن الذات والأفكار والخيال بما هو ثورة على الواقع ومفارقة للمعتاد، فإنه أيضا وفي جوهره استكشاف للممكنات في ذات الواقع لا هربا للميتافيزيقا. يقول “الإبداع هو عملية صناعة علاقات جديدة بين مفردات الواقع المادي لم ندركها من قبل، فكل استعارة جديدة وكل تركيب موسيقي مذهل هو إعادة ترتيب وإنتاج لعلاقة جديدة بين مفردات من الكون”. ويضيف “إن جاز لنا أن نفهم العملية الإبداعية بهذه الصورة فإن القول بلا ماديتها ولا إمكانية دراستها وتتبعها والإحاطة بأدواتها قول ينزع عن الإبداع إنسانيته، وعن المبدع فرادته، فهو حسب هذه النظرة الخوارقية لا حظ له من إبداعه إلا النقل عما أوحي إليه”. يتابع “القول بخارقية أو ميتافيزيقية الفعل الإبداعي قول محبط ينزع فاعليتنا كبشر في هذا الفعل كما ينزع عن الإبداع قابليته للتطور والتقدم”.

ويؤكد شريف على بشرية الإبداع، وأنه صناعة دقيقة وتطويرها يعني بالضرورة دراسة ماضيها ونقده وإعادة إنتاج وسائله وابتكار وسائل جديدة تتحدى القديم وتبني عليه في آن، وأنه ليس ثمة وادي عبقر ولا وحي ما ورائي. يقول “هناك ثورة وثورة مادية حقيقية”. ويتساءل “ما معنى النقد إذا ومحاولاته المستمرة سبر أغوار أدوات المبدع ودراسة علاقاته الجديدة التي أنشأها”.

ويرى أن عقد مثل هذه الورش في صلب واجبات الموسسات والكتاب للمساهمة الدؤوبة في بناء الذات الجمالية للمخيال السوداني والإنساني بشكل عام”.

من جهته، يرى الشاعر والناقد عادل سعد يوسف: أن بروز وحراك (ورش الكتابة الإبداعية) مؤخرا ساهم في اثراء المحتوى الإبداعي والمعرفي لدى كثير من الشباب، لكنها أثارت عدداً من التساؤلات حول جدواها وإمكانية خلق كاتب من خلال ما تقدمه من محتوى. يقول “أعتقد أن ورشة الكتابة تشكل إطارًا مهمًا ليس تعليميًّا بالضبط بل قد يكون تقويميًّا، يتمثل ذلك في التعريف بقواعد الكتابة  لأولئك المهتمين، لذلك فهي تطوير لمعرفة الكاتب وبالتالي تطوير لوعيه الكتابي” .

ويرى أن ثمة تجارب كثيرة أنجزت تراكمًا مقدرًا في هذا الحقل، ويسوق مثلا بتجربة الروائي أمير تاج السر وكتاب آخرين. يقول “هذه التجارب لها أهمية كبرى في تشكيل الكتَّاب الجدد”. ويضيف ” فقط هذه الجهود تحتاج إلى رفد أكاديمي بمعنى أن تتبنى المؤسسات الأكاديمية الكتابة الإبداعية وتدرجها ضمن مقرراتها الدراسية”. ويضيف “طالما  استطاعت ورش الكتابة الإبداعبة الالتزام بوظيفتها الأساسية ولا تتجاوزها وهي تطوير الكاتب وإلا أصبحت حالة من حالات التكسب والاحتيال الثقافي”.

التجني على فعل القراءة

يتناول الكاتب الشاب برعي محمد: ظاهرة انعقاد الورش وفق سياق معين، فبالنسبة له أنه من الصعب إقناع الجيل الجديد من الكتـاب بفعل القراءة كسلـوك لتشكيل الذوق الأدبي”، وهم  مُحاطون- بحسب ما يقول – بكُتّاب، يقفون على منابر  المحاضرات، بدافع التّسليع، يتكلمون طوال الوقت عن الكتابة والنّشر، وينسون فعل القراءة والقارئ. ويرى أن الورشة تختصر جهد وزمن القراءة بالكشف عن الأدوات المعينة للكتابة، مؤكدا أن حركة الكتابة تجاوزت النقد مع أن النقد منشأ للكتابة وليس لاحقا لها، وأنه من دون حركة النقد فإن الكتابة تسقط في حالة من الجمود يعجز معها تحديد المنتج هل هو كمي أم كيفي،  وبسبب عملية اغتيال الأعـمال الأدبية، إما بالتجاهل غير المرتبط بالقيمة أو بالصمت، أو بغياب منهج للتعامل بسبب عدم المراقبة للمشهد الكتابي هنا.

يقول برعي “عقب سقوط النظام البائد، كان الرهان كبيرا على المؤسسات الثقافية إن تنهض بدورها، لكن بدلا من ذلك قُننت الفعاليات الثقافية التي ترعاها الدولة -إن وجدت- أو المؤسسات الثقافية الخاصة بحيث أخذت شكل التظاهر الاحتفالي أكثر من أنها تؤسس لتراكم ثقافي حقيقي ومنتج يمكنه أن يرتقي بالوعي العام من ناحية أو بتطور الفعل الثقافي عند المبدعين من ناحية ثانية.

إن لم تكن موهوبا فلن تستفيد

يدافع الروائي حمور زيادة عن ورش ودورات تعليم اساسيات الكتابة كونها ليست بدعة جديدة، بل إن كبرى الجامعات في العالم تقدم برامج لتعليم الكتابة، وإن عددا كبيرا من الروائيين حول العالم يقدمون الورش التدريبية، ومن أشهرها في الوطن العربي “محترف نجوى بركات”، و”ورشة البوكر العربية”. والقاعدة الأساسية إن لم تكن موهوبا فلن تستفيد إلا معرفة عامة.

يقول “هذه البرامج تساعد شخص مبتدئ لديه موهبة لمعرفة الأساسيات التي يحتاجها للكتابة. وتقدم له خبرة الآخرين بأكبر قدر من الاختصار، وربما تعينه على استكشاف مهارات لديه كان يجربها على البداهة دون أن يدري أن لها طرائق متعارف عليها”.

ويفند “بالتأكيد ليس مقصوداً هذه البرامج أن تجعل الجميع قوالب متشابهة. ويمكن ملاحظة ذلك من نوع الروايات التي صدرت عن ورشة مثل ورشة الراحل جبور الدويهي. فعلى العكس تهدف الورش لمساعدة المبتدئ على اكتشاف صوته الخاص”.

ويرى زيادة أن الكتابة مثل سائر ضروب الإبداع، من غناء وموسيقى وتمثيل، ليست “هملاً”. بل يمكن – ويجب- تنميتها بالقراءة والتدريب. وأن الورش جزء من هذا التدريب. يقول “من أسعدهم الحظ بحضور ورش لجبور الدويهي أو أمير تاج السر أو بثينة العيسى أو حجي جابر أو منصورة عز الدين أو محمد حسن علوان أو محمد عبدالنبي يعرفون ذلك جيدا”.

يضيف “سبق لي أن تشرفت بتقديم والمشاركة في تقديم ورش كتابة إبداعية في عدة دول، لعل أبرزها ورشة البوكر بالإمارات العربية المتحدة، وورشة اثراء بمركز الملك عبدالعزيز الثقافي بالسعودية”. ويتابع “أستطيع أن أزعم بحكم الخبرة أن هذه الورش كانت مفيدة للمدربين وللمتدربين”. يواصل “أنا سعيد بالمشاركة في نشاطات مؤسسة نيرفانا التي تسعى لجعل هذه الورش أمراً مألوفاً في السودان، كما هي مألوفة في بقية العالم ويقدمها عدد من أهم الكتاب والكاتبات”.

وحول أن تكون الورش الإبداعية بمقابل، يرى زيادة أن المسألة معقدة فعلا. فمن ناحية الورش لها منصرفات، إضافة إلى المبلغ الذي يتلقاه المدرب. فالجهة المنظمة هي من تقدر منصرفاتها، والأرباح التي ترغب في جنيها. ويقول “الأزمة في بلادنا أنه من الصعب أن تجد رعاة. إضافة للحال المادي السيء”. ويشرح أنه شارك في ورش عربية ضخمة برعاة، كانت الورشة مجانية للمتدربين، وتتكفل الورشة بتكاليف إقامة فندقية فاخرة للمشاركين. يقول “شاركت في ورشة قبل شهور كانت قيمة المشاركة للراغب أكثر من ٩٠٠ دولار”. يضيف “اعتقد أنه لابد من الوصول إلى صيغة تعادل بين المنصرفات وإتاحة الورش لأكبر عدد من الراغبين”.

تجريب، لا أرباح

يؤكد الروائي مهند الدابي، مؤسس “نيرفانا” أنها عقدت الكثير من ورش الكتابة الإبداعية مجانا رفقة عدد من الكتاب الكبار في عديد من المدن السودانية، منها نيالا وكسلا وبورتسودان وفي معسكر كلمة للنازحين في دار فور.

يقول  “الجدل حول الورشة الأخيرة ربمأ أن دافعه شخصي، أكثر من كونه موضوعي وعام”. ويضيف “مع غياب الرعاية حاولت المؤسسة أن تطرح ورشة بمقابل لأول مرة في السودان”. ويتابع “بالنسبة للمؤسسة، فالمسألة تجريبية أكثر من كونها ربحية”. وكشف الدابي أن عددا من المتدربين تواصلوا مع الورشة للحصول على تذاكر مجانية، وأن الورشة ضمنت لهم مقاعد مجانية لتلقي التدريب حتى لا تفوتهم الفرصة.

وأكد الدابي أن الورشة لمدة يومين بواقع ساعتين في اليوم الأول وأربع ساعات في اليوم الأخير وتشمل كل عناصر ووسائل التدريب المعروفة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال