‫الرئيسية‬ ثقافة رُفُوفُ الكون
ثقافة - سرد - 27 يونيو 2022, 10:43

رُفُوفُ الكون

معز الزين

في دار المصورات للطباعة والنشر والتوزيع، بوسط الخرطوم، تُناجي الكُتب سَحَرتها الميامين، راصِفةً في تعاليها المدارِج الصاعدة إلى متاهاتها السرِّيَّة، مُفسِحةً رُفوف الكون لحلولِ أرواحِ كائناتِ الثورةِ العاريِّة التي تَصعَدُ ليلَ نهار هذه المدارِج لكي تمحو مصائِرها النازفة من ألواح الغياب؛ وذلك قبلَ أن تعود هذه الأرواح لتنصِب مَقاصِلَ النور على طول مسالك الظلام لآخر سُلالة سقطت من فقراء الخيال المابعد كولينيالي الناشِط في رَدَهاتِ البيروقراطية الحزبية المُدجَّنة.
بجانب باب الدار، يجلسُ أسامة، مالِكُ الدار، وَلِهاً بتقشير خرائط الصمت المُشَرَع على هدير الشوارع وأعراسِها الزفافية، كأنه ناسِكٌ بوذي أخير هبط لتوه من مغارته المُحلِّقة في أعالي هضبة التِبْت. يلهو أسامة برِّقة الأرقام المتجوِّلة في آلته الحاسبة، والتي تتناسخ مع هيئاتها اللامرئية التي سَقَطت سهواً من مجرّاتها النورانية البعيدة، راسماً لكل كتاب مساره النجمي الخاص والمُشِع بين ملامس اليد، التي تُورِقُ ملامحها وتتجدَّد دوماً من فَرطِ تَتَريس الشوارع، وبين شفافيات أختِها الروح المُنسرِحة بين كُلِ موكبٍ وآخر.
وعلى يسارِ ناسِك خرائط الصمت، المُضْمَّخ برائحة أرجوان الشوارع النازِف، يجلُس د.فتح الرحمن التوم مُشاركِاً إياه مُهمة استكشاف تضاريس هذه الخرائط المورِقة في الظلام، مُغازِلاً بعينيه فكرة “الفعل اليومي‘‘ الفلسفية، والتي أكسبها الحراك الاحتجاجي اليومي لثورة ديسمبر أبعاداً مُتعدِّدة ودلالاتٍ مُتجَّددة.
كانت فكرة ’’الثورة‘‘ تطهو نفسَها على مَهْل بين جَمرِ الصمتِ وجُرح الكلام: كُنا ثلاثتُنا نُمسِكُ بطرفِ ثوب ِالكلام، نُشجِّرُ زهوَ الكلمات الشَارِد على حوافِ قُماشةِ فكرةِ ’’الفعلِ اليومي‘‘ الفلسفية، المُتناسْلة خيوطها من فُيُوض الحسِ الثوري، زاهدين في التطريز المؤطِر الذي قد يُفضي إلى ذلك الشكل النهائي، الغْار والجوهراني، حابساً ذاتَ الفكرة في قشرتِها السياسية المُتشَققَة. هو ذات الشكل المعهود والمُتربِص بنضارِ الأفكارِ ولمَحِ بُروقِها اللامعة في شَرنقتِها الخضراء، مُبجِّلاً إياها بطقوس الترسيم النظري الواحد ـ الأوحد، الذي سُرعان ما يتصَّلب إلى صولجان على يدِ آخر أنبياء الحقيقة المُتساقطين.
ليس من اليسير التسليم بأن الأدبيات السياسية والاجتماعية والثقافية والجمالية التي شكَّلت ملامح الحركة السياسية الحزبية، طوال أكثر من نصف قرن، قد بدأَ قوامَها يكسوه النشافُ والنضوب؛ وذلك إذا لم تضعها التجربة الوجودية الشاسعة والمفتوحة للحركة الاحتجاجية لثورة ديسمبر موَّضع التحقُّق والاختبار، بعد أن أخذ الحراك الاحتجاجي والقاعدي يتبلوَّر ويبلوَّر من خلال أشكاله المتنوعة وتجلياته المُتعَّددة: إذ تحمل هذه الأشكال والتجليات ملامح أولية لمشاعر وقيم جديدة قد تُشكِّل بدورها حساسية تاريخية أكثر جذرية في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي والجمالي. هي ذات الحساسية التي، إذا ما تشكَّلت جوهراً وفعلاً وملمحاً، قد تنتج غذائها الأرضي الجديد الذي سيضخ دمائه المُنيرة الخضراء في أوردة وشرايين سيرورات ولادة/إعادة تشكيل ’’الفاعل السياسي‘‘، على ذلك النحو المغاير والمختلف عن نظيره السائد والمهَّيمن على مشاريع التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، والذي ظلَّت تنتجه الثقافة السياسية الحزبية السائدة لأكثر من نصف قرن.
وبين ممرّات الكتب المُتشعِّبة وعلى هوامشها الظليلة الخفية، جَنَح منحى الكلامِ العابر نحو التفكير في ’’فلسفةِ الاحتجاج‘‘ أكثر من ’’الفعل الثوري اليومي‘‘ بأبعاده الفلسفية العميقة والمتجذِّرة في سياقات متناهية الصغر لكنها شاسعة في تأثيرِها المتهادي والمتمادي إلى المستقبل. إذ صار كلامُنا العابر يحوم حولَ فكرةِ ’’الفاعل المتعدِّد‘‘ أكثر من ’’الفاعل السياسي‘‘، أو ’’الفاعل التحرُري‘‘ بلغةِ القاموس الديسمبري (2018) العاري الوَعِر الوثَّاب، أكثر من ’’الفاعل المؤدلج‘‘ بلغة القاموس الأكتوبري(1964) المُدجَّن المُهادِن المُزعِن المُطيع: هذا الفاعل الجديد الذي انخرط احتجاجياً ووجودياً بشكل دؤوب في كلِّ الاتجاهات التي قد تُفضي إلى إعادة تشكيلِ علاقاتِ القوى وفَهْرَسة الفضاءات الجديدة والخيارات الرحيبة.
هذه الثورة قوامها حيوية الجسد المتمرّد على أفكارِ حاملِه والمعبِّر عن قيودِه الجوانية، على تنميطاته الخفيّة وخُضُوعاتِه اللاشعورية لأي شكل من أشكال الإكراه المادي والرمزي ولو كان هذا التمرُّد في جوهره مضاداً لغولِ السلطة الرسمية ومِسخَها المُشوَّه. هي ثورة جسد الفاعل المتعدِّد ضد جسد الفاعل المؤدلج المفصوم عن عقله المُدجَّن.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.