‫الرئيسية‬ مجتمع أخبار نموذج خنق الحقيقة بالكلمات: هل نفت أبو ظبي للموانئ مشروعها الفاسد مع اسامة داؤود؟ …كلا ثم كلا!
أخبار - تحقيقات - 23 يونيو 2022, 7:35

نموذج خنق الحقيقة بالكلمات: هل نفت أبو ظبي للموانئ مشروعها الفاسد مع اسامة داؤود؟ …كلا ثم كلا!

عبد الرحمن الأمين
aamin@journalist.com
الاربعاء 22 يونيو 2022
واشنطن

لوهلة، سيتراءى البيان الذي أصدره المحامي إيْمِيْل بِلِيسر Emil Pellicer ، ممثل شركة أبو ظبي للموانئ، عن صفقة الميناء الجديد ما بين الإمارات وحكومة الانقلاب، وشركة دال الشريك الإستيلثي الخفي، وكأنه نفي للتقرير المُدّوِ الذي بثته وكالة رويترز أمس. بيد أن البيان، حقيقة، لم يكن سوى فذلكة قانونية في جانبه العام، وتدليسا لغويا مقصودا في مراميه وأهدافه، في الترجمة العربية!
ففي بيان اللغة الإنجليزية (أكد) البيان (حقيقة) الصفقة بعد ساتر كثيف من التلاعب اللغوي، بينما تعمد التغبيش على الحقيقة في الترجمة العربية!
فالنص الإنجليزي يؤكد السبق الصحفي لزميلتنا السودانية المتفوقة، الأستاذة نفيسة الطاهر، مراسلة وكالة رويترز. أما الترجمة العربية التي أرفقتها الإدارة القانونية في (أبو ظبي للموانئ) لذات البيان فقد تعمدت التخليط والتدليس والتغبيش ببهار زائف المذاق.

يظهر جليا أن الإدارة القانونية وادارة الاتصالات والعلاقات العامة في شركة (أبو ظبي للموانئ) سعت لإطفاء حريق خبر وكالة رويترز. ولأن الخبر صحيح فما
من استراتيجية أكثر ملاءمة من توظيف الترجمة لتوفير الهرجلة المفهومية Conceptual confusion المبتغاة. فمضت لترجمة بيانها ترجمة غير دقيقة لها مذاق النفي، وما هو بنفي!
اقرأ قولهم باللغة الانجليزية (However, there are preliminary discussions taking place with the relevant authorities in Sudan as the Company is always exploring new opportunities and projects.
فالترجمة الحرفية (المفترضة) لهذا الكلام كان في تقديرنا أن تكون ما نصه:
(بيد أن هناك مشاورات مبدئية تجري مع السلطات المختصة في السودان، إذ أن الشركة تظل دوما تستكشف مشاريعا وفرصا جديدة) .
ولأن مثل هذا الصدق لن يخدم مخطط التشويش، فإنها استعاضت بهذه الترجمة الخادعة:
(إن الشركة بصدد مناقشات مبدئية مع الجهات المعنية في السودان وذلك في ظل سعيها المستمر لدراسة وتقييم مشاريع جديدة).

الآن مطلوب منك الانتباه لعدم أمانة الترجمة..
فعندما صاغ المحامي المستر إيْمِيْل بِلِيسر (خريج جامعة ماقيل McGill University الكندية العريقة الناطقة بالإنجليزية) نصه الانجليزي قال ان النقاشات المبدئية التي تقوم بها (أبو ظبي للموانئ)، تجري (فعلا) taking place مع السلطات السودانية المختصة. أما الترجمة فاستخدمت كلمة (بصدد) وتعني نية القيام بمشاورات لم تبدأ!! وهنا يكمن الكذب البواح فالصفقة قد انطلقت محادثاتها فعلا وهي مستمرة الآن!!
ملفت للنظر أن النص تعمد عدم ذكر شركة دال بالاسم، فاسم الشريك هو بمثابة فرض الكفاية، تسقط الحاجة لتعريفه أن نطق رفيقه. ولعلنا نضيف أن المشروع ولكونه يتعلق بصفقة تفوح نتانة فسادها، من شأنه أن يجعل الشريك السوداني حريصا على التخفي خشية ما سيصيبه من هذا النسب الخاسر.

معلوم أن الترجمة، كغيرها من أدوات الخبر الصحفي، يمكن توظيفها للعبث بمدلولات المحتوي. هذا التلاعب ممكن باختيار ترجمة عربية غير دقيقة لمعاني المفردات الإنجليزية، أوغيرها من اللغات. البعض يحتفي بهذه الظاهرة ويستدل بها على جزالة اللغة العربية وتنوع مخزونها اللغوي. فلغة الضاد تتوفر على الكثير من المترادفات البديلة للمفردة الواحدة، عكس غيرها من الألسن ذات المفردات اليتيمة التي لا تصف سوى شيئا واحدا.
ويرد آخرون فيقولون إن تعدد المفردات الواصفة للشيء الواحد يفرز سلبيات عديدة اهمها عدم دقة الترجمة إذ يقترب الباحث من المعني دون ان يبلغه!
بيان الموانئ الإماراتية يقدم نموذجا عمليا شاخصا لما قلناه.

من صاغوا البيان الإماراتي لابد وأن أدركوا أمرًا أخر لم يخلقوه لكنهم حتما استفادوا منه. فمثلا، إن أجاب مسؤولا بما نصه (لا تعليق) ، وترجمتها الإنجليزية (No comment )، نقلنا الخبر للناس وكأنه أمرًا موجبا واعترافا مبطنا. وعادة لا يبذل الصحفيون جهدا لتصحيح هذا الخطأ. بل إن كثيرا منهم فهموا عبارة (لا تعليق) كإثبات واعتراف كامل الأركان، شأنهم شأن كثير من العوام. هذا القصور رسّخ مفهوماََ خاطئا لدى من يستهلك الأخبار في مجتمعاتنا فحواه أن الامتناع عن التعليق يعني تأكيد الخبر!!
استتباعا، لابد وان نعترف بمساهمتنا، كإعلاميين، في ذلك الخلل جرّاء تقصيرنا في التقيد بضوابط مهنتنا واهمالنا شرح بعض الأدوات التي نستخدمها (عند عرض نصوصا مترجمة للغة العربية)

بعد فضيحة خصخصة ميناء بورتسودان في يناير 2019، أجمع شعبنا البطل على عدم السماح بتسلل ماركنتايل المستعمرين الجدد لنهب خيراتنا. لكنهم عادوا تحت نظام سياسي أكثر لصوصية مما كان عليه الأمر في حكومة محمد طاهر إيلا، وهاهم يفرضون علينا صفقة دُبرت في عتمة الليل، أكثر إجحافا وظلما. فإن أسقطنا مخططهم الجهنمي لخنق سيادتنا رغم قبول المخلوع البشير وقبضه ثمن تأجير ثغر بلادنا الوحيد لهم، فمن المنطقي ألاّ نرضى اليوم بشق قصبتنا الهوائية جراحيا لفتح ممر لإمعاء بلادنا! ويعزز رفضنا ان هذه الجراحة القاتلة سيجريها جرّاحا مستعارا، تغربت مصالحه عنا، وهجرنا وتبعته استثماراته لتقيم معه حيث أصبح واحدا من “أهل بيت الكفيل” في بلده بالتبني، يتقبل التعازي في اتراحهم والتهانئ في أفراحهم!
أجد عذرا، وأواسي كل من يحس بمرارة حارقة وخيبة أمل مُبكية أن شركة دال، التي كنا نفاخر ونحتفل بنجاحاتها كنموذج في ريادة الاعمال الوطنية، قد غابت عن المسرح تماما وتحصنت بالصمت وتركت كل الحديث والتبرير والتوضيح لشركائها في موانئ دبي!!
السؤال مشروع: لماذا تعمدت دال تلك الاستراتيجية وهي تعيش بيننا، وتحمل جنسية بلدنا، فضلا عن انها صنعت امجادها وتوسعت أعمالها بسبب هذا البلد المعطاء؟
لماذا تستقوي علينا، ووطنا يتكاثر عليه اللئام واللصوص، فتصطحب غرباء الوجه واليد واللسان إلى بيتنا، منتهزه عقوق حراسنا وانشغالهم نهب السلطة والأنعام والمحاصيل والذهب وكل الوطن؟ فيا ترى من يستثمر في بلد بلا حكومة؟ وبأي حق استباح لصوصنا الحاكمين اسمنا وسرقوه وقاموا، دون تخويل، بتوزيع شهادات بحث مزورة لشواطئنا وجبالنا ومزارعنا وأنهارنا للأغراب؟؟! أين برلماننا أو الجهة السيادية التي تبت في أمرنا؟ هل سمعتم ببلد واحد في هذه الدنيا ادعى ازدهارا في استثماراته وهو بلا حكومة؟ ووزارته ودوره الرسمية يؤمها وزراء عصابات تحرسهم تاتشرات فصائلهم المدرعة؟ وزراء مسلحون نهبوا أقلام التوقيع واشترطوا على الاغراب إتمام إجراءات البيع الفوري وتسليم شهادات الملكية في صالات مصارف دبي.
آه على وطن معروض للبيع في مزادات مغلقة للأغراب!
أين مصالح بلادنا، ولماذا هذه العجلة والسرعة المحمومة لأنهاء عمليات الشراء والبيع لموارد بلادنا في هذا الفراغ السياسي؟ لماذا الحرص على تشليح الوطن وسلبه بينما الشعب مشغول باقتلاع طغمة الفساد الماثلة؟ لماذا تحرص (دال) على إكمال صفقات مليارية بعيدا عن عيون الرقابة الوطنية وهل يعقل أن تكون الصدفة هي المسؤولة عن تزامن وتكاثر صفقاتها إبان هذا الفراغ السياسي؟ هل يعقل أن تكون الصدفة هي التي صاغت عرض الاستحواذ على شركة الهاتف السيّار (زين)، وتكررت في عرض “مشروع” التنازل عن الفشقة لقاء تطويرها، والآن ميناء بديل يحطم بورتسودان الذي يقضم امتدادا شاطئيا خصما من أرضنا وسيادة بلادنا وأمنها القومي!
ماذا يقول أسامة داود؟ حسنا فهذا هو النص الحرفي لما قاله لرويترز

‏” The UAE wants a stable Sudan so they can do more and more of these investments, but we are not waiting for everything to be perfect,” he added.

(تريد الإمارات سودانا مستقرا حتى يتمكنوا من القيام بأكثر من هذه الاستثمارات والمزيد منها لكننا لن ننتظر حتى يصبح كل شيء مثالياً)
المختصر المفيد: لن ننتظر حكومة تمثل إرادة شعب السودان تمثيلا حقيقيًا!
ياعيب الشوم

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.