نزار مكي
‫الرئيسية‬ مقالات متاهات الجنرال (2)
مقالات - 21 يونيو 2022, 23:45

متاهات الجنرال (2)

نزار مكي
الجنرال لم يجد غير ذات طريق الإنقاذ القديم الذي ارتوى بدماء الشعب السوداني، فأهل الإنقاذ ما كانت الأرواح تعني لهم شيئا مقابل شبقهم السلطوي. فالتبريرات موجودة ومعلبة وجاهزة فمن كفر بالإنقاذ تستباح كرامته وماله وجسده ورزقه لتثبيت دولة البرنامج المسمى حضاري، وهو بالأساس لا يمت للحضارة بِصلة ولا علاقة له بالإنسانية ولا يخرج عن كونه فكرة بائسة غطت فقرها بثوب ديني متماهية مع النفاق وشهوة السلطة، وما يترتب عليها فيكون الانغماس في ملذات الدنيا كاشفا لحالة النفاق. الجنرال خريج تلك المدرسة واحد منفذي خططها، ولكن تنتهي براعته عند التنفيذ ولا يفكر في العواقب كما أنه لا يفكر ولا يحسب الامور قبل التنفيذ فهذا هو دوره الذي صنع له ورصعت أكتافه لأجل التنفيذ عندما يطلب منه وها قد أتى أوانه. صار خبر الموت عاديا جدا مع كل تظاهرة وكل موكب معه أعداد كبيرة من الإصابات بدرجات متفاوتة تصل حد فقدان الأعضاء أو تعطيلها ويكتمل القبح بالاعتقالات والضرب والانتهاكات وصولا إلى الاغتصاب، فلا تكتفي أفواج الهمج بإراقة الدماء فقط بل تهدر الكرامة وبرغم ذلك لا تنكسر إرادة الثوار بل يزدادون صلابة وإصرارا في ذات الوقت الذي لا يعي فيه الجنرال ومن معه الدرس ليصل إلى درجة التصريح بأن المتظاهرين هم من يخرجون على السلمية، بل ويعتدون على الشرطة والمقرات الرسمية في وقت شاهد فيه الجميع داخل البلاد وعلى مستوى العالم ما تقوم به قوات الشرطة ومن معها من قوي القمع. أليس مخجلا أن يتحول من عهد إليهم بحماية المواطن إلى قتلة ونهابين؟ المواطن لا يزال يذكر ذلك التصريح المخجل لمن يقول إن الأستاذ أحمد الخير قد توفي مسموما بعد تناول وجبة فول بالجبنة… ترى إلى أين ذهب ذلك اللواء بعد أن أدين القتلة بالإعدام، وقد انتهت كل مراحل التقاضي وبقى التنفيذ؟ ولن ننسى مدير الشرطة الذي صرح في مؤتمر صحفي أن هناك مواطنا واحدا فقط قد قتل في الوقت الذي ارتقت فيه أرواح سبعة عشر شهيدا. سعادته يبرر بأن المتظاهرين قد خرجوا عن السلمية وكأنما هو أحد أفراد تلك الظاهرة المسماة بالخبراء الاستراتيجيين والذين ظلوا يستبيحون القنوات ولا يطرف لهم جفن وهم يلقون بأكاذيبهم دعما للانقلاب الفاشل. مثلما وضع البشير نفسه في المقدمة متحملا لكل جرائم عصابة التي شاركته ها هو الجنرال يضع نفسه في ذات الموضع وهو ينفذ رغبات ذات العصابة ولكن هذه المرة بطريقة أكثر بشاعة وأشد ظلما وفي ذات الوقت في زمن مختلف ومع جيل مختلف. ملهاة استجداء التوافق بين القوى المدنيةهي رسالة ساذجة موجهة للخارج لم تفتح أي آفاق للانقلاب المعزول محليا ودوليا كنتيجة حتمية للتحالف الذي جمع عسكر الإنقاذ مع واجهات مدنية انتهازية وحركات مسلحة أتت مفلسة ومهزومة وهي تبحث عن مال وسلطة فيما هي ضعيفة على الأرض التي ادعت الكفاح من أجلها بل ولم تقدم لها أكثر استخدامها كرتا في لعبة المال والكراسي أما النفوذ الأكبر في ذلك الحلف فهو لمن إمتلك جيشا وإمبراطورية مالية ضخمة وعلاقات خارجية سلعتيها الذهب السوداني والدم السوداني. أما المحرك الرئيس خلف كل ذلك والمتلاعب بخيوط جميع مكونات هذا الحلف فهو الانقاذيون الذين يعتبرون أن هذا الخطوة تعجل بعودة ما فقدوا من سلطة ومال منهوب ليدفعوا الجنرال من كارثة إلى كارثة اكبر. الجنرال لا يقرأ رؤية العالم لمن يقفون خلفه حيث يرفضهم حتى المحيط الإقليمي. الثورة تعرف موجات صعود وهبوط ولكنها لا تعرف الردة كما يتمنى الجنرال الذي ليس له ما يقدمه للشعب غير القتل بعد أن أوقف كل عمليات عودة السودان للمجتم الدولي في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية لتزيد من معاناة الشعب المهدد بالجماعة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 7

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.