‫الرئيسية‬ ثقافة فنون “إبراهيم وحنان”.. الألبوم المفقود
فنون - 20 يونيو 2022, 12:06

“إبراهيم وحنان”.. الألبوم المفقود

تاج السر الملك

إن كانت الأغنية ذاكرة كما يقولون فإن ألبوم إبراهيم وحنان، اليتيم، يمثل نقطة مضيئة في الذاكرة، وأثراً قديماً، لشجن حارق، لا نزال نتحسسه بين زمن وآخر، وأنه ولمن تعس حظ الفن السوداني، أن يكون لقاء إبراهيم محمد الحسن، وحنان النيل، لقاءً يتيماً، تمثل في تعاونهما، في الألبوم المشترك، الذي زلزل قواعد السمع السوداني، ولا يزال، وأطلق عليه أهل الفن عن حق، الألبوم الأسطورة. شع ذلك اللقاء الفني الفريد، مثل شهاب، لم يدر أحد أي كوكب دري قذف به، فغطى بإشعاعه، مشاعل القمم الرواسخ، من مطربي الثمانينيات، وثبت لنفسه موقعاً، في سجل تاريخ موسيقى الثمانينيات في السودان، ثم خبا التعاون، والذي بشر بكثير من الخير، بعد إذ هو ساطع، وسكت صوت (الأمواج)، وانحسر مدها، إلى غير رجعة.
لإبراهيم محمد الحسن، حس فني، عالٍ، يصدر عن موهبة طبيعية، وقدرة على توزيع وإخراج العمل الفني، بصورة لم تتأت حتى لكثير من الدارسين، وحملة الدرجات الموسيقية العليا، والتي لا نعرف لها جدوى، إن لم يكن حاملها منتجاً للموسيقى، فالموسيقى والفن في عمومه، موهبة في المقام الأول. وقد كان إبراهيم، ولا يزال موهوباً، سابقاً لعصره، ففي الوقت الذي كانت الأغنية السودانية، تتهيب الخروج من دائريتها، في الوقت الذي كانت الأغنية السودانية، تبحث عن هوية لها، أثبت إبراهيم، بصحبة حنان النيل، وفي ألبوم واحد، أن التوزيع الموسيقي، مسألة متجذرة في ذوق الفنان، وهي نتاج خبرة في السمع ، والانتباه للموسيقى الكونية، وأن أختيار الموثرات الصوتية، مقدرة تنبع من الذات، قبل أن تحصلها في مقاعد الدراسة، فكان إقترابه ومعالجته، لأي أغنية إختارها، عبقرياً وذكياً، ومشبعاً بروحه الرقيقة، عاكسةً لهدوءه وسلامه الداخلي، وتواضعه الحقيقي كان إبراهيم، فتحاً إبداعياً، تدفقت من خلاله الأغنيات السودانية، التي سمعناها مراراً، كشلالات من الأصوات السماوية، تمسك كل ميلودية فيها سابحة مع الأخرى، بالتي تمضي والتي تتلوها، كنا وكأننا نسمع هذه الأغنيات للمرة الأولى، قم يا طرير الشباب، ياقائد الأسطول، يا اغلى الحبايب، قلبي مالو اليوم، بل وكل أغنيات الألبوم، فكأنما كان يحمل مفتاحاً سحرياً، أعتق به كل طاقات الأغنيات من أسرها، ثم أضاف إليه الشجى، الذي لا يدانيه شجىً، في صوت حنان، فكان مزاجاً من نهر يجري في الجنة، أو ترجمة سودانية لنشيد الإنشاد. أقول وأنا شاهد على قولي، أنني لم أسمع توزيعاً للموسيقى السودانية، حتى هذه اللحظة، لعازف منفرد، أو لأى موسيقار سوداني، يقترب فيه، من الذرى التي لامسها إبراهيم، في البومه مع حنان النيل، والبومه المنفرد (المهيرة)!
وأنني لم أسمع، أي عمل فني سوداني، حتى هذه اللحظة، يتمتع بما يسميه الغربيون، ب(أمبيانس)، الكلمة التي يمكن أن تفسد الترجمة معناها، مثلما تتمتع به أعمال إبراهيم، ولا مؤثرات صوتية، محسوبة بدقة وبدون إسراف، متوافقة، ومعبرة عن إسم فريقه الموسيقي (الأمواج)، تضيف إلى الأغنيات والمقطوعات، أبعاداً، لم تألفها الموسيقى السودانية من قبل.
وقد يذهب عنا العجب، أن علمنا، أن إبراهيم، تشرب من الموسيقى العالمية في ذلك العقد، وهو والسبعينيات، كانا بمثابة العقدين الذهبيين للموسيقى العالمية، ونقصد بذلك موسيقى البوب ميوزيك، وكانت الخرطوم مثل رصيفاتها من عواصم العالم، تقرأ وتستمع، موسيقى الروك والسول والريقي، وشارك إبراهيم في فرق للموسيقى الغربية، مكونة من أميز العازفين الشباب في تلك السنوات، فكان بمقدوره، أن يعيد صياغة الأعمال الموسيقية، بطريقة معاصرة، في الوقت الذي كان معهد الموسيقى، في تلك السنوات، يخرج موسيقيين بلكنة صينية، كنا منبهرين بكارلوس سانتانا، وفناني (موتاون)، جورج ماكري، الجاكسون فايف،ايزاك هيز، كان هنالك دفق لا يتوقف، كان هناك عازف الكيبورد الفرنسي المنفرد(جان ميشيل جار)، بمقطوعته الرائجة (اوكسجين)، ريك ويكمان البريطاني، مايك اولدفيلد البريطاني، مؤلف (تويبولا بيلز) الذي أحدث إنقلابا، في طريقة استخراج الموسيقي الالكترونية، وفريق (كرافت ويرك) الألماني، كلوس فوندرليشي العازف الألماني، جيمي سميث الأمريكي، بوكر تي الأمريكي، وإقليميا ناصر المزداوي من ليبيا، وفرقة بندلي اللبنانية. في وسط هذه الغابة المتشابكة، من ابداعات الكون، شق إبراهيم طريقاً للأغنية السودانية، والمقطوعات الموسيقية، فكان شريط (حنان وابراهيم)، مفاجأة، كست الموسيقى السودانية بحلة، وأتت بمعادلة صحيحة للمزاوجة بين القديم والمعاصر، ولم يلبث الألبوم أن انتشر كالنار في الهشيم، والنهار من وراء الغيم، ولا نبالغ إن قلنا، بأنه أوسع البوم غنائي سوداني توزيعاً، حتى كتابة هذه الكلمات، لم تخل حافلة أو سيارة خاصة، أو أي مسجل نقال، أو (ووكمان)، من شريط حنان وإبراهيم، بل وكان من أكثر السلع، وإن لم نوفق في هذه التسمية، توزيعاً في الأسواق الحرة بالمطار، وسمعه المسافرون، على متن كثير من الطائرات غير اىسودانية. ثم توقف التلفزيزن السوداني، عن بث المقطوعات البئيسة، التي كان يعزز بها اكتئابنا، بين الفواصل، وسرت في الأثير معزوفات ابراهيم، فكانت، بمثابة (ساوند تراك)، لجيل كامل. يقول لي الأستاذ الموسيقار ميرغني الزين، إن إبراهيم هو من حبب آلة الكيبورد للشباب.
ثم إننا، جلسنا في انتظار (جودو)، شعباً وحكومة. كنا نتحرق ونتوق، للالبوم الثاني.
ولكنه مثل اي (جودو)، آخر في حياتنا في السودان، لم يصل!
ولأن ابراهيم سكوت بطبعه، فقد أطال السكوت، هذه المرة، وغيبه الإغتراب عن السودان، مثله مثل أجيال كاملة من المبدعين، وغنت حنان، باوركسترا تارة، وبالعود تارة، وظلت في دخولها وخروجها، من باب الغناء المشرع، حتى غيب الجلاوزة السودان بأكمله، فأصبحنا على نعيق الحركات المسلحة، أسرى، ولا نزل.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.