‫الرئيسية‬ ثقافة سلسلة المُهمَلات: حمار الهدوم (13)
ثقافة - 19 يونيو 2022, 11:21

سلسلة المُهمَلات: حمار الهدوم (13)

سلسلة المُهمَلات

هذه النصوص هي مشروع كتابة، قيد التنفيذ بعنوان “المهملات”، عن أشياء تبدو لا قيمة لها من فرط وجودها وبداهتها وعاديتها، رغم أنها اكتسبت جدارتها من فرط وجودها! لا أحد يساءل لون بشرته ببساطة، لأنها هناك كصبح وصلاة تتكرر، فنغفر لها ترددها مثلما نغفر للشمس مغيبها وطلوعها !! أقصد مؤانسة المكرور الذي به أدمنا الحياة والوجود من غير أن نقول ليهو شكراً من فرط تكراره!! هي كتابة تحاول أن تقول ما نجهله عن العادي الذي أوجَدَ الأساسي فينا!! سأنشر هذه النصوص في حلقات عن العادي لأهبُ شهادةً للأساسِ اليتيم!

حمار الهدوم (13)

صلاح الزين

مثل البشر وسائر المخلوقات الهدوم يلزمها بعض من راحة وقيلولة قد تطول وقد تقصر. وليست كالبشر، يخلو لوحها من أبجدية التملك والثبات.

أسلافها نذروا أنفسهم للسترة والتمييز، فتميزت حتى في أسباب نضو التعب عنها وطقوس غفواتها لحين. فانوسمت بجوع الحيز space hungry والحيز يُعرِّف ولا يُعرَّف. فهو ليس إلا شهوة مخيال الآخرين ونرجسيتهم.
ولأن المخيال شراكة بين العباد وإبليس، فهو ينمو في الحديقة الخلفية لما هو كائن، خوفاً وليس حياءً، و له من الذرية من يؤانس النبي الخضر وهو يخطو برفق فوق ماء البحر المالح.
فكان لها أن تبحث عن حيزها لتكون نِدّاً لما يجاورها من غير تطفلٍ و ضِعَةٍ.
البيوت تؤتى من أبوابها، الحيطان تصد ضراوة المتطفلين، والسقف يحجب عورة السماء. ما أجمله من حيز، هكذا تهمس الهدوم وقد بلغ منها التعب مبلغًا.

الصدفة عصية على التعريف والقياس، فتَصادفَ أن توزعت الهدوم على عدة حيزات تتناسب طردًا مع ما للهدوم من عطر خفي وإبلاغات طابعها الكتمان والوشاية.
فكان أن وهب الحبل عنقَه بساطًا تٌركُن إليه الهدوم من تعبِ وُجُودِها وتوزُّعِها المثابر. حبلٌ بطولٍ مُفَكَّرٍ فيه بطرفين معقودين على السقف هكذا. وهكذا أصبحت الهدوم بقيلولاتها الباذخة تطلُّ مِن علٍ، من علٍ قريبٍ وهي ترقب شؤون العباد في غدوهم ورواحهم.
وبِكرَمٍ يفيض عن متانة سُمكِهِ مدّد الحبل سعة فتوَّتِهِ للمزيد من الهدوم.
ومن جِبِلَّة الحيز أن تكون له رأفة تتوزعها جنباته. فكان للجدران نصيبها والباب أيضًا. يتكافل المكان كما البشر وهُم يتساكنون ويتعاشرون.
حفلة سمر، لا شهود عليها، فيها يتسامر ما تحمله الجدران مع ما فوق الحبل من أثقال.

الحياة سقف بثقوب لا تصد انهمار السماء، فينسرب الماء وتتكاثر مواسم الحصاد فتتكاثر الهدوم، والحبل لم يعد بفيضه المعلوم، ولا الجدران بذات أيادي العون، والحيز يضمُرَ أُنسُهُ فيضجر وينزوي، ويترجل الحبل من عليائه ليكون ميلاد حمار الهدوم كنبي حكيم يعيد ترتيب الحيز ومعتقداته ما خفي منها وبان وهي تطلي المكان بألوان تَمدُّه بحكايا ومسامرين يزينونه بعادات سمرٍ ورويٍّ يراعي ما للمعنى من اقتصاديات وفلسفة.

فكان ميلاد حمار الهدوم من رحم الاقتصاد السياسي للمكان والمعنى.
ومعه تبدلت وظيفة الحيز وعاداته فصار أقرب للعرض منه للصون.

وككل وافد جديد له إملاءاته: أن يتوسط صدر المكان على مقربة من البترينة، شماله أو جنوبه!، فيكونان مرآة لما حاق بتقادم عادات المكان من تفلتات.
مصقول ومدهون بزيت العادة هكذا تكون سلطة حمار الهدوم في انتخاب من يعلونه وكيفية جلوسهم وما يبان ويُخفَى من فوقه وحَوْلِه.

ولأن الهدوم عُريُّ المُخبّأ وفضيحة المُستَسَر فقد أَقسَمَ حمار الهدوم على صون المواضعة ورائحتها. بل تعدّى ذلك وأبرم عقدًا غير معلن مع الجوار: البترينة. لها حرية السفور فيما تعلن و له حرية الإخفاء فيما يعلن.
في إمبراطوريةِ حيِّزِهِ إحداثياتٌ بإفصاحات تسرد ما يقول المكان عن قاطنيه، ذكورًا وإناثًا.
يتواطأ حمار الهدوم، لسبب يعلمه وحده، فتكون هدوم الذكور قمة جليد العرض لتنوء بحملها هدوم الإناث وفقًا لما أَبرمَ من عقد سري مع البترينة المركونة في جهةٍ ما جواره.
ينوس حمار الهدوم بِرَهَقٍ مثابرٍ طرَفهُ الأول من حضروا والآخر معقود على من غابوا: وجوداً أو انتقالا. وللطرفين مواسم كحصادٍ يأتي كل عام وحين. يغيب الوجود فتغيب الهدوم وتذوي فيحتار حمار الهدوم يخفي مسراته أو حزنه من أعين القاطنين فترتبك البترينة الملفوفة سرتها بعقد يلزمها بالتضامن وأخوة الجوار.

ومن عرشه في صدر المكان يرقب حمار الهدوم حبل الغسيل المشدود طرفيه بين أوديستين تسردان شدو قافلة تغسلها الريح في غدوها ورواحها بين العدم والامتلاء، الموت والحياة وما بينهما من نزوح دومًا يقفل عائدًا كطيور السمبر في مواسم الحصاد أو غصة موت أُمك.

ومثل البشر حمار الهدوم إلى فناء. هم يخلفون ذريةً تسعى في الأرض وحمار الهدوم يخلف دولابًا يصون سعيهم وشنطةً بِدِرْبَةِ مروحة تهش الضجر.

ملحوظة:
يرجى استصحاب قراءة: الهدوم ( 3 )

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.