الجميل الفاضل
‫الرئيسية‬ مقالات الرقص على جثة وطن
مقالات - 18 يونيو 2022, 14:27

الرقص على جثة وطن

الجميل الفاضل

الروائي الطيب صالح مثقف منصف وحصيف، لا شك في عقله وسويته.. أطل يوما “نحو أفق بعيد” على جدار مجلة “المجلة”.. وبعد أن أعاد البصر كرتين، قفز من دخيلة نفسه المعتقة العميقة، سؤال مستفز، مزلزل وعنيف.. سقط كحجر ثقيل على بركة العقل الساكن.
إذ ظل السؤال (من أين جاء هؤلاء؟) يتردد صداه المجلجل في كل فضاء، منذ تسعينيات القرن الماضي، وإلى يومنا هذا.
ولكي نناقش اليوم سؤالا ظل حاضرا، رغم غياب سائله.. لابد أن نرى من هم “هؤلاء” الذين أراد الطيب صالح معرفة من أين أتوا؟ ومن أي كوكب هبطوا؟ وكيف صاروا إلى ما صاروا إليه الآن، وقبل الآن؟
شروط الانتماء الطبيعي للسودان عند أديبنا الراحل، شروط بسيطة بساطة الحياة السودانية نفسها، يكفي فقط أن ترى إلى أي مدى تنطبق الإجابة بنعم أو لا، على تساؤلات استمارة الطيب صالح المفتوحة.
تردف تلك الاستمارة سؤالها المفتاحي (من أين جاء هؤلاء؟) بتساؤلات معيارية فرعية تضيء وجه الطريق لمن يريد التعرف على “هؤلاء” الذين يعنيهم اديبنا عن كثب.
يتساءل الطيب صالح المفجوع بسوء فعالهم في العشرية الأولى من عمر سلطانهم الذي امتد لثلاثة عقود أو أكثر: (أما أرضعتهم الأمهات والعمات والخالات؟ أما أصغوا للرياح تهب من الشمال والجنوب؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط؟
ألا يحبون الوطن كما نحبه؟ إذن لماذا يحبونه وكأنهم يكرهون؟ ويعملون على إعماره وكأنهم مسخرون لخرابه؟).
وإلى أن يبلغ الطيب صالح مربط خيلهم الذي حوله يدندنون، بالسؤال الأعمق.. “أما زالوا يحلمون ان يقيموا على جثة السودان المسكين، خلافة إسلامية يبايعها اهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب؟ من أين جاء هؤلاء الناس؟ بل من هؤلاء الناس؟).
من كبري أزمات هؤلاء “الإخوان”، إنهم لم يقدروا إنسان السودان كنموذج بشري مختلف حق قدره،
فالسودان هو موطن الفطرة الأولى، وإنسانه هو ترجمانها الحي بلا منازع.
تدينه يصدر عن ذاته ودواخله ووجدانه، يعيش دينه سلوكا حيا، ومعاملة قيمية صادقة.
لكن رغما عن ذلك صمم الإخوان في بادي عهدهم، على وقع شعار نازي قديم رسالة عنوانها “إعادة صياغة الإنسان السوداني”، رسالة جازفوا برميها في البريد الخطأ في العام (٨٩).
ولحكمة يعلمها الله لم يتلقوا ردا على رسالتهم تلك، سوي بعد ثلاثة عقود كاملة.. ردا جاء صاعقا ومزلزلا، خرج في صورة ثورة مكتملة العناصر والأركان.
ومن سخريات القدر أن هذا الرد المذهل، سطره جيل خرج من الأرحام في غضون ما جري من محاولة لإعادة صياغة الإنسان هنا، وفق نمط التدين الشكلاني والشعاراتي، الذي يتسق مع المعتقد الإخواني للدين.
وبدا كأن هذه الأعوام الثلاثين قد رسمت فيما يشبه البرمجة العكسية.. إعادة صياغة لهذه الحركة نفسها من حيث لا تدري ولا تحتسب، وإلى غير ما كانت تشتهي وتظن بالطبع.
إن ثورة ديسمبر المجيدة جاءت كأقوى خطاب رد على رسالة التنظيم الإخواني، التي أرسلها إلى البريد الخاطئ، ذات الرسالة الخاطئة التي لا زال التنظيم يصر على إعادة إرسالها إلى ذات البريد الخطأ، في أبريل ٢٠١٩، وفي يونيو من ذات العام، وإلى آخر نسخة من ذات الرسالة بعثها “الإخوان” في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

حالتي
أشهد ألا انتماء الآن
إلا أنني في الآن لا

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.