‫الرئيسية‬ مقالات الميثاق الثوري وكولونيالية العلاقة بين المركز والهامش
مقالات - 17 يونيو 2022, 5:32

الميثاق الثوري وكولونيالية العلاقة بين المركز والهامش

 أشرف عبد الحي

إن هدف الفعل الثوري المعلن في الشارع؛ هو بناء دولة قانون أساسها مؤسسات الدولة المدنية الحديثة في كل أنحاء السودان، وليس فقط في “المركز” ومرجعيتها المواطنة (ولكن بمحتوى محدد لمفهوم “المواطنة”). عندما يقوم الدعم السريع/الجنجويد بارتكاب مجازر في دارفور تكون الآلية للتعامل مع نتائج مجازرهم ليس “القانون الجنائي” (قانون القضاء في الدولة الحديثة) بل “القانون العرفي” customary law، وهو قانون تُشرف على تطبيقه ليس المحاكم والشرطة بل “الإدارات الأهلية” (السلاطين والمشائخ والعمد ، إلخ)، وأساسه الديات والصلح، وغيرها من الممارسات المتعارف عليها تبع هذا النوع من القوانين العرفية. ولذلك رأينا ظاهرة أن يمارس الجنجويد/الدعم السريع مجازرهم في دارفور؛ والتي تقوم فيها في أغلب الأحوال بإبادة كل القرية من الوجود بنسائها وأطفالها ورجالها، وبعدها يلعبون هم أنفسهم (أي الجنجويد) دور “الوسطاء” في “صلح بين القبائل” (وعليه يأخذ الصراع صفة “الاقتتال القبلي”)، لأنهم ببساطة قاموا “بتسليع” (من سلعة) دماء ضحاياهم من ثروة هذه الشعوب المنهوبة نهارا جهارا. المتأمل لوساطة الجنجويد/الدعم السريع في جلسات الصلح بين القبائل في دارفور يتأكّد بأن دوّامة العنف أصبح لها اقتصاد جيوسياسي (سلطة سياسية، ذهب، ، فاغنر، إلخ) يحرّكها ويولّدها بصورة شبه مستقلة عن مؤسسات الدولة التقليدية.
من قام بمأسسة (من مؤسّسة) هذه الثنائية في قوانين الدولة الحديثة (قانون نظامي مقابل قانون عرفي) والتي أصبحت لاحقا جزءا من الموارد الأيديولوجية لتعريف العلاقة الجدلية بين “المركز” و”الهامش” (أو تمظهراتها في “المدينة/الحضر و”الريف”، إلخ) هو الاستعمار البريطاني. وقد قامت الأحزاب والنخب في دولة ما-بعد-الاستقلال بإعادة إنتاج هذه العلاقة الكولونيالية بين المركز والهامش لخدمة مصالحها، واًصبح الخطاب السياسي والاقتصادي (خاصة النيولبرالي) يتحدث عن المركز والهامش كمُعطى naturally given باعتباره جزءا من النظام الجغرافي الطبيعي المستقل عن علاقات السلطة والمعرفة. وهذا المفهوم النيولبرالي ينظر إلى الهامش بأنه “متخلّف” عن المركز “المتحضّر” (وصف “متخلّف/متحضّر” يعني أننا في حضرة “أيديولوجية حداثوية كولونيالية”). وعلى أساس هذا المفهوم النيولبرالي للعلاقة بين المركز والهامش انتهجت الأنظمة السياسية (الديمقراطية والشمولية) وصَفات من المؤسسات الرأسمالية العالمية كيفما اتفق “لتطوير الريف”، وما يتم حجبه من خلال هذا الخطاب “التقني” هو أهمية مخاطبة البعد الكولونيالي وعملياته الأيديولوجية التي أنتجت صورة محددة للهامش. وهذا هو المفهوم الاقتصادوي “للريف” الذي نجده في المناهج المدرسية بنسخ مختلفة. والصورة النمطية في الثقاقة السياسية الأحادية للهامش أنه “دائما سبب المشاكل”، ونجدها مجسّدة في عبارات من شاكلة “الجنوب سبب تخلّف السودان – دارفور سبب مشاكل الخرطوم، إلخ”. والحل في نظر هذه الأيديولوجية الأحادية الكولونيالية هو فصل الهامش أو تطهيره من الوجود: بنفس المنطق الذي فصل به الكيزان الجنوب ينادي بعضهم الآن بفصل دارفور؛ لأن “الهامش” في مخيلة الكيزان هو عبارة عن “جغرافية” وبفصلها عن المركز (والمتصوّر بأنه أحادي الهوية والدين والعرق، إلخ) ستنتهي المشكلة.
ويستمر من يسيطر على مركز السلطة والثورة باستخدام نفس الأدوات الكولونيالية التي أنتجت المشكلة في الأساس. المثال هنا هو دخول الانقلابيين -وخاصة مليشيات الجنجويد بل وحتى بعض الأحزاب السياسية- في تحالفات مع أجسام وجودها في الأصل هو نقيض لمشروع الدولة المدنية الحديثة، مثل “الإدارات الأهلية” والتي هي في الأساس “بناء كولونيالي” واستعمالها ليس فقط لاحتواء العنف في دارفور ولكن كحليف سياسي. لقد أشار أكثر من مرة قائد الدعم السريع/الجنجويد حميدتي بأن المجلس التشريعي يجب أن يكون ضمن عضويته ممثلين للإدارات الأهلية. ونتيجة هذه التحالفات ليس فقط إعادة إنتاج العلاقة الكولونيالية بين المدينة والريف بل (ترييف المدينة) نفسها. لقد ورث الكيزان تربة خصبة لدعشنة العلاقة الكولونيالية بين الريف والمدينة/الحضر وهمّشوا أهم مؤسسة دولة تقليدية (أيضا على علّاتها ومشاكلها وجرائم قياداتها) عندما شرعنوا لأول مرة في تاريخ المنطقة مليشيات موازية للجيش؛ لتبتلع ليس فقط الجيش بل كل الدولة (الدولة أصبحت عبارة عن مؤسسة أمنية اقتصادية).
أحد أهداف الثورة المنصوص عليها في الميثاق الثوري لسلطة الشعب هو تفكيك بنية العلاقة الكولونيالية بين الريف والمدينة/الحضر. لقد أشار الميثاق الثوري حرفيا الى طبيعة هذه العلاقة الاستعمارية (التي أسسها الاستعمار) وأشار الى ثنائية (القانون النظامي) الذي ينظم العلاقات الاجتماعية والإدارية في المركز/المدينة، والذي يشرف عليه القضاء والمحاكم من جهة، و(القانون العرفي) والذي ينظم “العلاقات القبلية” في الهامش/الريف والذي تشرف عليه الإدارات الأهلية من الجهة الأخرى. فقد جاء في الميثاق الثوري (صفحة 17) الفقرة التالية:
“كان الريف وما يزال هو مسرح العنف الواسع والإبادة الجماعية والاقتتال الأهلي والمجاعات. إن وضع الريف هو نتيجة لاستمرار السياسات الاستعمارية المذكورة آنفا، التي قسّمت السودان قانونيا وإداريا الى نصفين، الحضر المحكوم بالقانون وسياسات حكم نظامي تساهم فيه الدولة في شكل بعض الخدمات والمشاريع الاقتصادية والأجهزة القضائية مثل الشرطة والمحكمة. وقسم آخر مُدار بالقوانين العرفية والأدارة الأهلية وتغيب عنه الخدمات الأساسية مثل المدارس والمشافي، كما يغيب عنه ظل القانون والأجهزة التي توفر الأمن للمواطنين. هذا الانقسام القانوني والإداري والأمني رسّخ لتدهور الريف وحرمانه من أبسط الحقوق، كما وضعه في مسيرة تطور اجتماعي واقتصادي مختلفة عن مناطق الحضر” (الميثاق الثوري لسلطة الشعب، ص: 17).
إن الوظيفة الأيديولوجية للإدارة الأهلية داخل النظام الكولونيالي لم تكن فقط محاصرة الوعي التحرري ضد الاستعمار، بل أيضا – وهذا الأهم – الربط الحتمي بين ممارسات إثنية محددة (لسان محدد، لبس محدد، إلخ) في رقعة جغرافية محددة، وإحدى آليات هذا الربط الأيديلوجي بين العرق والأرض واللغة (ضمن ممارسات أخرى) هو “القانون العرفي” الذي تشرف على تنفيذه وحمايته الإدارات الأهلية. والنتيجة هي ظهور (خريطة عرقية) للقبائل بصور نمطية محددة أساسها هذا التمييز الكولونيالي العنصري. هذا هو المفهوم الكولونيالي للقبيلة في السودان. والإرشيف الكولونيالي لفترة الإدارة البريطانية في السودان وخاصة السياسة الاستعمارية لفصل الجنوب وسياسة إدارة منطقة النوبا (في جنوب كردفان) فيه نصوص صريحة هدفها اختراع القبيلة باستخدام هذا المخيال الاستشراقي العنصري. وهذا الربط الأيديولوجي الحتمي بين الفرد والمكان والعرقية (=القبيلة) أصبح هو أساس توزيع الموارد الاقتصادية في الدولة. ثنائية “عرب-زرقة” نفسها في سياق الدولة الحديثة أساسها هذا الاختراع الكولونيالي للقبيلة والتي أصبحت أحد أسباب القتل على الهوية. عندما فرض الكيزان “سؤال القبيلة” كشرط لاستخراج الرقم الوطني (لأغراض البطاقة الشخصية والجنسية والجواز وكل المعاملات الرسمية) كانت تلك اللحظة لحظة إعادة إنتاج كولونيالية العلاقة بين المركز والهامش، على مستوى أدق تفاصيل التفاعل اليومي للفرد مع المؤسسات الرسمية للدولة. وبما أن الجميع لا يرى هذا التفاعل الرسمي حول سؤال القبيلة بهذا الشكل فهذا يشير إلى نجاح الأيديولوجية الكولونيالية في إخفاء ذاتها بجعل القبيلة تبدو وكأنها جزء من الناموس الطبيعي للكون. وقد أشار الميثاق الثوري إلى البناء الكولونيالي للإدارة الأهلية ووظيفتها الأيديولوجية في إنتاج وصيانة هذا المفهوم الأوربي للقبيلة في دولة ما-بعد-الاستقلال في الفقرة التالية:
“نظام الإدارة الأهلية هو من مخلفات النظام الاستعماري للسيطرة اللامركزية، یتم فيه فصل السكان المحلیین على أسس عرقية، وحكمهم بشكل غیر مباشر من قبل الزعماء المحلیین وفق نظام قانوني وإداري مختلف مقارنة بالمناطق الحضرية، خصوصا في علاقات الأرض والإنتاج. لمحاصرة طموحات الطبقة ًالمتعلمة التحررية التي انعكست في ثورة اللواء الأبيض 1924م قررت الإدارة الاستعمارية بناء تحالفات جدیدة في الرّيف في سياق تغییر نظام الحكم إلى حكم غیر مباشر عن طريق نظام الإدارة الأهلية. مكنت مؤسسة الإدارة الأهلية الزعماء من السيطرة على السكان المحلیین في مناطقهم بأقل تكلفة وأقامت ارتباطا صارما بين الهوية الإثنية للفرد والوصول الى الموارد الأساسية” (الميثاق الثوري لسلطة الشعب، صص: 19 – 20).
هذا هو “وعي” لجان المقاومة الذين يستسهل أمراء الحرب والانقلابيون والكيزان وصفهم “بالأطفال الذين مكانهم ساحات اللعب” أو “الشفع المحرّشين”. والسبب وراء شيطنتهم للجان المقاومة هو أن مشروع “السودان الجديد” في الميثاق الثوري يهدد بنية الدولة الكولونيالية التي تحمي مصالحهم. هذه الوعي بطبيعة بنية دولة ما-بعد-الاستقلال هو “الفِلتر” الذي يحصّنهم من كل فخاخ المبادرات والمؤامرات التي تخدم خط الانقلابيين وأحزاب الهبوط الناعم والمجتمع “اللادولي”. إن المرجعية بالنسبة للجان المقاومة لتفكيك هذه البنية الكولونيالية لدولة مابعد-الاستقلال ليس “إنهاء الانقلاب” والرجوع الى وضع ما قبل 25 أكتوبر، وإن كان بوجوه جديدة بل حتى وإن كان بوثيقة جديدة، لأن هذا ببساطة شرعنة لنفس البنية الكولونيالية المولّدة للانقلابات وإن اختلف “اللعيبة” في كل مرحلة من مراحل تمظهر هذه البنية. وهذا سبب رفضهم جلوس قحت مع الإنقلابيين. المرجعية بالنسبة للجان المقاومة في تقييم أي مبادرة وتمحيصها ليس تغيير الوجوه بل تغيير الذهنية والنمط المطلوب لإعادة بناء مؤسسات الدولة وهياكل السلطة للفترة الانتقالية (الميثاق الثوري فصّل ووضح طبيعة هذا النمط). الفترة الانتقالية بالنسبة لهم ليست فترة “انتقال” (بالمفهوم “الخطي” linear لكلمة انتقال) من خانة انقلاب واستبداد إلى “صناديق اقتراع”، بل هي مساحة لإرساء ممارسة ديمقراطية مختلفة أساسها تكوين مؤسسات مراقبة ومحاسبة تشاركية تمنع قيام أي انقلاب ومجازر في المستقبل. ولذلك كان من المتوقع أن ترفض اللجان جلوس قحت مع العسكر لاختلاف ذهنية القحاتة عن اللجان: هدف قحت هو إنهاء الانقلاب والإتيان بحكومة والاستعداد للانتخابات وذهاب العسكر للثكنات. وعليه بمنطق قحت يمكن للعسكر إدارة المشهد من خلف ستار وبصورة أفضل؛ لأنهم سيكونون “في الخلفية” بينما ستستمر سيطرتهم على الاقتصاد وعلى الحق في “القتل المجاني” وإغلاق طريق بورتسودان من خلال مخالبهم، وستستمر سيطرة الدعم السريع/الجنجويد على الذهب والجيش والشرطة إلخ. وفي نهاية الأمر سترمي اللجنة الأمنية للبشير اللوم على المدنيين في تدهور الأمن والاقتصاد، ويُعاد الفيلم الذي شاهدناه من جديد ونفقد مرة أخرى الآلاف من الشهداء والجرحى ونفقد قرى كاملة في دارفور في مجازر وحروب إبادة على يد الجنجويد وكتائب الكيزان. لقد قرّر الشباب أنهم لن يشاهدوا هذا الفيلم مرة أخرى مهما كان ثمن فاتورة كسر هذه الدائرة الشريرة التي تنتج الاستبداد والانقلابات العسكرية.
من منظور سوسيوخطابي، تساهم المفاهيم والنظريات في تشكيل رؤيتنا للواقع من خلال محو وإظهار أجزاء محددة، وبكيفية محددة من الظاهرة موضوع الدراسة، وعليه هي نفسها أدوات أيديولوجية (ولكن “أيديولوجية” بالمفهوم الأنثربولوجي المتسع للمصطلح وليس بالمفهوم الضيق المرتبط ببرامج الأحزاب السياسية). إن هناك من يصنّف “الإدارات الأهلية” بأنها تتبع لمؤسسات المجتمع المدني، والمشكلة ليست في التصنيف بل في الأداة المستخدمة في التصنيف وهي مفهوم “المجتمع المدني” نفسه. بعبارة أخرى، إذا كانت الإدارات الأهلية بناء كولونيالي فهذا يعني أن أي محاولة لاستخدام مصطلح “المجتمع المدني” كأداة تفسيرية للتعامل معها سيعيد إنتاج البنية الكولونيالية للدولة. إن المفهوم الليبرالي “الطهراني” للمجتمع المدني ببساطة سيساهم في خدمة بنية الاستبداد. المشهد الذي يشتبك الميثاق الثوري معه لتفكيكه (مثال: إدارات أهلية) هو نسخة كولونيالية من المجتمع المدني. في واحدة من مقولاته المفتاحية المهمة، وصف الزميل صلاح الزين لجان المقاومة بأنهم “ضيوف جدد على مائدة الخطاب السياسي”، وأنا أضيف بأنهم أيضا “ضيوف جدد على مائدة الخطاب العلمي” ولكن ليسوا “كدراسة حالة” بالمفهوم المختبري التجريبي للمصطلح بل كفضاء معرفي به/معه/عبره نستطيع أن نشتبك بصورة جدلية مع عدد من المفاهيم العلمية والمسلمات النظرية.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. مقال جيد يصف الفضاء السياسي السودان بصورة دقيقة وسليمة, الادارات الاهلية فعلا مخالب صنعها المستعمر لتمكنه من السيطرة علي البلاد و نهب ثوراتها ،عندما دخل الانجليز الي السودان قاموا بدعم الادارات الاهلية الموجودة و صنعوا اخري حيث تكون الحاجة ملحة الي ادوات استعمارية جديدة ،عندما خرج المستعمر سلم البلاد لذات الادوات او من يدين لهم بالولاء لتتواصل ذات السياسة الاستعمارية ،الان اصبحت مواقف الادارات الاهلية سلع تباع و تشتري علي وضح النهار و معروف من هو الذي يملك الملك ويبذله في شكل ‘بكاسي’و سيارات دفع رباعي وًغيرها لتستمر الدائرة الشريرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.