‫الرئيسية‬ دراسات ورقة حول اصلاح القطاع الأمني والعسكري
دراسات - 16 يونيو 2022, 23:05

ورقة حول اصلاح القطاع الأمني والعسكري

مقدمة
لا شك في أن تقييم علاقة المنظومة الأمنية والعسكرية بالسلطة والثروة والمجتمع هو الأساس الموضوعي الضروري لتحديد اطار مستقبلي لإصلاح هذا القطاع المركزي في سياق رؤية شاملة تضع في الحسبان ارتباط هذه العملية بعمليات اخري متشابكة تفضي وبصورة تكاملية الي التحوّل المدني الديموقراطي المستدام في السودان, وهو مفهوم واسع يتضمن عديد التحوّلات المؤسسية والتشريعية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية تؤدي جميعها الي التأسيس لدولة مستقرة مبنية علي أساس مبادئ المواطنة المتساوية وحقوق الانسان والرفاه والعدالة الاجتماعية وسيادة حكم القانون, دولة تمتلك قطاعا امنيا وعسكريا محترفا علي درجة عالية من الكفاءة وجودة الحوكمة والشفافية وتتسم بعدالتها، واحترامها لمواطنيها، وتقيّدها بالدستور والقوانين المحددة للحقوق والواجبات وأجهزة امنية وعسكرية خاضعة للسلطة التنفيذية المدنية ولمسائلة الأجهزة العدلية ورقابة الشعب, المالك لهذه المؤسسات بالصالة ومصدر جميع السلطات, وهي رؤية تأخذ في الحسبان معضلة كون المنظومة الأمنية العسكرية هي الضامن الرئيسي لعملية التحول المدني الديموقراطي في حال إصلاحها والمهدد الأكبر ان استمرت بوضعها الراهن.
تهدف هذه الورقة المختصرة والتي تعبّر عن وجهة نظر مؤسسة سياسية مدنية فاعلة الي الاسهام في الحوار اللازم من اجل الوصول الي خارطة طريق قابلة للتطوير وتحظي بتوافق واسع من قبل المواطنات والمواطنين السودانيين, وهي ورقة تتسم بالتركيز علي القيم والمعايير والمبادئ وتفتقد للإحصاءات الدقيقة وتنحي الي درجة من العمومية أيضا الراجعة في المقام الأول لمحدودية المعلومات المتاحة عن المؤسسات المكونة لهذا القطاع اما بسبب طبيعة ثقافتها الانعزالية السرية Secrecy المتوارثة من عقود من الحكم الأوتوقراطي المتطاول والتسييّس الممنهج ان كانت رسمية كالجيش والشرطة والمخابرات او بسبب كونها قوات شبه رسمية غير خاضعة للدولة بالكامل كالدعم السريع او الحركات المسلحة غير المرتبطة بجهاز الدولة بصورة مؤسسية محكمة.
سنحاول عبر هذه الورقة استعراض مسار التطور التاريخي لهذا القطاع ثم التطرق الي وصف الوضع الراهن المتأزم ومحاولة تلمّس ملامح تصور واضح للوضع المستقبلي المثالي المستهدف من إعادة الصياغة وأخيرا استشراف الطرق المثلي للوصول الي تحقيقه والادوار المنوط بها كل من العسكريين والمدنيين في سبيل ذلك على حد سواء.

خلفية تاريخية:
من أخطر العقبات التي تواجه الدول الهشّة Fragile States في سعيها لإصلاح القطاع الأمني والعسكري هو ما يسمى ب Elite Manipulation، اي استغلال نخبة للقوات الحاملة للسلاح، رسمية وشبه رسمية، لتحقيق اهدافها السياسية او الاقتصادية الخاصة والتي لا تتطابق مع المصلحة العامة، وبما ان ذلك هو التفسير الأكثر دقة لازمة علاقة المنظومة الأمنية والعسكرية بالسلطة والثروة والمجتمع فسنتخذه كمنظور رئيسي لتناول التطور التاريخي لهذا القطاع في هذه الورقة.
تاريخيا عرف السودان بجنوده الاقوياء الشجعان وقدراتهم الأسطورية في القتال وتحمل اقسي الظروف في كافة الميادين وهو، بجانب البحث عن الذهب، كان الدافع لغزو محمد علي باشا للسودان عام 1821م حتى يتمكن من رفد جيشه بالرجال اعدادا لخطته التوسعية غير الموفّقة للوصول الي سدّة سلطة الدولة العثمانية في الآستانة.
لاحقا ثمّة دلائل تاريخية اخري علي مآثر الجندي السوداني ابرزها تلك التي تركها ورائهم 453 من اجدادنا عام 1863م والذين شاركوا في الحملة الفرنسيّة لاحتلال المكسيك ضمن اوّرطة انتدبت من قبل خديوي مصر حينها محمد سعيد باشا للقتال بجانب القوات الفرنسية, ورغم الهزيمة التي منيت بها الحملة فقد ترك الجنود السودانيون خلفهم , عدا عن مئة واربعين شهيدا ما زالت شواهد قبورهم شاخصة في مقبرة فيرا كروز القديمة وبسملة منحوتة بيد احد هؤلاء الاشاوس علي عتبة كنيستها, سيرة من الشجاعة الاسطورية ادهشت الجميع, واستحقاقا لأرفع آيات التكريم تجلت في مصافحة نابليون الثالث في ابريل 1867م لقائد الأوّرطة البكباشي محمد الماظ افندي خلال احتفال كبير جري في باريس علي شرف مرور القوات المنسحبة في طريق ايابها للوطن ووضعه بنفسه وساما رفيعا علي صدره.
قبل إنشاء قوة دفاع السودان عام 1925م عقب انتفاضة اللواء الأبيض سنة 1924م، كانت القوات السودانية ومنذ عام 1898م جزءًا من الجيش المصري، الذي بدوره يقوده ضباطا بريطانيون ومصريون، ويتكون غالب قوامه من الجنود السودانيين واقلية من الجنود المصريين.
منذ انشائها شغل رتبة القائد العام لقوة دفاع السودان ثمانية من الجنرالات البريطانيين وفريقان L.Generals هما السير ويليام بلات والسير ويل بيريسفورد بيرس ما بين نوفمبر 1938م وديسمبر 1943م, ابان احتدام مواجهات الحرب العالمية الثانية في افريقيا، وكان اخر البريطانيين الذين شغلوا هذا المنصب الرفيع هو الجنرال ريجينالد سكونز الذي سلم الراية لأول قائد عام سوداني هو اللواء احمد محمد حمد في نوفمبر 1954م تلاه الفريق إبراهيم عبود عام 1956م عقب الاستقلال وتغيير اسم المؤسسة الي قوات الشعب المسلحة.
ورغم المسيرة المتميزة لهذه المؤسسة والتي اعتبرت عند الاستقلال حالة فريدة مقارنة بتجارب الدولة الإفريقية الأخرى جنوب الصحراء كونها خرجت ككيان حديث جيد التنظيم يمتلك سمات الجيش الوطني المستقل الا انها وكغيرها من المؤسسات التي ورثها السودان من المستعمر كانت ايضا مصممة برؤية محدودة بحدود مصالحه, اعني بذلك المستعمر, وباقل التكاليف الممكنة, أي انها كانت جزءا من بنية حكم اعتمدت علي قبضة مركزية تفوض سلطاتها عبر ما سمي بالحكم غير المباشر لوكلاء محليين في الأقاليم هم جماع زعماء عشائر وقبائل وطوائف دينية تم تركيز كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في أيديهم وبذا اجترح نظام حكم زبائني بامتياز يجعل من مراكز القوّة الثانوية المذكورة ترتبط كليا بالسلطة المركزية المحمية بقوة مسلحة منظمة وضاربة ويعيد تعريف علاقة السكان بالدولة بمنهجين مختلفين, علاقة المواطنة Citizenship في الفضاء المدني ابرزهم ما سمي بطبقة الافندية الذين شكلوا نواة الحركة السياسية لاحقا, وعلاقة الراعي والرعية Subjects الخاضعة للوكلاء الخاضعين بدورهم للحكومة المركزية في الفضاء الريفي, وهو ما مكن المستعمر من إدارة بلد شاسع مثل السودان (مليون ميل مربع حينها) , منفردا لمدة زمنية تفوق الثلاثة عقود بقوة بشرية قوامها لا يتعدّى الالف ومئتي موظف حكومي بريطاني ما بين عسكري ومدني.
رغم مرور ستة وستين عاما علي الاستقلال الا ان بنية الحكم المركزي الزبائني المذكورة أعلاه لم تتغير بصورة جذرية كما ظل الاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة علي النمط الريعي واستغلال المواد الخام غير المصنعة ما اسفر عن انكماش قاعدة المصالح المادية الكلية وارتباطها المباشر بجهاز الدولة وبالتالي بمؤسسة الجيش التي تمثل احد اهم أركانها وهو ما يفسر موضوعيا الي حد كبير, بجانب كون المؤسسة العسكرية هي الأكثر تنظيما وحداثة مقارنة بمؤسسات الدولة الأخرى وضعف المؤسسات الديموقراطية وتواضع التجربة السياسية والتوتر بين إمكانات الدولة الوليدة وتطلعات شعبها الذي تم تحريره للتو, يفسر تصاعد نفوذ الجيش السياسي والاقتصادي لاحقا واستغلال النّخب المتعاقبة في الحكم لعين شبكات النفوذ والمصالح المحمية بجيش مركزي اما للمحافظة علي امتيازاتها القديمة او لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية جديدة.
“يذكر لوكهام في كتابه (المؤسسة العسكرية والعسكرة والديمقراطية في إفريقيا 1998)، أن حكم المؤسسة العسكرية في فترة ما بعد الاستعمار في بلدان إفريقيا، كان انتقالًا لا مفرَّ منه، وتحولًا نموذجيًّا لا غنى عنه في أسلوب الحكم وإدارة البلاد. وبمرور الزمن، أضحت مطالبة الجيش بالسلطة وأحقيته في الحكم تنبثق أساسًا من اقتناع المؤسسة العسكرية بأن أية حكومة مدنية قد تفرزها انتخابات ديمقراطية لن تكون جديرة بالثقة، ولن تكون مؤهلة لخوض غمار السياسة، وسبر أغوارها. ففي الذهنية العسكرية، يؤمن الجنرالات بأن أي كيان مدني سيكون عرضة للفساد، وسيعرِّض البلاد إلى اضطرابات اقتصادية بسوء إدارة، ومراهقة سياسية، وافتقار للخبرة والحنكة والانضباط الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية.”
اذا اردنا توصيف تطوّر علاقة المؤسسة العسكرية السودانية بالسلطة والثروة والمجتمع في عجالة فيمكن ان يكون ال 17 من نوفمبر 1958م هو نقطة البداية العمليّة لتحوّر هذه العلاقة علي المستوي السياسي, فبتسليم رئيس الوزراء حينها واحد القيادات التاريخية لحزب الامة الاميرلاي عبد الله خليل بك السّلطة لقائد الجيش الفريق إبراهيم عبود لأسباب يرجعها غالب المؤرّخين الي رغبة في حسم صراع سياسي خارج حلبة البرلمان باستخدام أدوات غير ديموقراطية, بدأت عملية تغيير عميقة لعلاقة الجيش بالسلطة وهي عملية اتسمت بالتصاعد المستمر لدورها السياسي خلال أربعة وستين عاما علي مراحل, بدأت بنظام الرئيس الراحل إبراهيم عبود والذي اعتبر ديكتاتورا محافظا, لم يكن يحمل برنامجا لتغيير سياسي واجتماعي جذري او رغبة في التمسك بالسلطة وهو ما يفسر سلمية سقوط نظامه وقلة أعداد الشهداء خلال انتفاضة أكتوبر 1964م (جدير بالذكر ان السودان في عهده تنازل عن أراض شاسعة في حدوده الشمالية من اجل مشروع السد العالي دون مقابل منصف), تلاه, وفي خضم الاستقطاب الكبير بين المعسكرين الغربي والشرقي والانقلابات العسكرية العديدة في دول العالم الثالث, عملية تسيّيس واسعة للجيش من قبل أحزاب سياسية متعددة ابرزها كانت أحزاب عقائدية يسارية تحمل برامجا راديكاليّة يقتضي فرضها علي المجتمع الحصول علي القوة والقدرة اللازمة من قمة سنام السلطة وهو ما تمخض عن انقلاب الخامس والعشرين من مايو بقيادة مجموعة الضباط الاحرار التي تجمع شيوعيين وعروبيين علي راسهم العقيد جعفر النميري, بينما شكّل انقلاب الإسلاميين علي الحكومة المنتخبة في الثلاثين من يونيو 1989م عتبة جديدة في مسيرة التسيّيس المتصاعد لكن في تقديرنا فان مفاصلة ديسمبر 1999م هي النقطة الحرجة التي مالت فيها كفة موازين السلطة تماما لصالح العسكريين (ويشمل ذلك التعريف مدنيين معسكرين ومنخرطين في اجسام موازية كجهاز الامن الوطني والامن الشعبي… الخ) , وهو ما ادّي الي عسكرة الحياة المدنية بشكل كبير وتسيّيس عميق للجيش تجلي لاحقا في سلوك قيادة المؤسسة العسكرية عقب اسقاط المشير عمر البشير (جدير بالذكر ان السودان في عهده فقد ثلث أراضيه بانفصال الجنوب وتم احتلال كل من الفشقة شرقا وإقليم حلايب وشلاتين شمالا) بلعبها دورا غير محايد في خضمّ الصراع السياسي وقيادة نخبتها لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م معتمدة في محاولة لجعل مشروعها يحظى بالحدّ الأدنى من التماسك علي استغلال الثقافة القبليّة المتوارثة في تقسيم المجتمع الي مكونين عسكري ومدني يحتّم تفوق الأول علي الأخير لضمان دعم شريحة واسعة من الضباط والجنود بدغدغة مشاعر ما يمكن تسميته بالانا العسكرية المتضخمة وتوفير احساس بالاستقرار والأمان في ظل مؤسسة تضمن لهم حدا ادني من المستوي المعيشي المقبول.
من الجانب الاخر، فان انقلاب الخامس والعشرين من مايو 1969م يعتبر بدوره نقطة البداية العملية لتوسّع نفوذ المؤسسة العسكرية الاقتصادي، فبتبني نظام مايو رؤية اشتراكية علمية للاقتصاد تعتمد على التخطيط المركزي واحلال القطاع الخاص بالعام باستخدام أدوات التأميم أصبحت الدولة والتي يسيطر عليها الجيش هي الفاعل الرئيس في السوق وهو ما قطع الطريق امام التطور الطبيعي للقطاع الخاص واهدار الفرصة امامه لبناء قاعدة مصالح مادية مستقلّة عن جهاز الدولة.
بعد تغيير نظام مايو لسياساته الاقتصادية لمجابهة الازمات المتلاحقة وتوجّهه نحو منهج أكثر ليبرالية، ولردم الهوة المعيشية لعناصر الجيش وضمان ولائهم وولاء بعض شبكات المصالح اضطر للدخول كأحد الفاعلين في السوق الحر عبر مؤسسات مختلفة أبرزها جمعية ود نميري ثم المؤسّسة العسكرية الاقتصادية، ومستفيدا من نفوذه السياسي واستثناءات عديدة استطاع ان فرض حضورا في عديد القطاعات الزراعية والتجارية والصناعية.
تضاعف تأثير المنظومة الأمنية والعسكرية في الاقتصاد عقب انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م, والذي أسّس لنظام كليبتوقراطي Kleptocratic بامتياز حيث دخل بجانب الجيش فاعلين جدد في الساحة الاقتصادية مرتبطين عضويا بالنخبة الحاكمة وحزب المؤتمر الوطني , ابرزها علي الاطلاق الشركات التابعة لجهاز الامن الوطني المتمدد سياسيا واجتماعيا ولاحقا المرتبطة بقوات الدعم السريع, وتميزت هذه الفترة بجانب تمدد المنظومة في كل مفاصل الاقتصاد (من بيع الأسلحة الي حلاوة الطحينية) انتهاج وسائل جديدة تمزج بين القطاعين الخاص والعام وذات ارتباطات عابرة للحدود وعمليات تجاريّة (مدنية وعسكرية) بعيدة عن أي جهاز دولة رقابي كفء ومحصنة كليا من المسائلة العدلية, وهو ما ادي الي بروز طبقة اوليغاركية عسكرية وشبه عسكرية ذات نفوذ واسع ومعزولة عن قضايا المواطن العادي اليومية.
يمكن بدوره وصف انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م كتاريخ مرجعي لتغييرات جذرية في علاقة المنظومة الأمنية والعسكرية بالمجتمع, فبانتهاج الإسلاميين لبرنامج تغيير اجتماعي راديكالي (المشروع الحضاري) والذي يهدف الي التأسيس لتصور لا تاريخاني لدولة إسلامية مثالية منشودة عبر فرضه بالقوة من قمة السلطة عمل النظام وفق سياسات أدت الي مزيد من التسيّيس للمنظومة الأمنيّة والعسكرية بحسبانها الأداة الرئيسة لفرض هذه الرؤية الأحادية كما عمل علي عسكرة المجتمع عبر برامج مثل الدفاع الشعبي والتجنيد القسري للمواطنين بالتركيز علي طلاب الجامعات الذين تم الدفع بالآلاف منهم في اتون الحرب الاهليّة.
لعبت العمليات المزدوجة لعسكرة المجتمع وتسييس المنظومة الأمنية والعسكرية بجانب عوامل اخري كالحروب الاهلية التي شنتها دولة الإنقاذ في عديد بقاع السودان والقمع الذي قوبل به الحراك السياسي السلمي المقاوم دورا أساسيا في تعميق الهوة بين العسكريين والمدنيين واوصل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر وما صحبه من انتهاكات بليغة وصلت حد جرائم الحرب واستخدام مفرط للعنف تجاه المحتجين السلميين هذه العلاقة الي مرحلة ما يمكن تسميته بأزمة الثقة العميقة المستعصية, وبالقابل فان العلاقة مع وكلاء السلطة التقليديين وشبكات المصالح المرتبطة بالنظام, وهم نتاج امتداد نمط علاقات السلطة والاقتصاد المتوارث منذ الاستقلال المشار اليه أعلاه, شهد تطورا كبيرا علي أساس من تحقيق المصالح الخاصة مقابل توفير غطاء سياسي يسمح للنظام الجديد بالاستمرار في الحكم.

الوضع الراهن للقطاع:
يمكن وصف الوضع الراهن كنقمة لأنه يمثل قمة مستويات الازمة في علاقة المنظومة الأمنية والعسكرية بالسلطة والثروة والمجتمع كما يمكن وصفه أيضا بالنّعمة لكونه يفرض على الجميع اليوم ضرورة النظر بتيقّظ تام في هذه العلاقة وإعادة صياغتها من جديد على أسس سليمة تحقق الغايات الوطنية العليا.
فبعد مدة تراكمية لفترات الحكم العسكرية المباشرة وغير المباشرة التي وصلت ما يقارب الأربعة والخمسين عاما، فقد السودان خلالها ارواحا عزيزة نتيجة القمع والحروب الاهلية واراض عزيزة في جنوبه وشماله وشرقه ووصل الوضع الأمني والاقتصادي فيه الي ادني مستوياته انتبه الجميع، عسكريين ومدنيين الي خطورة الوضع وضرورة العمل سويا قبل ان يصل الي مرحلة الخروج عن السيطرة، من اجل تحويل إمكانات هذا القطاع الهام والمؤثّر لمصلحة الوطن والمواطن بدلا عن تركها مطية في يد نخبة تستخدمها لخدمة مصالحها.
مؤسسيّا فأن اكبر العقبات امام هذا القطاع والتي يجب وضعها كأولويّة قصوي في اطار عملية اصلاح واسعة ومستدامة هي تعّدد القوات الحاملة للسلاح وامتلاك بعض منها درجة عالية من الاستقلالية عن الدولة وعن المؤسسة العسكرية في اتخاذ القرار وفي التعامل مع محاور اجنبية وهو ما قد يشكّل تهديدا كبيرا للاستقرار مستقبلا كونها ولطبيعة بعضها الربحيّة وغير القومية التي تشبه في كثير السمات الشركات الأمنيّة الخاصّة, لا تملك خيارا غير الدخول في صراع علي النفوذ السياسي والاقتصادي لضمان استمراريتها, صراع تنافسي بينها والدولة وبينها والكيانات المشابهة, وبما ان غالبها, حتي تلك التي تتخذ مظهرا رسميا, هي في جوهرها كيانات قائمة علي تراتبيّة اثنية وقبلية فان ذلك يعني ان الاتجاه الوحيد المتاح امامها هو زيادة قوتها وتأثيرها والسعي للتموضع كبديل لأجهزة الدولة او خلق دولة موازية داخل الدولة, والسمتين المذكورتين هنا هما مؤشران يؤكدان استحالة استقرارها وحتمية فناءها ويجعلان من دورات حياتها أي بين صعودها واختفاءها من المشهد قصيرة ومصحوبة بكثير من الاثار المدمرة علي الحياة العامة.
كما ان المؤسسة العسكرية عينها، بجانب اثار عقود من التسيّيس خلال فترة الإنقاذ عانت أيضا نتيجة لسياسات النظام البائد اختلالا واضحا في تمثيلها للتنوع الاثني والثقافي الواسع للمجتمع السوداني، فبينما غالبية نخبة الضباط هم من خلفيات اجتماعية تنتمي لشمال ووسط البلاد نجد ان الجنود في اغلبهم ينتمون الي أقاليم مهمشة ظلت تعاني من الحروب والنزاعات والفقر والنزوح طوال العقود الماضية.
كما يجدر الإشارة الي الاختلال المؤسسي المهم الثالث في تداخل السلطات والصلاحيات بين مؤسسات القوات الرسمية وشبه الرسمية المختلفة، جيش، دعم سريع، شرطة ومخابرات، حركات مسلحة، حيث تساهم كلها في اعمال خارجة عن حدود سلطاتها الدستورية، وتحديدا فيما يخص التعامل داخل الفضاء المدني.
سياسيا فان الخلل يكمن في تدخّل كل هذه القوات في العملية السياسية مما سمم الفضاء السياسي وأنتج حالة من التوتر وعدم توازن بينها والكيانات السياسية المدنية كان محصلته المنطقية ما حدث في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م من انقلاب على الوثيقة الدستورية والسلطة التنفيذية المدنيّة والوصول الي حالة متقدمة من الفراغ الدستوري والعجز الوظيفي للدولة.
اقتصاديّا وفي غياب أجهزة الرقابة الرسميّة والشعبيّة وفي جو السريّة والقمع الذي فرضه الانقلاب فان المؤسسات الاقتصادية التابعة للمنظومة الأمنية والعسكرية هي في حالة من التمكين المؤسسي وغير المؤسسي والتمدد المدمر جدا للاقتصاد والذي قد يدفع نحو كارثة افلاس للدولة وأزمة معيشية ستؤدي على الأرجح الي مجاعات طاحنة حسب ما تدل عليه المؤشرات العديدة وأبرزها مؤشر الامن الغذائي العالمي لعام 2022م.
علاقة المنظومة الأمنية والعسكرية حاليا مع المجتمع هي في أسوأ حالاتها على الاطلاق وذلك يرجع بجانب عوامل مثل الانتهاكات العديدة لحقوق المواطنين كالقمع المفرط للمتظاهرين السلميين والاعتقالات التعسفية وتعدد القوات الحاملة للسلاح وتداخلها والسيولة الامنية الي اتباع قيادات الانقلاب لمنهج يقسم المجتمع بصورة عميقة الي مدنيين وعسكريين، ما خلق درجة عالية من انعدام الثقة يضر بالمنظومة مباشرة ويؤثر على فاعليتها في القيام بمهامها ويتطلب عقودا من إعادة البناء.

المطلوب تحقيقه من إعادة الصياغة:
“الدولة هي مجتمع بشري يدعي احتكار الاستخدام المشروع للقوة في إقليم معين”
ماكس فيبر
من المفروغ عنه ان توفير الأمن والسلام والاستقرار للمواطن وحماية ممتلكاته هي من اهم واجبات الدولة المباشرة وانه شرط مفتاحيّ للنمو السليم للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وازدهارها وهو من الـضرورات للحفاظ على كيان الدولة وضمان استقلالها. ولذلك فان الهدف المنشود من إعادة الصياغة هو التأسيس لمنظومة امنية وعسكرية اهم مكوناتها جيش موحد خاضعة للسلطة التنفيذية ويحق لها استخدام القوة ضمن حدود الدستور والقانون وضمن معايير السلوك الذي يحترم المواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الأنسان والقوانين الدولية التي تلزم باحترام سيادة الدول الأخرى.
كما من الضرورة خضوع هذه المنظومة للسلطة السياسية المدنية وللرقابة والمسائلة الرسمية والشعبية لكن هذا لا يعني بالضرورة تبنيا لمنظور ضيق للعلاقة المدنية-العسكرية, فبدلا من اعتبارها كمتغير تفسيري كما في النظرية الكلاسيكية التي اعتمد عليها هتنغتون كمثال وتقوم فقط علي مبدأ الاحتراف والمهنية المعزولة تماما عن العملية السياسية في وضع اشبه بحياد المرتزق الذي ينفذ سياسات مفروضة عليه دون مرجعيات قيمية او سقف أخلاقي محدد مقابل امتيازات مادية ومكافئات مالية, نري ان دور العسكريين كمواطنين سودانيين يتعدي ذلك الي شغل دور مركزي في المساهمة في وضع أسس نظام الحكم الديموقراطي وتوفير البيئة الملائمة لتحقيق التحول المدني الديموقراطي بمعناه العريض في اطار أوسع لمفهوم الامان يتخطى امن النظام الحاكم الي امن كل المواطنين والمواطنات.
كما وفي ظل نظام الحكم شبه الرئاسي الفيدرالي اللامركزي الذي نراه الأنسب لتحقيق مقاصد مشروعنا لإعادة بناء الوطن واستقراره فإنه يجب ان تنسجم المنظومة الأمنية والعسكرية هيكليا مع هذا المفهوم بحيث يكون للأقاليم الحق في تأسيس قوات الشرطة الإقليمية التابعة لها بينما تظل قوات الجيش والأمن والشرطة الفدرالية مركزية.
ادناه تصورات أولوية موجزة لمكونات المنظومة الأمنية والعسكرية وادوارها:
الجيش: وهي القوات العسكرية القومية الموحدة والتي تعكس تنوع المجتمع السوداني وتكون تحت إمرة وزير الدفاع ويكون رئيس الجمهورية المنتخب هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وتتمثل مهامها بحماية امن البلاد وحدوده البرية والجوية والبحرية. يجب أن تقوم المؤسسة العسكرية مبدأ القوة الدفاعية وعلى الكفاءة والاحترافية وأن تتمتع بعقيدة أساسها حماية الدستور وصيانة حقوق المواطنة وان تخرج من العملية السياسية واقتصار دورها على المساهمة في بناء نظام الحكم الديموقراطي وحمايته وحماية الدستور والمشاركة في توفير البيئة اللازمة لتحقيق التحول المدني الديموقراطي.
الشرطة الفدرالية: وهي الشرطة المركزية وتعتبر قوات مدنية تعمل على سيادة حكم القانون والاستقرار واحترام حقوق الإنسان والاستقرار الاجتماعي على المستوي القومي وتكون تحت إمرة وزير الداخلية وبالتالي رئيس الوزراء.
الشرطة هي الجهة المنوط بها لعب دور الطليعة لإنفاذ الأحكام وفق سيادة حكم القانون والدستور والاحكام الخاصة باحترام حقوق الانسان في الفضاء المدني ويمتد دورها في العمل عبر الأدوات التوعوية والوقائية.
الشرطة الإقليمية: وهي قوات مدنية تعمل على سيادة حكم القانون والاستقرار واحترام حقوق الإنسان والاستقرار الاجتماعي على المستوي الإقليمي وتكون تحت إمرة حاكم الإقليم.
جهاز الأمن الداخلي: هو جهاز معلوماتي مدني منفصل عن الشرطة يتبع لوزير الداخلية وبالتالي لرئيس الوزراء تكون مهمته حفظ أمن الوطن والمواطن والاستقرار وحماية الدستور، يعمل تحت مظلة الدستور والقانون ويسعي لحماية حقوق الإنسان والمساهمة في السلام وحماية الديمقراطية وإقرار العدالة.
يقوم في سبيل ذلك بجمع وتحليل وتقييم المعلومات وعرضها على جهات الاختصاص. ويكون له نفس صلاحيات الشرطة الواردة في قانون الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بالتحري والقبض والتفتيش على أن يتم كل ذلك تحت إشراف أجهزة النيابة العامة.
وكالة المخابرات الخارجية: وهو جهاز معلوماتي مدني تحت إمرة رئيس الجمهورية كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة يعمل على جمع وتحليل المعلومات التي تصب في حماية الدولة من أي أضرار أمنية سياسية اقتصادية أو اجتماعية خارجية محتملة في إطار عام يتمثل في الحفاظ على السلم والأمن والاستقرار الإقليمي والدولي وتعمل هذه الوكالة على مكافحة الارهاب والتجسس.
مجلس الأمن والدفاع القومي: وهو مجلس يرأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه رئيس الوزراء، مهمته الأساسية استشارية ويختص بالتخطيط الاستراتيجي ورسم السياسات العامة المختصة بقضايا الأمن القومي والأمور المُتعلقة بالسياسة الخارجية، يكون علي راس جهازه التنفيذي مستشار للأمن القومي وتتكون عضويته من وزير الخارجية ووزراء القطاع الأمني والعسكري وقواد ومدراء منظوماته كما يمكنه أن يستدعي أو يضم أخرين حسب الحاجة والمرحلة. إن لهذا المجلس بجانب دوره الاستشاري دورا تنسيقيا ورقابيا يعني بمتابعة مدي التقدم في انفاذ الأوامر التنفيذية والسياسات والخطط وإعادة تقييمها وضبطها، في كل ما يتعلق بموضوعات السياسة الخارجية، والأمن القومي والدفاع.
الطريق الي الامام:
تعريف:
يمكن تعريف إعادة صياغة علاقة المنظومة الأمنية العسكرية بانها عملية لإصلاح للنظام الأمني تتضمن كل الفاعلين، ادوارهم، مسؤولياتهم وافعالهم، ويتم ادارتها بمناهج تتسق مع المعايير الديموقراطية والمبادئ الراسخة للحوكمة الرشيدة، وتكون محصلتها إطار أمنى فاعل يحقق هدفه الكلي المتمثل في المساهمة الإيجابية في توفير بيئة امنة تفضي الي تنمية مستدامة.
وللوصول الي الصياغة الأمثل لعلاقة المنظومة الأمنية والعسكرية بالسلطة والثروة والمجتمع فان ذلك يتطلب الاعتراف بأن جذور الازمة هي سياسية في المقام الأول مما يعني الحاجة الي الجهود المشتركة بين المدنيين والعسكريين المبنية على الحوار السليم المستند على الغايات الوطنية العليا المشتركة كمرجعية وحيدة، كما يجب الوضع في الحسبان ان إنجاح عملية إعادة الصياغة واستدامتها تتطلب التدرج على مدي زمني طويل نسبيا.
وبهذا التأسيس يمكن ان نصل الي الاستنتاج الأخير المتمثل في ان إعادة الصياغة بصورة مستدامة تضمن استقرارا سياسيا وبيئة محصنة من الارتداد نحو الانقلابات العسكرية والخروب الاهلية يتطلب العمل على تحقيق شرطين متكاملتين.

أولا … تطوير العملية السياسية والفضاء المدني، ويمكن اجماله في:
• تطوير المؤسسات الديموقراطية المدنية وتفعيلها، وذلك يشمل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والاتحادات الفئوية ولجان المقاومة ولجان الاحياء والجمعيات التعاونية وكل المؤسسات الأخرى المستقلة عن الدولة والمرتبطة بالمجتمع المدني.
• تحييد مؤسسات الدولة البيروقراطية وضرورة إيقاف تسيّيسها في مجالات التوظيف أو الترقية والتدريب والتطوير.
• رفع كفاءة أداء مؤسسات الدولة المدنية بالاستناد إلى معايير الشفافية والنزاهة المهنية لخدمة المواطن.
• كفالة حقوق الإنسان والمواثيق والمعاهدات الخاصة بالحقوق وحريات المواطنين في الدستور والقوانين المحلية والعالمية وحفظ كرامة الشعب.
• ضبط علاقة الموظفين المدنيين او شاغلي المناصب التنفيذية والدستورية بالنشاط المالي والتجاري عبر انفاذ قوانين تكافح كافة اشكال الفساد المالي والإداري.
• لكي تتمكن السلطة التنفيذية من إنفاذ مبادئ إصلاح القطاع الأمني في المؤسسات المدنية، يجب عليها وضع خطط استراتيجية تنموية ترتكز على التنمية الاقتصادية والبشرية لمعالجة أسباب الحروب والنزوح واللجوء ووقف هجرة الكوادر الوطنية إلى الخارج.
• يجب على القوى السياسية والعسكرية التوافق على توفير قنوات الاتصال وتبادل المعلومات الملائمة ومنصات الحوار لتطوير اهداف مشتركة وبرامج لتحقيقها تعني بالإصلاح الأمني والسياسي كذلك.
• خلق اجسام تنفيذية معنية بالربط المؤسسي بين المنظومة الأمنية والعسكرية والسلطة السياسية المدنية، مجلس الدفاع والامن نموذجا، يلعب بجانب دوره الاستشاري دورا تنسيقيا ورقابيا يعني بمتابعة مدي التقدم في انفاذ الأوامر التنفيذية الصادرة عن السلطة التنفيذية المدنية والسياسات والخطط وإعادة تقييمها وضبطها، في كل ما يتعلق بموضوعات السياسة الخارجية، والأمن القومي والدفاع.
• خلق وتأهيل اجسام تشريعية كاللجان البرلمانية معنية بالرقابة على المنظومة الأمنية والعسكرية ومسؤولة عن تطوير التشريعات الخاصة بها وتحديد أولويات الصرف والميزانيات.
• اصلاح المنظومة العدلية والقضائية.
• حشد دعم النخب السياسية لعملية الإصلاح الأمني وحشد الدعم الجماهيرية حول رؤية واضحة متوافق عليها تترجم الي ميثاق ملزم ودائم.
(راجع نموذج White Paper on National Defence of the Republic of South Africa 1996).
• العمل على ردم هوة عدم الثقة والاستقطاب بين العسكريين والمدنيين عبر التوعية.

ثانيا … إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية، ويمكن اجماله في:
• دمج القوات المسلحة وتوحيدها تحت مظلة مؤسسة عسكرية قومية تعكس تنوع المجتمع السوداني وتأتمر بأوامر قيادة موحدة وتسلسل هرمي وتخضع للمساءلة القانونية.
• اخراج المؤسسات العسكرية الرسمية والمؤسسات شبه او غير الرسمية من النشاط والمنافسة التجارية في الفضاء المدني واخضاع الصناعات المرتبطة بالدفاع لولاية الدولة وأجهزتها الرقابية، تنفيذية كانت او تشريعية، وانفاذ تشريعات مكافحة الفساد.
• وقف التداخل في الصلاحيات والاختصاصات بين مكونات المنظومة الأمنية والعسكرية المختلفة.
• تنفيذ إجراءات المساءلة القانونية للانتهاكات، التي حدثت من طرف الأجهزة العسكرية والأمنية ضد المتظاهرين والشعب السوداني، ومعالجة أداء هذه الأجهزة وتعاملها مع الشعب، والالتزام بواجباتها كما هو منصوص عليه في الدستور وقانون القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى.
• نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج لكل المليشيات والمجموعات الخاملة للسلاح اعتمادا على الترتيبات الأمنية الموقع عليها في اتفاقية جوبا او التعديلات التي قد تطرأ عليها مستقبلا.
• رفع القدرات الفنية للعسكريين والعتاد وإعادة تصميم مناهج تأهيل وتدريب لتغيير الثقافة القبلية المتوارثة السائدة الي ثقافة ديموقراطية واعية بحقوق الانسان ومتقبلة للمساءلة والرقابة وربط الترقيات وتحديد الرتب العسكرية بالمؤهلات الفنية والاكاديمية.
• منع تدخل العسكريين في العملية السياسية ماديا باستخدام القوة او المال او معنويا بالتعبير عن موقف سياسي معين عبر التصريحات والمقالات او غيره من وسائل التعبير وتحديد مدي زمني لا يقل عن عشرة سنوات بين تسريحه من المؤسسات النظامية او استقالته او وصوله سن المعاش وبين القدرة على الانخراط في الحياة السياسية المدنية.
• تحقيق مستوي من الشفافية داخل المنظومة الأمنية والعسكرية يسمح للأجهزة الرقابية بالقيام بمهامها ودرجة من الانفتاح نحو منظومات المجتمع المدني والصحافة الحرة.

الأولويات والخطوات:
في سياق الإجابة عن سؤال الورقة عن كيفية إعادة صياغة المنظومة الأمنية والعسكرية بالسلطة والثروة والمجتمع، فإن الأولويات والخطوات لتحقيق إصلاح القطاع الأمني ينبغي أن تقوم على أساس تقييم المخاطر والتحديات، ومن ثمّ وضع الخطط والاستراتيجيات الشاملة، وممارسة الشفافية قبل تنفيذ عملية الإصلاحات وأثناءها وما بعدها، وفتح آفاق المشاركة السياسية. وبعد تحديد الخطوات والأولويات، يمكن القيام بما يلي لإصلاح القطاع الأمني:
صياغة إطار دستوري وقانوني، بحيث يجب أن تستند إلى المرجعية الدستورية والقانونية ومبادئ الحوكمة والقانون والمساءلة والعدالة والحريات في إطار منظور قومي يحقق الغايات الوطنية العليا.
تعزيز كفاءة المؤسسات العامة المدنية، وتقييدها بالقوانين واللوائح، وحفظ الحريات والحقوق بأنواعها كافة؛ فالقيام بإصلاح القطاع الأمني كفيل بتحقيق الاستقرار.
إصلاح الأجهزة العسكرية والأمنية النظامية، من أجل الوصول إلى مرحلة الاحترافية العسكرية والأمنية وفق مبادئ القانون والعدالة والمساءلة.
اتخاذ الإجراءات الإدارية والتنفيذية والتشريعية لإصلاح قطاع الأمن، بحيث تكون لجميع الأطراف؛ السلطات التنفيذية والتشريعية والقضاء والمؤسسات والشعب، أدوار فاعلة في تحديد السياسات والقرارات.
توفير الحريات والمساءلة في حال انتهاك الحقوق في ظل النظام الديمقراطي، حيث يضطلع أعضاء البرلمان بالإشراف والرقابة، بينما تمارس منظمات المجتمع المدني الدور الرقابي أيضًا.
تعزيز دور القطاعات الأخرى، مثل قطاع العدل ومؤسسات المالية وإدارة الهجرة والجمارك وغيرها من الإدارات البيروقراطية في الدولة، وذلك لممارسة الدور الفاعل داخل الحكومة في إصلاح القطاع الأمني.
مشاركة القطاع الخاص والدعم الخارجي لإنجاز إصلاح القطاع الأمني، فهناك منظمات مثل الأمم المتحدة تملك الخبرة والقدرة على تقديم المساعدة في حال الحاجة إليها.
مراجعة خطوات إصلاح القطاع الأمني بصورة دورية مستمرة؛ لأنها عملية مستمرة وليست ثابتة بل هي في تطور مستمر.

خاتمة:
محصلة ما تحتويه هذه الورقة يمكن ايجازه في أن عمليات الاصلاح للمنظومة العسكرية والامنية ترتبط بشكل وثيق بعمليات التحول الديموقراطي الأخرى وما تتضمنه من اصلاح سياسي , دستوري, قانوني , مؤسسي, ثقافي واقتصادي، وهي مسؤولية مشتركة تقع علي عاتق كل من المدنيين والعسكريين ويتطلب تعاونهما الوثيق تحت مظلة حكومة مدنية ذات صلاحيات كاملة وأجهزة رقابة شعبية مدعومة بمجتمع مدني قوي منظم وقادر علي صياغة إرادته الجماعية وفرضها بالأدوات الديموقراطية السلمية، وان اصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية هو احد الشروط المفتاحية لإنجاح التحول المستدام المنشود والعكس صحيح كما ذهب إلى ذلك نارسيس سيرا:
“دون إحراز تقدمٍ في العملية العامة للديمقراطية، فانه لا يمكن إضفاء الطابع الديمقراطي على الجيوش”.
كما أن هنالك حاجة ماسة لتوافق الفاعلين المدنيين والعسكريين حول برامج اصلاح شاملة ومفصلة، وهو إصلاح ملمحه الأساسي خلق قطيعة تامة مع نمط استغلال شريحة من النخب للمنظومة الأمنية والعسكرية من اجل الحفاظ علي امتيازاتها وتحقيق مصالحها على حساب مصالح المواطنات والمواطنين السودانيين الاخرين.
كما انه من الضروري تفهم طبيعة عمليات الإصلاح المتدرجة الطويلة والمعقدة وإمكانية تعرضها لانتكاسات عديدة قبل بلوغ هدفها النهائي وأن ذلك لا يجب ان يكون مبرراً للتنازل عن أي من المبادئ والاسس والقيم الجوهرية التي تستند عليها.
في الختام فإن الرسالة التي هدفت هذه الورقة الي ايصالها هو ان إعادة صياغة علاقة المنظومة الأمنية والعسكرية بالسلطة والثروة والمجتمع على أسس جديدة ديموقراطية وسليمة هو في صالح افراد المجتمع جميعا, مدنيين وعسكريين, كما انه في صالح المؤسسات المكونة لها والعسكريين المنضوين اليها.

اهم المراجع:

كتاب المواطن والرعية Citizen and subject…. بروفيسور محمود ممداني
مسودة الوثيق السياسية لحزب المؤتمر السوداني
ج-اتفاقية سلام السودان الموقعة في جوبا أكتوبر 2020
White paper on the national defense of the republic of South Africa 1996
Security Sector Reform in Developing and Transitional Countries Revisited -Herbert Wulf
ورقة سعيد علي السفران المري عن “اصلاح القطاع الأمني في مرحلة ما قبل الانتقال الديمقراطي في السودان”
حمد إبراهيم أبو شوك وصلاح الدين الزين محمد، “الانتقال الديمقراطي في السودان (2019–2022): التحديات والآفاق”، تقرير، مركز الجزيرة للدراسات، 26/5/2022.
لوكا بيونغ دي كول، “إصلاح القطاع الأمني في السودان: الحاجة إلى وضع إطار عمل”، مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية.
إصلاح القطاع الأمني في فترات الانتفال الدستوري ورقة السياسات رقم ۲۳ للمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات IDEA
Peace and the security sector in Sudan, 2002–11 Alex de Waal
حسن الحاج علي أحمد | Ali Haj El Hassan * الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة في السودان.. مجلة سياسات عربية.
المؤسسة العسكرية والعسكرة والديمقراطية في إفريقيا 1998… لوكهام

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.