‫الرئيسية‬ مقالات مستقبل الفترة الانتقالية على ضوء العلاقات المدنية – العسكرية
مقالات - 16 يونيو 2022, 7:10

مستقبل الفترة الانتقالية على ضوء العلاقات المدنية – العسكرية

منتصر إبراهيم الزين

اتسمت العلاقات المدنية – العسكرية في الفترة الانتقالية بالاضطراب والتوتر منذ البداية، إذ ساد الانقسام بين المدنيين والعسكريين، وإن لم تعطل عملية انتقال السلطة وتأسيس وثيقة دستورية استناداً على الخبرة التاريخية لعملية انتقال السلطة بعد الثورات في السودان في التجربتين السابقتين في 64 و85، ولكن في هذه المرة ساد جوٌ غائمٌ ومسموم؛ سيطرت عليه عدم الثقة المُصدرة من الرأي العام تجاه القوات المسلحة الذي كان معلقاً ومشدوداً تجاه ملف العدالة والمرتبط بشكل خاص بقضية فض اعتصام القيادة العامة، رغماً عن وضوح المسار المرسوم لطي الملف عبر لجنة التحقيق ووجود خطاب مكثف حول العدالة الانتقالية، الذي كان يتم الرهان عليها لمعالجة الكثير من ملفات وإستحقاقات العدالة في السودان بشكل شامل، إلا أنه رغماً عن ذلك استمرت التوترات وعدم الثقة وساد على نطاق واسع تيار رافض لوجود المؤسسة العسكرية في المجال العام، إلى أن تطور الأمر إلى القطيعة وفض الشراكة المدنية العسكرية من جانب العسكريين، فما هي أبعاد هذه القطيعة، وعلاقتها بأزمة العلاقات المدنية العسكرية؟
ما هي العلاقات المدنية العسكرية؟
العلاقات المدنية – العسكرية هي علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية، وتطورت دراسة حقل العلاقات المدنية – العسكرية، ومحدداتها وأدوار القوات المسلحة في فترات الانتقال وفي الديمقراطيات الناشئة، وهناك مناهج لدراسة هذه العلاقة وفقاً للسياقات التاريخية والثقافية والسياسية، إلا أننا نلحظ عدم انتظام تفاهمات واضحة بين المدنيين والعسكرين خلال الفترة الانتقالية أو وجود استراتيجية بعيدة المدى للعلاقات المدنية العسكرية وسقف هذه العلاقة. إذ أن مفهوم العلاقات المدنية – العسكرية يتأثر بطبيعة النظام السياسي بوصفه وحدة تحليل رئيسية لفهمها، فهذه العلاقة تتأثر ببنية النظام وأنسجته، وتتحول إلى مخرجات وقرارات وسياسات، ومن هنا نشأ عدم التوفيق بين توجهات المدنيين من جهة وتوجهات العسكريين من جهة أخرى، فبينما يسيطر على المدنيين توجهات للسيطرة على المؤسسة العسكرية كما تقتضيها النظم الديمقراطية استناداً على أن مصدر الشرعية الوحيد ينبع من المدنيين، نجد أن العسكريين يدافعون بضرورة تسليم السلطة لحكومة منتخبة، وتمظهر ميدان هذا التنازع حول رئاسة مجلس السيادة الذي كان ينص على التناوب في رئاستها وفقاً للوثيقة الدستورية، فمجلس السيادة الذي تتداخل مهامه المدنية والعسكرية على نسق المسؤولية المشتركة، كان منبع الخوف من جانب العسكريين أن تتمدد سلطات المدنيين بعد انتقال الرئاسة، وتنعكس على بنية النظام الذي كان يشهد نوعاً آخر من التفاعل الاستراتيجي بين القوات المسلحة والحركات المسلحة، القائمة على نوع من التوافق والمسؤولية المشتركة لإنفاذ بند الترتيبات الأمنية الخاصة بتنفيذ اتفاق السلام، وهو الأمر الذي قاد إلى فهم استمرار هذه العلاقة على أنها تواطؤ مشترك للانقلاب على الطرف المدني في الشراكة السياسية القائمة آنذاك.
بتحليل السياق التاريخي للعلاقات المدنية – العسكرية في السودان، نجد أنه لم تشهد التجربة السياسية وجود علاقة مدنية – عسكرية ديمقراطية، إلا لفترات ضئيلة جداً في منتصف الثمانينات بوجود حكومة منتخبة، والتي انتهت بانقلاب عسكري خلقت نوع آخر من العلاقة التداخلية، وهي تلك العلاقة التي اتسمت بتسييس المؤسسة العسكرية، حيث كانت تقوم بتنفيذ الأهداف والمبادئ التي وضعها حزب المؤتمر الوطني ومثل فيها العسكريون جزءاً من النخبة الحاكمة، ساد هذا النمط من قبل في فترة السبعينيات بعد الانقلاب العسكري الثاني في 69، الذي كان يرتبط بالأنماط الشيوعية التي كانت سائدة في تلك الفترة، وهي نمط الجيش الثوري الذي يمثل أداة للشعب والحزب، وانتهى الآن الحال بالمؤسسة العسكرية بعد سقوط نظام المؤتمر الوطني وانتهاء العلاقة التداخلية الى الاحتفاظ بالسلطة على النسق البريتوري – أي الحكم عبر مجلس عسكري يقوده أعضاء اللجنة الأمنية التي قادت الانقلاب إيذاناً بنجاح الثورة في أبريل 2019، مع الاحتفاظ بهيئة مجلس السيادة الذي يمكن أن نراه شكلاً من أشكال تطورات العلاقات المدنية – العسكرية، إذ لم يجرؤ العسكريون على الإعلان عن تولي الحكم بشكل مباشر اعتماداً على القوة أو التهديد باستخدامها، فداخلياً هناك التفاعل الاستراتيجي آنف الذكر مع الحركات المسلحة، وخارجياً هناك عدم قبول بسيادة الأنظمة العسكرية عبر الانقلابات إقليمياً ودولياً .
هل هناك مستقبل لعلاقات مدنية – عسكرية صحية: الفرص والتحديات
تطاول أمد العلاقة التداخلية بين القوات والمسلحة وحزب المؤتمر الوطني، لم يمثل تحدياً لتبلور مسار الانتقال والتحوًل الديمقراطي بعد التغيير السياسي، ولكنه لم تتشكل علاقات مدنية – عسكرية صحية، فإلى جانب درجات من تسييس قادة المؤسسة العسكرية، إلا أنه في الجانب الآخر لم يستطع المدنيون تطوير علاقة تحفظ توازن القوى مع العسكريين، وهو أبرز التحديات، أي عدم تطوير فهم يتناسب مع مطلوبات الانتقال المتدرج، بحيث لا تنتكس مسيرة الانتقال الى نوع من الشد والجذب ومن ثم المواجهة بمنطق الشرعية المطلقة للمدنيين بالحكم أو السلطة المدنية، فالسلطة المدنية تمثل أحد جوانب الإشكاليات التي تعترض العلاقات المدنية العسكرية، فعند البحث عن ماهية السلطة المدنية – كما يشير إليها الخبراء – المعنية بالسيطرة على الدولة، وبالتالي السيطرة على المؤسسة العسكرية وتحديد وجودها بالثكنات، هي السلطة المدنية المنتخبة انتخاباً ديمقراطياً، وإزاء الوضع الراهن لزاماً على المدنيين أن يطوروا نوعاً من العلاقة المدنية – العسكرية باختراع نموذج يتناسب مع المرحلة الانتقالية ،كالنموذج التقليدي الذي يمنع نشوب خلافات بين المدنيين والعسكريين قوامه المصلحة المشتركة لبناء الدولة بإنفاذ مطلوبات الانتقال الخاصة بإنهاء الوجود المسلح وحصر السلاح بيد القوات المسلحة عبر تنفيذ الترتيبات الأمنية كأولوية، وهي فرصة جيدة لاستدامة النظام الديمقراطي مستقبلاً، وهو ما يتطلب تعزيز الدور الوظيفي للمؤسسة العسكرية، بما ينعكس على أجزاء النظام ومكوناته، بدون هذا الإدراك وسيادة الوعي الذي اتخذ طابع الصراع الأيديولجي ضد المؤسسة العسكرية لن تتحقق علاقات مدنية – عسكرية صحية، ولن يتحقق الانتقال.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.