‫الرئيسية‬ مقالات الحرية والتغيير كان غدتك ما بتعشيك
مقالات - 10 يونيو 2022, 12:07

الحرية والتغيير كان غدتك ما بتعشيك

محمد حيدر المشرف

لم يجف مداد الإشادة المستحقة لقحت/المركزي بعدم المشاركة في حوار الآلية الثلاثية، حتى فوجئنا بخطوة متسرعة تم فيها الاجتماع مع المكون العسكري برعاية أمريكية سعودي. ولقد نبهت الناس في لهفة إشادتي (قصيرة العمر) إلى أن فلسفة رفض المشاركة في اجتماع الظهيرة بالسلام روتانا قد انبنت على فكرة أساسية تتمثل في الخلاف مع الآلية الثلاثية حول توصيف الأزمة وتعيين أطرافها. وهو توصيف تستبعد فيه قحت/المركزي كل الأطراف غير المشمولة في الوثيقة الدستورية التي تم الانقلاب عليها.

ولقد نبهت أن هذا الموقف متغير ومتحرك، متى ما نجحت قحت المركزي في فرض توصيف الأزمة وأطرافها ينتفي سبب رفضها للحوار وبالتالي سينتهي أمد الموقف المشترك الظاهري بين قوى الثورة المختلفة للحوار مع الآلية. فإذا ما أردنا لمثل هذه المواقف المشتركة ذات التأثير العميق أن تستمر، فسيكون لزاما على قوى الثورة أن تُبلور، وبحد أدنى، عدد من التفاهمات المكتوبة مع مستوى من مستويات التنسيق المشترك كي يتم الاستناد عليها كقاعدة مستمرة بدلا عن ذلك التلاقي النهاري السريع، كاجمل صدفة قصيرة ومباغتة عند ناصية الطريق، صدفةٌ أنعشت أرواحنا قليلا نحن الحرس القديم المنادي بوحدة قوى الثورة فسالت أقلامنا بالإشادات المستحقة قصيرة الأمد.

خلاصة موقف قحت/المركزي هنا أن هناك انقلاباً عسكرياً تم على وثيقة دستورية تم التوافق عليها سودانيا و برعاية ذات الاتحاد الأفريقي والإيقاد والمجتمع الدولي. وبعدم مشاركتها في اجتماع السلام روتانا هزمت قحت/المركزى مناورة الاتحاد الأفريقي عبر الموريتاني ود لبات في تبني وفرض مقولة الانقلاب الأساسية والوحيد (توافق وطني بمشاركة الجميع عدا المؤتمر الوطني) ..

وهي وللحق عبارة مضحكة بصورة مؤلمة وفي البال هذه الملاحم الثورية البطولية المستمرة التي تتقدمها أرتال الشهداء من ابناء وبنات هذا الوطن الذين دفعوا دمائهم الغالية في سبيل التحرر الوطني من ربقة نظام الانقاذ والمؤتمر الوطني وشركائه. فوجود المؤتمر الوطني في الحوار هو مجرد تحصيل حاصل، إذ يهيمن المؤتمر الوطني بصورة واضحة وجلية على كامل الدولة السودانية (من صوف راسها لي كرعينها).

و بفذلكة تاريخية قصيرة. فهذه المقولة (الجميع عدا المؤتمر الوطني) وقبل أن تكون مقولة الانقلاب الأساسية، فهى تمثل موقف الجيش السوداني الثابت منذ قرار الإطاحة بالبشير. وهو ذات الموقف الذي تم رفضه بصورة ثورية واعية من قبل جماهير الثورة السودانية. ولقد تمت الإطاحة بأهم رموزه (عمر زين العابدين – المسؤول السياسي بالمجلس العسكري آنذاك). ولقد تمت أخيرا هزيمته بصورة حاسمة بواسطة الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية. والاتفاق والوثيقة هما وليدا ٣٠ يونيو ٢٠١٩ الشرعيان. ولقد تم إكراه العسكر عليهما إكراها حتف أنفهم.. وبالتالي ما كان انقلاب الجيش إلا ضرورة ملحة للجيش الكيزاني نحو العودة للمسار الأساسي واستعادة القدرة على برمجة التغيير وفق مشيئة العسكر والكيزان وكامل دولة الإنقاذ (عدا البشير).

إذن، هزمت قحت بموقفها الرافض نهار الأمس الخميس 9/6/2022 ذلك التدليس الأفريقي الأممي بقيادة ود لبات.. وتمتع ذلك الموقف المشترك بفاعلية سياسية عالية، إذ خرج علينا ود لبات نفسه مقرا بعدم جدوى الحوار بغياب القوى الأساسية والطرف الثاني من معادلة انقلاب/ثورة. ولكن لا يجب أن نخطئ هنا، فالقيمة الأساسية والثقل الحقيقي لهذا الموقف المشترك لقوى الثورة جمعاء لحوار الآلية الثلاثية النهاري يرتكز على تماهي موقف قحت/المركزي مع لجان المقاومة.. فإذا استشهدنا بالبلاغة القرآنية المحكمة هنا لقلنا لقحت/المركزي (وما رميت إذ رميت ولكن اللجان رمت). وهذه مسألة مهمة جدا لفهم الصورة البانورامية الكاملة لما حدث نهار الأمس، فالثقل الحقيقي لموقف قحت/المركزي والذي أكسبها تلك الفاعلية العالية ليس عند سنهوري و الدقير وبرمه ناصر مع وافر الاحترام والتقدير. الثقل الحقيقي هو للجان المقاومة.

وهذا هو الخطأ السياسي القاتل الذي ارتكبته قحت بدخول الاجتماع المسائي (ربما لأول مرة يمحو الليل كلام النهار). إذ سرعان ما فقدت قحت/المركزي فاعلية الموقف النهاري المشترك الظاهري بينها ولجان المقاومة. وهي كما أسلفت فاعلية عالية استطاعت بمناورة سياسية واحدة فرض رؤية أساسية ومهمة جدا على المجتمع الدولي وإنتاج قواعد لعبة جديدة على الآلية الثلاثية بعيدا عن تدليس ود لبات الموريتاني البائس الذي ظن أن باستطاعه سواقة (ثورتنا الأم) بالخلا. فعلى الرغم من الحقيقة التي نعلمها جميعا أن هذا الموقف المشترك غير متفق عليه ولا يحتوى على أي قدر من التفاهمات والتنسيق المشترك بين قوى الثورة إلا أنه، وفي بضعة ساعات قليلة، وبرغم كل ذلك، هزم كل تصورات الاتحاد الأفريقي والإيقاد والأمم المتحدة (والمجتمع الدولي إلى حد ما).

ومن نافلة القول هنا إنه كان من المجدي سياسيا وثوريا ووطنيا في هذه الحالة أن تتدبر كل قوى الثورة (وبقيادة لجان المقاومة) ما يحدث بأذهان حادة ومفتوحة، أن تعلم مواطن قوتها الحقيقية، وأن تسعى فيما بينها لبلورة إطار عام تنسيقي واحد مع تفاهمات واضحة ومكتوبة ومتفق عليها بين ومع كافة قوى الثورة بقيادة لجان المقاومة تحت شمس الاعتراف الواضح بالتباينات الموجودة. لا أتحدث عن وحدة قوى الثورة، أتحدث عن مجرد تفاهمات واضحة من شأنها إنتاج مواقف مشتركة ذات فاعلية سياسية وثورية عالية مبنية على إساس قوي حول قضايا واضحة متفق عليها. إلا أن الحرية والتغيير/المركزي فاجأت الجميع باجتماع مفاجئ مع المجلس العسكري برعاية أمريكية وسعودية. وهو الأمر الذي أفقدها قدرة الامساك بتلك اللحظة التأريخية التي كان من الممكن أن تمضي في اتجاه جديد ظلت تبحث عنه منذ انقلاب 25 أكتوبر. أقول كان من الممكن لأن أمر الوصول للتفاهمات المشتركة وشكل من اشكال التنسيق هو أمر قد لا يكون في كل الأحوال في حال تمترس لجان المقاومة حول مواقف مصمتة تجاه المكون الحزبي للثورة السودانية (قحت/المركزي).

ومع تقديري التام لعامل الزمن والتسارع المخيف نحو وضعيات كارثية على المستوى الاقتصادي والأمني. ومع تقديري التام لأهمية الموقف الدولي. وتقديري التام للضغط العالي الممارس من المجتمع الدولي علي قحت/المركزي. ولكن، وبالرغم من كل ذلك أقول: لقد أخطأت قحت/المركزي في تقدير موقفها بقبول الدخول لاجتماع البارحة المسائي بدلا عن الإمساك بتلك اللحظة التأريخية واستثمارها في صناعة الإطار العام المشترك بينها ولجان المقاومة وكل قوى الثورة. وهو الإطار العام اللازم والحيوي لانتصار الثورة السودانية في تقديري و…. يستمر مسلسل إهدار الفرص التأريخية الأخيرة!!

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.