‫الرئيسية‬ مقالات المسكوتُ عنه.. قبل أن ينفجر
مقالات - 10 يونيو 2022, 23:22

المسكوتُ عنه.. قبل أن ينفجر

عمر عثمان

الإيمان بالسودان؛ كوطن مترامي الأطراف متعدد الثقافات والأديان والأعراق والموروثات والموارد التي جعلت منه نسيجا وحده في العالم من حولنا ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، بحيث ظل هذا التعدد مدخلا للكثير من الحوارات التي تبحث في شكل الهوية ما بين العالمين الأفريقي والعربي دون الوصول لهوية متفق عليها، لذا ظل الصراع وامتد طوال الحقب الماضية من عمر الوطن بعدة منطلقات، وما إن تنطفئ نيران الخلاف حول مشكلة محددة، تندلع أوجه خلاف جديدة تمهد لحرب جديدة تستمر عشرات السنين قبل أن تحط رحالها بسلام لحظي لا يقوى على الاستمرار في سبيل ترك ثغرات جديدة تعد مدخلا لديمومة حروب جديدة.
يأتي الاختلاف حول نظام الحكم الذي يمكن أن يكون ممسكا للوحدة ومرضيا لإحداث سلام دائم يعم كل الوطن، وذلك لا يتأتى إلا برضا عام ينبعث من كل بيت سوداني دون أن يمس ثوابتها في العقيدة والثقافة والعرق والموارد يحترم كل هذا التنوع ويجعل منه واقعا معاشا.
فاتفاقية جوبا التي مهدت لرصف الطريق لسلام مستدام أعطت المواطن حقه في اختيار نظام الحكم وإضافة رؤيته بما يتلاءم وثوابته دون فرض وصايا عليه والتي تتشكل في من خلال معطيات ولايته وكيفية إدارتها في ظل نظام فيدرالي بمركز يعد دوره تنسيقياً أكثر من كونه حاكماً، بالإضافة للمسائل القومية التي يشترك فيها الجميع من قوات نظامية بمختلف مسمياتها وعلاقات خارجية بما يحفظ لُحْمَة الوطن ويقوي نسيجه الاجتماعي.
وربما أغفلت اتفاقية جوبا من خلال مباحثاتها وما وقعت من أوراق بين أطراف الاتفاق تناول قضايا وسط السودان وشماله بأن تعطيها القدر الكافي من النقاش والحوار باستصحابها أطراف لا علاقة لهم بالمنطقتين بمثل ما مثل كل أهل السودان في المفاوضات من منطلقات جهوية بحتة، وهو الشيء الذي لم يتم التعامل معه مع الشمال خصوصا، بتمثيل مواطنيه أصحاب القضايا الحقيقيين ورضت الوساطة (بعلم أو بدونه) أن ينوب عنهم من لا ينتمي إليهم ولا علاقة له بقضاياهم المصيرية.
ظهرت اليوم على الساحة قضية أهل الشأن في العبيدية المنطقة التي يقوم عليها اقتصاد السودان حاليا بلا منازع وغدا ستنطلق في أبو حمد وبربر وعطبرة ونهر عطبرة والدامر وشندي والمتمة وقراها قضايا الاستثمار والموارد التي غيب المركز أهل الشأن فيها تماما من خلال الاتفاقات، بحيث جعل من الشمال حديقة يقطف ثمارها دون أن ينال إنسانها شيئا أو حتى يعلم موارده الحقيقية التي على ضوئها تحسب النسب، ويعاد ترتيب توزيع الثروة أن أردنا العيش في سلام، فحمل السلاح في الماضي تم نتيجة غبن وإحساس بالظلم الذي أجبر حاملوه على ذلك الفعل بالخروج على الدولة، وأخشى أن يتحول من خروج على الدولة إلى خروج من الدولة وبعض الأصوات بدأت ترتفع الآن والعلاج ليس في التجاهل أو فرض الاتفاقيات التي ترضى أقاليم على حساب أقاليم أخرى، بل بالتراضي الذي يعجل التعايش ممكنا، خلاف ذلك أرى أن بوادر اندلاع تمرد جديد على الأبواب وان اختلفت الوسيلة.
ليس من المعقول ألا يعلم انسان الشمال إيرادات موارده الحقيقية من الذهب والأسمنت والري المحور الذي يصدر الأعلاف وغيرها من الصناعات التي يقع فيها العبء على الشمال في تغذية خزينة الدولة دون سواه بينما يعاني انسانه من أبسط المقومات.
السلام لا يتم بفرض الاتفاقات بمعزل عن أهل الشأن الذين يجب سماع لصوتهم واحترامه، قبل البدء في تحديد شكل الحكم وطرقه في وطن بكل هذه التعقيدات التي نحاول إنكارها بعذب الحديث تارة والتجاهل تارة أخرى.
ليس من السلام بشيء أن نطفئ النيران في جوبا لنمهد لاشتعالها في منطقة أخرى ب(قصد) أو بدونه.
ليس عيبا أن يتأخر السلام شهورا ولكن العيب أن نمهد من خلاله لإشعال نيران الحروب مرة أخرى بعدم استصحاب كل قضايا الوطن مجتمعة دون انتقائية جهوية.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.