‫الرئيسية‬ مقالات تفيل اللافقاريات
مقالات - 8 يونيو 2022, 8:59

تفيل اللافقاريات

الجميل الفاضل

ما لم يقله مالك “الإمام” في الخمر.. قال به مالك “المتأقلم” بسرعة في حق الثورة السودانية المباركة، نافيا عنها بادئ ذي بدء صفة أنها “ثورة” أصلا، بل معتبرا أنها مجرد فوضى، يقودها على الأرض “عيال” مكانهم الطبيعي ميادين اللعب، متهما في ذات الوقت أطفالا قصرا، تتراوح أعمارهم بين الثامنة والخامسة عشرة، بتهمة خطيرة لا تتسق مع ما افترض لهم من أعمار، هي تهمة ممارسة العنف، والإرهاب ضد الدولة.
المدهش أن هذا الذي قاله مالك عقار، لم يقل مثله حتى عتاة وغلاة أهل السلطة البائدة، الذين زلزلت الثورة أقدامهم، وبددت شملهم، وقضت مضاجعهم.
ما قاله مالك.. لم يقله كرتي عراب المرحلة، ولم يقله غندور رأس الحزب المحلول.
المهم فقد خرج عقار المخبوء من تحت لسانه، في صورة عدو سافر لذات الثورة التي عاد هو عزيزا مكرما، بفضل ما أحدثته من تغيير.
لكن ها هي كليمات قالها مالك.. ربما لم يلق لأثرها بالا، قد هوت به سبعين خريفا في جهنم الثورة والثوار.
ومن الموافقات أو المفارقات الغريبة لست أدري، إني كلما أعدت المشاهدة والاستماع لما قاله عقار لقناة (الشرق)، قفزت إلى ذهني مباشرة صورة مجسمة نحتها د. منصور خالد لمثل هؤلاء الساسة المزهوين بغرور سلطاني زائف يقول المفكر الراحل: “تحول التفاخر بين السياسيين إلى تضخم للذات، تفيلت معه حتى القواقع اللافقارية.
اللافقاريات في علم الأحياء هي الكائنات التي تفتقد الفقار، أي السلسلة العظمية في ظهر الكائن، والتي تمتد من الرأس حتى العصعص، مما يمكن الكائن من الوقوف والحركة.
تَضاعُف تفيل اللافقاريات عندما أصبح الانتماء العقدي لحزب أو جماعة جواز مرور لكل موقع”.
وعقار في ظني على الأقل من أوفى الأوفياء لمثل هذه المواقع.
وفي ظني أيضا، أن مالك يتمتع فضلا عن ذلك بقدرة مدهشة على التأقلم والتماهي والتموضع، حيثما رمت به رياح الأقدار، وبقابلية عالية جدا على التكيف مع كل واقع تفرضه ظروف تتصل بنوع وحجم الرغبة لديه.
فمالك رغم امتطائه في وقت مبكر لجواد الثورة الجامح، ولشكل الكفاح المسلح الأكثر جموحا واندفاعا، إلا أن مالك في تقديري الخاص أقرب لكونه “شخص مستقر” لا يصلح بحكم تكوينه الشخصي للعيش تحت الرعود والعواصف والأنواء، وفي مناطق الزلازل والبراكين والحمم المتفجرة.
ولعل حالة (الشخص المستقر) التي تتوافق مع حرفة احترفها عقار لبعض حين، من خلال عمله كامين مخازن سابق، قد مكنته من التعامل السلس والصبور في وكر مهم من الأوكار (الامنوقراطية) وزارة الاستثمار في حكومة ما بعد نيفاشا.
ومن وقائع ما جرى من بعد.. أقول إني لم أتحسر على شيء اليوم بقدر حسرتي على طرد الحركة الإسلامية لمالك عقار من منصبه والياً للنيل الازرق قبل سنوات.
المهم ليت عقارا ظل في مكانه الطبيعي الذي يناسبه من التاريخ، وليت علي عثمان لم يغلق هاتفه بوجه الرجل الهائم في ذلك اليوم من العام (٢٠١١) على وجهه بالفلوات، يستجدي سانحة اتصال برجل الدولة القوى آنذاك، عسى أن يظفر بوعد يعيده إلى عرش ولايته المفقود.
بل ولم أندم كذلك على شيء بقدر ندمي على اتفاق “نافع عقار” الذي ذهب أدراج الريح.
لقد كاد أن يوافق “شن طبقه” لولا أن رجلا تحدث بلسان الجيش في مسجد النور رافضا ذلك الاتفاق قبل أن يجف مداده.
فكل تاريخ الرجل يقول: لو أنه جلس، وطاب له المقام، فإنه لا يقوى ولا يطيق القيام.
كما إني لأول مرة أعرف لماذا بالضبط انقسم قطاع الشمال في الحركة الشعبية، إلى نصفين أو جناحين، قسم يقوده مالك، وآخر يتزعمه الحلو؟.
رجلان لا يعرف أيهما نال من ميراث أبيه الروحي الذي رحل (قرنق)، ما ينبغي أن ينال.. شيئا من عقل، أو بسطة في جسم، أو بقية من مجد لا يزال.

لام.. ألف
أكبر تنازل تقدمه في حياتك، هو أن تتأقلم.
محمود درويش

حالتي
أشهد ألا انتماء الآن
إلا أنني في الآن لا

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.