‫الرئيسية‬ مقالات “السلام الاستعماري” في رؤية قوى الحرية والتغيير لإنهاء الانقلاب
مقالات - 7 يونيو 2022, 23:06

“السلام الاستعماري” في رؤية قوى الحرية والتغيير لإنهاء الانقلاب

أشرف عبد الحي

إن “رؤية قوى الحرية والتغيير لإنهاء الانقلاب والتأسيس الجديد للمسار المدني الديمقراطي” (اختصارا من الأن فلاحقا: “رؤية قحت”) هي فعلا مخطط هبوط ناعم وبصورة تفتقد لأدنى معايير الذكاء.. لقد عرّى عدد من التعليقات النقدية المهمة على شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها المنطق الناظم لهذا الهبوط الناعم، وخاصة شرعنتها لمشاركة الانقلابيين الحاليين، بمن فيهم أمراء الحرب في المجلس السيادي الانقلابي (خاصة تصنيفها المتناقض لأمراء الحرب الانقلابيين في خانة “القوى المناهضة للانقلاب”).

الجدير بالملاحظة هنا أن قحت لا تزال مصرّة على إعادة نفس التجربة الفاشلة باستخدام النمط الفوقي النخبوي الذي يعيد البنية الكولونيالية للدولة، وهي اختيار وتعيين رئيس وزراء قبل تأسيس البرلمان ومن خارج البرلمان. ومعروف أن هذا النمط يناسب أحزاب الهبوط الناعم والعسكر، بل ومتوقع من سيأتون به إذا سارت الأمور على حسب هذا المخطط وهيهات.
وهي خطة فوقية بامتياز بدءا من فرض رئيس وزراء ونزولا بتأسيس برلمان تشريعي وانتهاء بتأسيس المجالس الولائية. نقلا عن وثيقة قحت، يتم تكوين المجالس المحلية (خلال الفترة الانتقالية). هناك أيضا إشارة ودعم للجنة إزالة التمكين مما يعني ضمنيا أيضا الرجوع إلى وثيقة 2019 المعطوبة من الباب الخلفي لأنها المستند الوحيد الذي أسس لها بهذا المسمى والوظيفة.
الإشارة للجان المقاومة في رؤية قحت يمكن تفسيرها بمنطق (العلاقات العامة) لأنهم احتقروا تجربة ومشروع لجان المقاومة المقترح في الميثاق الثوري لسلطة الشعب والذي هو نقيض لهذه الخطة الفوقية. الميثاق الثوري جعل أساس تكوين هياكل السلطة (قاعديا) بامتياز. لقد نصّ الميثاق الثوري على أن مصدر اختيار رئيس الوزراء هو البرلمان التشريعي القومي وأن مصدر تشكيل البرلمان التشريعي القومي هو المجالس التشريعية الولائية، وأن مصدر تشكيل المجالس الولائية هو المجالس المحلية.
والأهم أن الميثاق الثوري لا ينظر الى تكوين هذه المجالس بأنها “نتيجة” للفترة الانتقالية بل هي (أساس) الفترة الانتقالية (راجع الجدول الثوري لإكمال هياكل السلطة وبداية عملها في الميثاق الثوري، صفحة 26) عليه المنطق الناظم هنا هو منطق تشاركي قاعدي تصاعدي bottom-up .
الملاحظة الثانية، لقد تجاوز الميثاق الثوري لجنة إزالة التمكين بقانونها الحالي لأن أساسها هو الوثيقة الدستورية المعطوبة بكل نسخها. الميثاق الثوري جعل البرلمان التشريعي القومي هو المرجعية في سن قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو: ” يُشرّع المجلس التشريعي القومي قوانین تفكيك نظام الثلاثين من یونیو 1989م. ” (الميثاق الثوري، صفحة 25). لقد استحالت لجنة إزالة التمكين على يد الوثيقة الدستورية إلى “نمر بلا أنياب” وأصبحت أشبه بلجنة “تحلل” (على حد وصف مولانا سيف الدولة حمد الله) وأصبح عملها “تسمية” الفاسدين – خاصة من الأفراد – و”فضحهم” name and shame” ولكن دون وجود محاكمات تُذكر، والأهم أن التركيز أصبح بصورة أساسية على (الأفراد) – على أهميته – وليس على بنية “النظام” والمجسّدة في إمبراطورية اقتصادية موازية (من ذهب وشركات وغيرها) يسيطر عليها الجيش والجنجويد/الدعم السريع والأجهزة الأمنية ولكن للأسف لم تمتد لجنة إزالة التمكين الى هذه الإمبراطورية. وعليه هناك فرق بنيوي بين رؤية قحت لطريقة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو والتي عمادها الوثيقة الدستورية المعطوبة ورؤية الميثاق الثوري والتي مصدرها هو البرلمان التشريعي الثوري.
وهذا الفرق البنيوي يمكن أن يكون مدخلا لمناقشة نقطة ثالثة مهمة – إن لم تكن الأهم – وهي رؤية قحت للسلام. رؤية قحت جعلت (السلام) وخاصة (اتفاق جوبا) أساس العملية السياسية والاقتصادية وشرعنت اتفاق جوبا الكارثي عندما شرعنت أولويته على الوثيقة الدستورية بمنطق أنه تم توقيعها بعد الوثيقة، وعليه رؤية قحت تعيد إنتاج العسكر والجنجويد من خلال اتفاق جوبا والوثيقة المعدّلة. الأهم أن رؤية قحت نصّت على أن “معالجة أي أخطاء متعلقة بالاتفاق أو تنفيذه ممكن على أن يتم باتفاق أطراف الاتفاقية الموقعة وبالتشاور مع الشهود والضامنين”. ومعروف أن أحد الأطراف الموقعة هو محمد حمدان دقلو (حميدتي) ومعروف الجهة والمصالح التي يمثّلها.
هذا النوع من السلام أطلق عليه الميثاق الثوري لسلطة الشعب مصطلح “السلام الاستعماري” (الميثاق الثوري، صفحة 18) لأنه ببساطة يعمل من داخل نفس شروط الدولة الكولونيالية التي تخدم خط الكيزان والعسكر وأحزاب الهبوط الناعم ورأسماليتهم الانتهازية في تحالفها مع الإدارات الأهلية وبعض الطرق الصوفية، إلخ (لقد فصّل الميثاق الثوري في مرتكزة السياسي عن طبيعة البنية الكولونيالية للدولة السودانية الحديثة). بديل “السلام الاستعماري” في نص الميثاق الثوري هو”السلام الشامل” الذي يتعامل مع السلام بمنطق تاريخي بنيوي أساسه خطة شاملة واحدة عمادها عملية التحول الديمقراطي نفسها. الميثاق الثوري رفض أي نوع من أنواع اتفاقيات السلام “الفوقية” (هذه لغة الميثاق) واتفاق جوبا اتفاق فوقي بين أمراء حرب وجنجويد وعسكر (ومن خلفهم كيزان وقوى إقليمية) على حساب أصحاب المصلحة الرئيسة في معسكرات النزوح بل وعلى حساب عملية التحول الديمقراطي نفسها.
مصدر التشريع للسلام الشامل – بنص الميثاق الثوري – هو المجلس التشريعي القومي (= “الشارع” لأن أساس البرلمان التشريعي القومي هو المجالس المحلية)، عندما ذكر أن من مهام المجلس التشريعي القومي: “التشريع لتأسيس السلام الشامل لكل الشعب السوداني” (الميثاق الثوري، صفحة 25).
الأهم أن السلام الشامل من منظور الميثاق الثوري يحتاج الى شروط سياسية واقتصادية لإغلاق الباب تماما أمام العسكر من استغلاله لصالحهم كما حدث في اتفاق جوبا. وعليه السياسة والاقتصاد هما الشرط التاريخي لإنجاح هذا النوع من السلام الشامل.
هذه هي المقاربة التاريخية البنيوية لمفهوم “السلام” في الميثاق الثوري. بعبارة أخرى، حتى يكون هناك “سلام شامل” بهذا الفهم يجب العمل خارج البنية الكولونيالية للدولة التي في الأساس أنتجت الحرب والتي من ضمنها جيش بدون عقيدة قومية وإدارات أهلية متواطئة مع بنية الاستبداد، وأمراء حرب ينظر بعضهم الى “الثورة” بأنها “عنف ضد الدولة” (على حد تعبير امير الحرب الانقلابي مالك عقار). وهذا ما ذكره الميثاق الثوري صراحة كشرط تاريخي لتحقيق السلام الشامل: “الوصول إلى السلام لن يتم إلا عبر بوابة مشروع وطني تنموي ثوري جامع يعبد صياغة أسس ِالتعاقد الاجتماعي، بین مكونات الشعوب السودانية، ويقدم مصلحتها على مصالح اقتصاد العنف الاستعماري ومؤسسات الاستعمار في الدولة السودانية، مثل مؤسسة الجيش والإدارة الأهلية والنخب السياسية التقليدية والحدیثة، التي ورثت امتيازات المستعمر وعنفه” (الميثاق الثوري، صفحة 18). أساس “التعاقد الاجتماعي” الذي أشار له الميثاق الثوري هو “المواطنة والحقوق المشتركة” والمواطنة والحقوق المشتركة تعني منطقيا أن السياسة والاقتصاد هم الشرط التاريخي لتحقيق السلام الشامل وليس العكس كما افترضت “رؤية قحت”، وهذا أيضا ما ذكره الميثاق الثوري نصا: “إن تحقيق السلام والاستقرار یتطلب وجود مشروع وطني اقتصادي وسياسي تنموي ثوري جامع يعبد صياغة أسس التعاقد الاجتماعي على أساس المواطنة والحقوق المتساوية ويتصدى لجذور أزمة الحرب والسلام، على أساس المصالح الوطنية المشتركة بین السودانیین؛ ويقدم هذه المصالح المشتركة على جميع المصالح الأخرى” (الميثاق الثوري، ص: 3). الجدير بالذكر هنا أن عبد العزيز الحلو قد انتبه لبعض هذه الشروط التاريخية عندما فرض الاعتراف “بعلمانية” السياسة شرطا أساسيا للدخول في أي عملية تفاوض من أجل تحقيق السلام.
عليه “رؤية قحت” للسلام هي رؤية “فوقية” تعمل على إعادة إنتاج البنية الكولونيالية للدولة التي تخدم مصالحها ومصالح العسكر والكيزان وأمراء الحرب الانقلابيين بالمقارنة مع الميثاق الثوري والذي ينظر الى السلام من منظور بنيوي شامل أساسه شروط تاريخية محددة في مقدمتها تفكيك البنية الكولونيالية للدولة السودانية الحديثة التي أساسا أنتجت الحروب والعنف، وهذه الشروط السياسية والاقتصادية متمثلة في بناء مؤسسات قومية وفي مقدمتها جيش قومي مهني موحد لا علاقة له بالسياسة (حتى لا تتكرر مأساة اتفاق جوبا)، دولة مؤسسات مرجعيتها هي المواطنة والحقوق المشتركة وليس الدين أو القبيلة، وهذا من شأنه أن يعمل على تحييد الإدارات الاهلية ومنع استغلال الطرق الصوفية واستغلال الدين في تجيير عمليات السلام لمصالح محددة، كما فعل الكيزان في فترة الديمقراطية الثالثة، وكما فعلوا من خلال لجنتهم الأمنية و”جبريلهم” في سياق اتفاق جوبا.
من منظور الميثاق الثوري، اتفاق جوبا (على علاته) فقد شرعيته بانضمام الأطراف الموقعة عليه لانقلاب 25 أكتوبر 2021:”يستثنى من التوقيع على هذا الميثاق كل مكونات الجبهة الإسلامية وأحزاب الحوار الوطني التي شاركت الإنقاذ حتى سقوطها وكذلك القوى التي أیدت وشاركت سلطة انقلاب 25 أكتوبر 2021م.” (الميثاق الثوري، صفحة 27). والأطراف التي وقعت اتفاق جوبا هم من مؤيدي انقلاب 25 أكتوبر.
وهذا أيضا فرق جوهري بين رؤية قحت والميثاق الثوري من اتفاق جوبا. هذا هو أساس مفهوم “السلام الشامل” في الميثاق الثوري وهو يتناص/يتقاطع على مستوى المحتوى والشروط مع مفهوم “السلام الشامل” عند جون قرنق ولكن مفهوم السلام الشامل في الميثاق الثوري أكثر ثراء وتفصيلا نسبة لاختلاف الظروف الحالية ولاستفادته من التجارب السابقة وأكثر تحصينا بلاءاته الثلاث من مفهوم “السلام الشامل” عند جون قرنق على مستوى التطبيق لأن جون قرنق في اتفاق نيفاشا اضطر للعمل من داخل نفس المنطق الكولونيالي للدولة السودانية عندما وافق (بالتأكيد مضطرا ومؤملا في المستقبل وتأثيره “الفردي”) على شرعنة وجود دولة دينية في الشمال وأخرى علمانية في الجنوب (وهو نفس النمط الذي اخترعه الاستعمار البريطاني كأساس للدولة السودانية الحديثة). ولذلك انفصال الجنوب كأن أمرا شبه حتمي ومتوقعا بمنطق بنية الدولة الكولونيالية نفسها. لقد استفادت لجان المقاومة من كل هذه التجارب التاريخية بتحصين رؤيتها باللاءات الثلاث ولذلك استشهاد الثوار واغتيالهم الغادر على يد الانقلابيين القتلة لم ولن يؤثر على تحقيق مشروع “السودان الجديد” تبع لجان المقاومة لأنه غير مختزل في “فرد”. عليه، الآن لدينا شكل جديد من “الفاعلية” agency التي لا يمكن استيعابها من خلال المفهوم التقليدي “الفرداني” للفاعلية الموجود في رؤية قحت.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

  1. طريقة انتاج الميثاق و وتلمسه لاشواق الشعب السوداني والتفاف الشباب حوله و مخاطبته للقضايا المسكوت عنها منذو قيام الدولة الحديثة في كنف الاستعمار واستمرار نهج الوصايا اقعّد الذي البلاد والعباد ،
    لم تروق لقوي الخيار الفوقي واصحاب التسوية.
    في تقديري البسيط ان الواقع الاجتماعي يحتم على الثوار العمل وسط الجماهير خارج دوائر الطبقة البرجوازية والمركز ومراكز الهامش حتى من عواصم الأقاليم (مصطلح ولايات من المدرسة الداعشيه) كذلك ، لتوسيع قاعدة الحراك واعادة تقاطع مصالح الثورة مع الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير الجذري .
    حقيقة ان الفعل الثوري يحتاج ان يرتبط بالفعل التاريخي والاجتماعي وفق الرحم الذي تخللق فيه
    لك التحية .
    كلام من ذهب دكتور اشرف

    عصام عثمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.