‫الرئيسية‬ مقالات موسم الهجرة إلى الشمال
مقالات - 6 يونيو 2022, 7:57

موسم الهجرة إلى الشمال

بقلم: علي مالك عثمان
*************
السودانيون، ومنذ السنوات الأخيرة من عُـمْر نظام الإنقاذ، بدأت تتنامى فيهم ظاهرة الهجرة لخارج البلاد، نتيجة أسباب كثيرة ومتعددة، وكانت الهجرة ملحوظة بصورة أساسية وسط شريحتي الأثرياء والشباب. فالشباب كانوا يتطلعون للهجرة صوب الدول الأوروبية والولايات المتحدة والخليج. أما الأثرياء، خصوصاً أثرياء الإنقاذ، فكانوا يهاجرون صوب تركيا وماليزيا والخليج، خاصة دبي وأبو ظبي. وهجرتهم كانت بغرض الاستقرار النهائي وقطع أي صلات لهم بالبلد.

ولكن عقب انقلاب الـ ٢٥ من أكتوبر زادت معدلات هذه الهجرة بصورة واضحة وكثيفة جداً، خصوصاً لدولة مصر الشقيقة، حيث لاحظنا سفر السودانيين بأعداد كبيرة جداً، وظاهرة بيع السودانيين لبيوتهم ومدخراتهم من أجل شراء الشقق والاستقرار النهائي هنالك.

انقلاب الـ ٢٥ من أكتوبر مشكلته الكبرى في ظني لا تنحصر فقط في أنه زاد من تدهور الوضعيْن الأمني والاقتصادي، ولكنها في تقديري تكمن في إنهاء الأمل في النفوس من أي تغييرٍ أو إصلاحٍ قادميْن، وتبديد الرجاء في تحسن الأوضاع والغد الأفضل، خاصة بعد أن بدأ الناس يتلمسون، أواخر أيام حكومة حمدوك، الاستقرار في أسعار صرْف الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، وعودة التحويلات المالية من خلال الجهاز المصرفي الرسمي، واختفاء سوق الدولار السوداء، واستقرار سعر السلع الأساسية في الأسواق، وانخفاض معدلات التضخم، ليأتي الانقلاب ويقطع الطريق على كل تلك الإصلاحات، مما أصاب الناس بخيبة أمل كبيرة، جعلهم يتجهون وبأعداد كبيرة للهجرة إلى الخارج.

في ظني أن الهجرة لجمهورية مصر الشقيقة تحديداً لا تصلح إلا لقضاء الإجازات، أو العلاج، أو التعليم فقط، بمعنى أنه يجب أن تكون هجرة طبيعية كما كان يحدث في الماضي، ولا يجب أن تكون أبداً للاستقرار النهائي، لأنه ببساطة لا يوجد فيها مصدر رزق يمكن أن يعيش عليه هؤلاء المهاجرون، وذلك لأنها بلد ضاقت بأهلها، ومواردها شحيحة ومحدودة، وتواجه مشكلة انفجار سكاني، وأهلها لن يتركوا لقادمٍ إليهم مَوْرِدَ رزقٍ يقتاتَ منه. كما أن هجرة أي شعب لأي بلد إذا صاحبتها مظاهر سالبة، وتسببوا في خلق المشاكل لسكان تلك البلاد، كما بدأ يحدث الآن في مصر، ستفرض حكومتها بالتأكيد إجراءات للحد من تلك الظواهر، وهي بالتأكيد ستكون إجراءات في غير صالح أولئك المهاجرين، وستُعَـقِّـد من وجودهم هنالك، مما قد يجبرهم على العودة بعد أن يكونوا قد خسروا أسباب بقائهم في أوطانهم، وهذا ما يحدث بالضبط الآن للسوريين الذين حاولوا الاستقرار في تركيا، بعد الأحداث العاصفة التي ضربت بلدهم في السنوات الأخيرة، لكنهم الآن يتعرَّضون باستمرار لإجراءات حكومية، تُضيِّق من حرية تواجدهم واستقرارهم في تركيا. لذا لا أنصح أبداً بوضع كل البيض في سلة خيار الهجرة، وقطع الصلة تماماً بسوداننا الحبيب.

عليه أرى وبكل تواضع أن يَتمسَّـك الناس بالبقاء في أرضهم، وعليهم أن يدركوا أنه إذا تراجعت الدولة، سيتدبر الناس معاشهم، ولن يُفْـنَوْا عن بكرة أبيهم، وسينشأ عن غياب الدولة مؤسسات للاقتصاد والأمن البديل، وكذلك الصحة والتعليم وكل ما يحتاج له الناس، لكن بعد فترة من عدم الاستقرار هي التي نعيشها الآن.

السنوات العجاف، والظروف السياسية الصعبة تمرُّ بأيِّ بلدٍ، وبأيِّ شعب، ودائماً ما تكون هناك أجيال غير محظوظة تدفع ثمن الفوضى وعدم الاستقرار، وأن ما يمرُّ به السودان حالياً هو جزء من عدم الاستقرار العام الذي يضرب المنطقة والإقليم حالياً، وأن هذه موجة تسونامي ستصل ارتداداتها لكل دول المنطقة، ولن تكون هناك دولة استثناء. ولكن أيضاً يجب على الجميع أن يتذكر أنه لا توجد فوضى – مهما طالت – إلا وأعقبها استقرار، وأن الفوضى هي أولى عتبات النظام، كما يقول ابن خلدون، وأن عدم الاستقرار والفوضى لن يستمران إلى ما لا نهاية، وذلك لأن استمرارهما سيهدد مصالح الجميع، بما في ذلك الجهات والمليشيات التي خلقت هذه الفوضى وعدم الاستقرار، لذا ستلجأ تلك الجهات لفرض حَـدٍّ أدنى من النظام، تحافظ به على مصالحها. ونحن هنا لا نتمنى أبداً ضياع الدولة، وحلول المليشيات بدلاً عنها، لكن نقول إن ذلك ما سيحدث في أسوأ الفرضيات.

المرحلة الحالية التي يمرُّ بها السودان هي مرحلة فارقة في عُمُرِه، وهي مخاضٌ عسير، سينشأ عنها بلد مختلف تماماً، وجديد بالكُليَّة، غير ذلك البلد الذي كنا نعرفه في الماضي منذ الاستقلال، وسيُكـتَـب فيه الفرج والفرح لمن تحمَّل البقاء فيه، وصَبرَ على سوء أوضاعه، أو هكذا نظن.. مع الاعتذار لكاتبنا الكبير الطيب صالح في اقتباس عنوان روايته الأشهر.. والسلام.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.