‫الرئيسية‬ مقالات يا أُم أحمد دُقِى ألمَحْلب
مقالات - 5 يونيو 2022, 19:31

يا أُم أحمد دُقِى ألمَحْلب

يا للمفارقة، فالمحلب رفيق أفراحنا كما أتراحنا، مرة يتوسد رأس العريس فألاً حسناً، ومرة يُخلط مع عطور أُخرى (حنوطاً) لنودع أحِباءَنا مُطيّبِين كما نحب إلى مثواهم الأخير.. يا أُم أحمد دقي المحلب، ولكن أين؟ في توب أحمد؟ أم في (روب) أحمد؟ فأحمد قبل أيام قليلة كان خريجاً جامعياً، لم ينس أحمد يومها رفاقه الذين مضوا في درب الثورة، فجعل من أسماء بعضهم تذكاراً زين به قميصه وهو يتقدم لاستلام شهادته!! يومها لم يكن يدري أنه قد استعجل قليلاً، فلو صبر لأخبرهم بلسانه وهو بينهم الآن، ليحكي لهم أن “جانا كلب سِنُونُو صُفر.. حلب الناقة في الشُنقاقة” وما ذلك إلا لأنه (قلب) الهوبة في الراكوبة، غير أن الأنكى والأمر – كما تقول الاُحجية – أنه “شمَّ الدم وقال حرَّم ” فمارس إيغالاً في سفك الدماء البريئة!!!
عوداً على بدء، وفيما يشبه الفنتازيا أو ربما ما يفوقها خيالاً، زغردت أم أحمد وجثمان حبيبها المضرج بالدماء على بوابة منزله الذي فارقه قبل ساعات، زغردت حتى قبل أن تلقى عليه نظرة الوداع!! أحمد الذي وضعت على كاهله آمالاً عراضاً ليُقِيل عثرتها وليُبدِل حالها خيراً بعد كرب، ويسراً بعد عُسرٍ، فهي حينما تزغرد في حضرة جثمانه كأنما تقول له “ما دايرالك الميتة أم رماداً شح …. دايراك يوم لُقا بدمِيكَ تِتْوشَح” لم تكن أم أحمد في ذلك وحيدة، فلقد سبقتها في ذات درب الجسارة، السيدة نعمات أم الشهيد (على حب الدين) التي أطلقت يوم استشهاده ثلاث زغرودات سجلهن التاريخ بأحرف من نور؛ الأولى حينما كشفت عن وجهه بالمشرحة، والثانية حينما دخل عليها جثمانه بيتها والثالثة حينما ودعته مع المشيعين براً بوعدها له أن تزفه عريساً إن هو استشهد في حب الوطن!!!
ما هذا التسامي يا أُمهات، ما هذا النُبل وما هذه الجسارة!!! وكيف لان القلب واحتمل بعد أن انفطر!! ومنذ متى وأنتن تخْفِين كل هذه الجسارة في تلابيب الحنية الصفة المركوزة في قلوبكن منذ بدء الخليقة، حتى غنى مغنينا “أماتي القِبيل بي حِنَّهِن لجَّـنِّـي …. كَـرْفَـه وقَـلْـدَه كيف شوق اللبن رَجَّـنِّـي!!”.
أي ثورة تلك التي ما فتئت تضيف إلى قاموس معانينا كلِ يوم مأثرةً جديدة وقيمة مضافة ووعى جميل، ما هذه الثورة التي تجعل الأم تزغرد عند أقسى لحظات حياتها ألماً ولوعة!!! فهل فهم الطغاة المعنى والمغزى!!! أشك. فالطغاة وحملة مباخرهم يعتقدون أن فوهات البنادق كافية لزلزلة العقول وزعزعة القلوب ومن ثم انحسار المد المقاوم، لكنهم ما دروا أن كل نقطة دمٍ جديدة تفجر شلالاً من العنفوان الثوري الذي يتمدد كل يوم ليكسب مساحاتٍ أرحب ويستقطب فئات اجتماعية كان أكبر سهمها – حتى الأمس القريب – الدعوات الصادقات بأن يحفظ الله أبناءهم ويقيل عثرة بلدهم، أما الآن فهم بجانب أبنائهم وبناتهم موكباً إثر موكب.
ما لا يريد الطغاة فهمه أن هذه الثورة، كما قال جيفارا “قوية كالفولاذ، حمراء كالجمر، باقية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن”. فهل من حب أكثر وحشية من حب الشهداء وأمهاتهم للوطن!!! ما يجب أن يعلمه الطغاة، أن القهر وسفك الدماء لم يمنعا قط نظاماً استبداديا من السقوط، ولو فعلا لما سقط أخ لهم من قبل بدأ عهده بمسمارٍ على رأس طبيب وأنهاه بخازورق أسفل جسد معلم، ثم ذهب غير مأسوف عليه للإصلاحية – حُكماً مضروباً – علها تُصلِح ما افسدته سنوات السلطة المطلقة، بينما توزع إخوته بين الفيافي هرباً من حكم العدالة حتى أتى بهم سلطانكم للواجهة مرة أخرى ليُسفِهوا مضامين الثورة وأحلام روادها بعدما أمنوا العقاب، فتساؤوا الأدب، لكنها عودة إلى حين!!
أن تصل هذه الثورة إلى مبتغاها، هذا أمر لا جدال فيه، لكن ما يستحق الجدل بأي كُلفة وبأي ثمن؟ كم هي الأمتار المكعبة المطلوبة من الدماء البريئة لتكون ثمناً مناسباً حتى يُرخِى القاتل إصبعه عن زناد بندقيته.. وكم هو الارتفاع الكافي للجدار الذي سيفصل بين الشعب ومؤسساته الأمنية حتى ينتبه ولاة أمر تلك المؤسسات أن لا أحد بعد اليوم ستراوده أحلام “شعب واحد … جيش واحد ” أو “الشرطة في خدمة الشعب”، فإن لم يتسع وُسع قيادات تلك المؤسسات لأحلام الوطن الكبيرة، فلا أقل من أن ينتبهوا للهوة السحيقة التي انحفرت عميقاً في الوجدان!!

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.