‫الرئيسية‬ مقالات وهل بين “القنافذ” أملس؟
مقالات - 5 يونيو 2022, 8:29

وهل بين “القنافذ” أملس؟

الجميل الفاضل

بدا لافتا تنامي وصعود معدل الانقلابات العسكرية في السودان إلى درجة مخيفة ومزعجة للغاية.
ارتقي السودان بسبب هذه المحاولات إلى صدارة الدول الأفريقية التي باتت تتكرر فيها ظاهرة الانقلابات العسكرية.
التكاثر الانقلابي:
وبالطبع فإن وضعا كهذا يستدعي إجراء تحليل ودراسة معمقة لمسببات انتشار ظاهرة التكاثر الأميبي للانقلابات على نحو متقارب، وبوتيرة متسارعة خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وأستطيع تصور أن السمة المشتركة بين كل المحاولات الانقلابية التي جرت مؤخرا.. هي أنها انقلابات من داخل صندوق الانقلاب الأم “انقلاب الثلاثين من يونيو”.
و بطبيعة الحال لا ينظر إلى الانقلاب من داخل الصندوق، على أنه انقلاب مثله مثل أي انقلاب آخر كما جرت العادة والعرف.
انقلاب الصندوق:
ولعل أصدق نموذج لانقلابات الصندوق، انقلاب رئيس هيئة الأركان السابق الفريق أول هاشم عبدالمطلب الذي حكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن تسع سنوات.
هذا الانقلاب الذي اعتقل قائده في ١١ من يوليو ٢٠١٩.. أنهته بجرة قلم مجرد مكالمات هاتفية من شيوخ الحركة الإسلامية الذين يفترض أنهم قابعون في السجن.
لكن الفريق عبدالمطلب الذي أكد أنه قد انتمى للحركة منذ أن كان برتبة ملازم قال: “عوض الجاز قال لي ما تعملوه، والله كرتي قال لي ما تعملوه هؤلاء ناسي، نافع كذلك، ما شاورتهم لكنهم اتصلوا علي”.
انتبه قليلا إلى قول قائد الانقلاب: كرتي قال لي “هؤلاء ناسي” كان ذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من عزل البشير.
المهم قطع الفريق هاشم بأن نافع علي نافع، وعوض الجاز، وعلي أحمد كرتي، طلبوا منه عدم المضي قدما في الانقلاب.
الانقلاب التكتيكي:
ومن انقلابات داخل الصندوق، التي تنفذ فيما يبدو لأغراض تكتيكية محضة.. انقلاب اللواء الركن عبدالباقي الحسن بكراوي قائد ثاني سلاح المدرعات، هذا الانقلاب الذي نفذ في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي، ورغم نجاحه الميداني في الاستيلاء على بضع وثلاثين محطة عسكرية بالعاصمة، إلا أن قائده آثر أن ينهي عمليته الانقلابية دون الكشف عن تدخلات لرفقاء السجن من شيوخ الحركة، واكتفي بكراوي بالحصول على تعهدات لا يعرف كنهها من رئيس مجلس السيادة الفريق اول البرهان.
المهم فإن انقلابات البيت الواحد ذات طابع خاص، مثلها مثل الخلافات الأسرية التي ينبغي ألا تخرج تفاصيلها للعلن، ولعامة الناس.
وهذا ربما يفسر لماذا لا تعلن على ملأ كامل نتائج التحقيقات، وحتى تفاصيل المحاكمات لمن يحاول انقلابا فاشلا ضد السلطة، وهو من آل البيت.
إذ للحركة الإسلامية منظومة فقهية متكاملة.. تعتبر أن ستر عورة الحركة عن الخصوم والأعداء، مقدم على إشهار الأحكام، وعلنية مثل هذه المحاكمات.
ومن هذه المنظومة الجامعة المانعة.. فقه السترة، وفقه التحلل، وفقه الضرورة، وفقه المرحلة.. وهلمجرا.
الكيل بمكيالين:
وهنا ـسطع نموذج تطبيقي لجدليات الفقه المقارن بين من تشيخوا في غيبة الترابي.. الوثائقي الذي بثته (قناة العربية) تحت عنوان (الأسرار الكبرى لحركة الإخوان المسلمين في السودان) والذي تضمن في إحدى حلقاته سجالا بين على عثمان محمد طه وأمين حسن عمر حول انقلاب العميد محمد إبراهيم عبدالجليل الشهير بـ (ود ابراهيم) الذي وقع في العام ٢٠١٢.
قال علي عثمان مخاطبا مجلس شورى التنظيم: “الانقلاب دا عملوه إخوانكم ديل، وعندما ذهبوا لاعتقال ود إبراهيم قال ليهم: هل اعتقلتوا غازي؟. قالوا ليهو لا.. وأنا أعتقد أن هذا هو الخطأ الثاني، لأنه برضو بالعاطفة والحديث إننا لا نريد أن يشمت علينا الآخرين، وبالكلام عن أنه لا، حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه وكذا، شخص يريد عمل انقلاب على الدولة، لو كان شيوعيا أو يساريا لكان مكبلا بالأغلال في السجن إذا لم يعدم، ونحن في يوم واحد أعدمنا ٢٨ ضابطا، لم يكن لديهم أي شيء غير أنهم يريدون القيام بنفس الذي يريد القيام به ود إبراهيم، وفتح الرحيم، ومن ورائهم من إخواننا، وجاءوا إلى المحكمة واعترفوا بأنهم يريدون عمل انقلاب.. انقلاب مفكروه وكتاب رأيه وبرنامجه السياسي، هم هؤلاء الإخوان تحديدا، نحن لا نتحدث لأننا نريد تصفية حساب مع شخص، نحن لدينا أمانة ينبغي أن نحملها، وأن ركبنا في ذلك المخاطر”.
أمين حسن عمر كان يرى غير هذا الرأي قائلا: “أعتقد أن الأمر في منزلة بين المنزلتين، لم يكن أمرا فكريا محضا، لكنه بسوء ظن من إخوتنا هؤلاء.. ان إخوانهم لن يمضوا في قضية الإصلاح، لذا قاموا بعمل خط تاني، إذا مضى الإصلاح كما يريدون، لكن للأسف بعض الناس يعتقدون أن الإصلاح هو الصورة التي تكونت في أذهانهم.. وهذا دليل على أننا بلغنا مبلغا من حسن الظن بأنفسنا، وأحيانا انحيازا لحظوظ أنفسنا، مبلغ يحتاج لمراجعة صادقة”.
– ثم انفجر أمين باكيا – وعاد للقول: “بعض إخواننا الذين كانوا رفاقا في الجهاد أصبحوا يقتلون إخوانهم ويستحلون الدماء”.
هي صورة الدولة التي قال البشير للترابي إنها ملك الحركة الإسلامية.
الإخوان فيها متكافئون يسعى بذمتهم أدناهم، ويجب ألا يعاملوا معاملة الآخر في كل شيء.
انقلابا البرهان:
لكن ربما ينشأ سؤالا هنا عن محل انقلابي البرهان الأول والثاني وفق قواعد الإعراب الانقلابي للحركة الإسلامية.
أتصور أن اختلاف طبيعة الظرف الذي تواجهه الحركة الآن يضع انقلابي البرهان في الرابع من يونيو ٢٠١٩ وفي الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي في خانة أنها انقلابات تصحيحية لإزالة الانحرافات التي أفرزها واقع ما بعد الثورة، من محاولات للقضاء علي مشروع الحركة الحضاري، ومساعي تفكيك بنية نظامها، من منظور الحركة بالطبع.
ولذا فإن تصحيح البرهان لمسار الثورة، هو التصحيح الذي يسلم الثورة “صرة في خيط” ليد أعداء الثورة.
أعتقد أن البرهان يريد تصحيحا لمسار الثورة، يعيدها إلى مسار الترابي الأول الذي يمضي على قضبان (قطار الإنقاذ).. وهو قطار مشرع الأبواب لكل من يريد أن يركب في صوالين عربات الركاب، خلف قمرة القيادة.. هو قطار لا ينبغي له أن يغير وجهته لأنه صمم لكي يذهب بكل من ركب، إلى المحطة التي يريدها القطار، لا المحطة التي يريدها الركاب.
بل إن تصحيح المسار الذي يسعى له البرهان.. لا يختلف كثيرا في تقديري عن مسار البشير الذي رسمه في (خطاب الوثبة) الشهير، وما عرف بـ (الحوار الوطني) ومخرجاته، من (وثيقة قومية) وما إلى ذلك.
لقد بات في حكم المؤكد عندي.. أنه ليس بين هذه (القنافذ) أملس.

حالتي
أشهد ألا انتماء الآن
إلا إنني في الآن لا

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.