علي محجوب النضيف
‫الرئيسية‬ مقالات سلام جوبا والبكاء على اللبن المسكوب
مقالات - 5 يونيو 2022, 6:35

سلام جوبا والبكاء على اللبن المسكوب

علي محجوب النضيف
عندما شنت الحركة الإسلامية الحرب على شعوب دارفور، لم يكن دافعها توطين الأسلام والغيرة عليه وخاصة دارفور لم تكن غريبة عن الإسلام، بل يتباهى سكانها بعظمة رعايته في موطنهم ومنبت الرسالة بكسوتهم للكعبة المشرفة. الأزمة في دارفور امتداد لأزمات السودان وشعوبه التي ترزح في الفقر والعوز المسبب بتكالب عناصر الاستغلال من الرأسمال الدولي والإقليمي ووكلائه المحليين الذين تشكلوا في حلقات مافيات وعصابات تتحكم في موارد الدولة وقوت المواطن.
الصراع في دارفور صراع مصالح، بالأحرى صراع طبقي، وهذا ما يفسر أن القمع والقتل الممنهج كان بمباركة واشتراك أبناء دارفور أنفسهم من داخل الحركة الإسلامية، وما ارتبطت مصالحهم بها، وفي الجانب الاَخر انقسمت الحركات المسلحة الي فصائل منها القبلي والجهوي. عندما توحدوا في كتلة الجبهة الثورية سرعان ما انقسموا إلى فصائل متنافسة ركزت علي القطب المضاد للحل والمطوّر لطموح التسيد على السلطة والحكم، وليس قطب التنمية، وإزالة جذور الأزمة والمظالم الذي يهم الجماهير التي انتهى بها المقام في معسكرات النزوح والمنافي.
أين موقع قادة سلام جوبا من الثورة والسلام؟
وعندما أقول الثورة أعني الحرية والسلام والعدالة. تكاملت مجموعة من الشروط التأسيسية والمعايير قادت إلى نجاح ثورة ديسمبر، منها وجود شبه إجماع شعبي على مطلب تغيير النظام، والتجانس بين أبناء الشعب وتوحدهم، وانكسار حاجز الخوف ضد نظام الإنقاذ بسبب القمع الذي كان يمارسه منذ تأسيسه، الذي وسع دائرة الحرية في الدواخل بتراكم التجربة والوعي. هذا هو قانون الثورة الأساسي. فشل النظام في إدارة شؤون مواطنيه ووصل المواطن لقناعة أن هذا النظام فاشل، ولم يعد له القدرة على الاستمرار، ولابد من زواله. والواقع أن التجربة السودانية المستلهمة تجاربها السابقة في التنظيم وإفراز قيادتها من داخلها في خضم المعارك، وخبر معادنهم بعد كسر حاجز الخوف لدى الجماهير، كما رأينا كيف كان يكون الالتزام بقرارات القيادة، وكيف كان يتم فيها الاتفاق على تجمع الثائرين في مكان محدد، وانطلاق المسيرات من داخل الأحياء مع دعوة المارة لعدم الخوف والانضمام للجموع المتزايدة المزينة بهتافات من وحي تجربة ومعاناة الجماهير والمواطن العادي البسيط، مما ضاعف من ذلك قرب الناس بعضهم من بعض وتواصلهم إلى أن تنتهي التظاهرة بصلاة جماعة، وكان المشهد الأكبر في اعتصام القيادة وشعار كل البلد دارفور. فالحركات استمرت في المقاومة بزاد مواطنيها الذي كانوا أحد أسلحتها القوية التي شكلت لها الحماية والبقاء في ارض المعركة وحاضنتها الجماهيرية الحقيقية على أرض الواقع وليس في جمهورية الموز أمام القصر الداعية لإجهاض الثورة وتأييد الانقلاب.
السلام واصطياد الجبهة الثورية وتجار البنادق:
التفرّق غير المنظّم، أو حدوث انشقاق داخل قوي الثورة كان هو معول احتضان القادة المشرئبة عيونهم وعقولهم على السلطة والمناصب. فبالرغم من أن نداء السودان كان حاضنتهم التي يرعاها الأمريكان والمحور وصولاً لتفكيك نظام الإنقاذ بانتخابات عشرين عشرين بهبوط ناعم، إلا أن دارفور كان لها وضع ووقع خاص وسط خلق مسارات لسلام شمل المناطق التي لم تكن مسرح صراع أو حروب في السودان. كان الواضح أن اللجنة الأمنية لنظام المخلوع وحلفائها تسعى في اتجاه المراوغة بطرح المصالحة والتوبة بادعاء الرغبة في المشاركة والبناء وإعادة دارفور إلى عهدها الآمن. فرأينا الزيارات الماكوكية إلى الإمارات وأم جمينا، التي قادت إلى تدجين قادة الحركات، فبدلاً أن يدركوا أن الثورة يجب أن تكمل طريقها بلا خصم لأهدافها، وأن القوة أصبحت في أيديهم في مواجهة من قتل اهلهم ودمر ديارهم، وإنه إذا لم يتم القضاء على النظام بكل جيوبه في الحال سيرجع مرة ثانية لامتلاك القوة ويذبح الثورة وقضيتهم. سخرية القدر جعلت حميتي والكباشي أشجع من فكي جبريل ومناوي في طرح قضيتهم اتجاه دارفور. فالثورة والسلام وجهان لعملة واحدة، فالسلام لا ينفصل عراه من الثورة والقضية لا تحمل المساومة، خاصة أن أصحابها لا زالوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء وعينهم على حقهم في عدالة قتلاهم الذي يكبلهم حزنهم وفجاعة ارتكاب جرائم القتل وحرق قراهم. فالثورة والعدالة لا تعرف قبول المساومة مع النظام الذي ثارت عليه، فهؤلاء تمرسوا على الانحناء للعاصفة، كما رأينا كيف كان في البداية يتم شيطنتها ثم عندما اشتد عودها بدأ الحياد تجاهها، ثم عندما انتصرت سعت مكونات النظام إلى تأييدها، وادعاء المشاركة فيها.. فلا مساومة ولا مشاركة، حتى تظل الثورة مبرئة من لوثة النظام القديم، وقادرة على بناء سلامها وإزالة مظالمها.
فما حدث في جوبا سلام نموذج الإنقاذ من غير أمبيكي، فالضحايا في المعسكرات ومنافي النزوح يعرفون تماماً ما هو الثمن البخس الذي بعيت به معاناتهم وقضيتهم. فالسلام يتطلب تحقيق شرط وجود قيادة واعيةٍ ذات إرادة صلبة، واستيعاب دورهم المهم في اللحظة الثورية، ولديها وضوحٌ بشأن الأهداف، وعدم الاستعداد للمساومة في الطريق إلى تحقيقها.
فالقضية قضية الثورة السودانية والسلام أحد شعاراتها الأساسية، فما حدث في جوبا ابحثوا له عن اسم!!
ماذا قال تشئ جيفارا عن الثورة؟ “الثورة يصنعها الشرفاء، ويرثها ويستغلها الأوغاد. أنا لا أملك وطناً لأحارب من أجله، فوطني هو الحق. إذا لم يجد الإنسان شيئاً في الحياة يموت من أجله، فإنه أغلب الظن لن يجد شيئاً يعيش من أجله. مثل الذي باع بلاده وخان وطنه، مثل الذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه ولا اللص يكافئه”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.