مقالات - 4 يونيو 2022, 9:35

أغدا نعود؟

الجميل الفاضل

وهنا أيضا يتقاطع شارعان على جسد. جسد هو جسد هذا الوطن المثخن بالجراح، جراحه التي لا زالت طرية، مفتوحة، ترعف يوميا منذ أن كتب هؤلاء الجنرالات الخمسة أول سطر بالدم في كتاب سيرتهم، قبل ثلاث سنوات، في مثل تاريخ يوم أمس من العام ٢٠١٩.
ذلك اليوم الدامي الذي ولغت فيه جحافل قوات تحت إمرة هؤلاء الجنرالات في أول دم طاهر حرام، بكافة المقاييس.. مقاييس الانسانية، والوطنية، والدين.
إنه دم صائمين لربهم متقربين إليه زلفى، دم مقاومين سلميين لجور سلطان غاشم.. دم سفح على أعتاب وبوابات قيادة جيش يفترض أنه جيشهم، وجيش بلادهم الذي من شأنه أن يحميهم، ويحمي البلاد بما فيها، ومن عليها.
لقد تخير هؤلاء القتلة الذين نفذوا تلك المجزرة بتدبير شيطاني محكم ودقيق.. أن يحيلوا غداة يوم عيد مبارك يتهيأ فيه الناس عادة لفرحين، إلى يوم حزن يتشح بالسواد.
ليضحي الدم هو المداد المتاح الذي كتب به الجنرالات الانقلابيون أسماءهم في سفر التاريخ.
بل لقد صار دم الثالث من يونيو الذي تحل ذكراه المشؤومة غدا.. أثقل دم في تاريخنا على الإطلاق، دم لازالت تنوء بحمله العصبة المتجبرة أولى القوة، تئن تحت وطأته أقدامهم لتغوص اكثر في وحله كلما أستشعروا قرب يوم للسؤال عنه، أو للحساب عليه.
فقد حق لأسرة أشهر شهداء ذلك اليوم “عبدالسلام كشة” أن ترفض محاولة بعثة الأمم المتحدة إحالة ذكرى أسود يوم في التاريخ القريب لمجرد محطة احتفائية دون فعل يوازي قبح أبشع جريمة ضد الإنسانية ارتكبها تتار هذا العصر.
جريمة لخصها تقرير صادم صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” أشار وفق صحيفة “يو اس توداي” إلى أن ” اكثر من 15 ألفاً من الأفراد شاركوا في فض ذلك الاعتصام، بينهم مدنيون من المليشيات التي تتبع لنظام البشير الإسلامي”. وأشار المصدر الى ان لديه مايثبت ان الف وثمانمائة من المعتصمين قتلوا وحرقوا، ودفنوا في مناطق مختلفة من أطراف مدينة أم درمان. وإن أكثر من أربعمائة وسبعين آخرين تم تنفيذ حكم الإعدام فيهم ليلة “فض الاعتصام”.
إذ يرجح وفق روايات شهود عيان أن القوات التي نفذت المذبحة تتكون من هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن السابق، إلى جانب عناصر من قوات الدعم السريع، والشرطة الشعبية، وكتائب الأمن الطلابي، اضافة لقوات مكافحة الشغب، وكتائب الظل التي كشف عن وجودها علي عثمان محمد طه، وكتائب يعتقد أنها تتبع لقوات الدفاع الشعبي جاء بها أحمد هارون، إضافة لقوات الأمن الشعبي التابع للتنظيم الإخواني.
هي كلها فصائل عقائدية مسلحة عالية التدريب، كان من المنتظر بفضها للاعتصام وبتلك الوحشية المفرطة أن تكون قد كسرت عزيمة وإرادة الثوار وأجبرتهم على التراجع، توطئة لاستعادة النظام أراضيه التي فقدها تحت وطأة الضغط والحصار الجماهيري المطبق على مقر قيادة الجيش.. الأمر الذي أفقد اللجنة الأمنية سيطرتها على أعصابها وعلى الأوضاع.
وبالتالي فإن “فض الاعتصام” كان يعد آخر محاولة حينها لإعادة الإسلاميين إلى السلطة بعد أن ألغى البرهان مباشرة اتفاقه التمويهي مع تحالف الحرية والتغيير في الرابع من يونيو ٢٠١٩، مؤرخا لانقلابه الأول ضد الثورة ولصالح الإسلاميين بعد يوم واحد من تنفيذ أبشع جريمة.
تلك الجريمة الصادمة التي كان يعول على أن صدمتها ورعبها كافيان لهزيمة الثورة، لولا الدرس القاسي الذي لقنه الشعب لهؤلاء الجنرالات واستطاع من خلاله أن يقلب الطاولة على رؤوس التنظيم المدبر ومجلسه العسكري بضربة واحدة في الثلاثين من يونيو.
المهم فإن هذه الفصائل الخاصة التي صنعها الأب الروحي للحركة الإسلامية حسن الترابي على عينه منذ سبعينيات القرن الماضي تقوم على أن الاستحواز على مكامن القوة المادية المسلحة للدولة، يكفي وحده لإحكام السيطرة على الدولة برمتها، وبالتالي على مستقبل حكم البلاد.
َحيث أقر الترابي في برنامج شاهد على العصر بقناة الجزيرة: بأنهم قد بدأوا بإدخال عناصرهم في الجيش منذ السبعينيات، فضلا عن أنهم قد أسسوا تنظيما أمنيا خاصا فاقت مقدراته وقوته مقدرات جهاز الأمن في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري.
وعطفا على هذا التصور يعتقد غالب الإسلاميين أن انقلاب الثلاثين من يونيو جاء كميلاد لدولة الحركة الإسلامية التي جادل البشير شيخه الترابي حولها بعد إعلان الأخير حل هذه الحركة نفسها بقوله (أي البشير) : قلت له الدولة ملك من يا شيخ حسن؟.. فنحن مقتنعون بأنها ملك للحركة الإسلامية.
واستطرد البشير مذكرا شيخه بأنه يوم أن أتاهم وهم ضباط بالجيش وقال لهم: إن إخوانهم قرروا تسلم السلطة.. أضاف البشير أنهم كضباط لم يسألوا الترابي حينها من هم إخوانهم الذين قرروا تسلم السلطة وأردف البشير: بل قلنا له سمعا وطاعة.
من تاريخ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا اعتقد أن كثيرا من الدلائل تشير إلى أن أجهزة الدولة العسكرية صارت إلى ما يشبه غرفة تحكم وسيطرة سرية لحركة الإسلام السياسي على الحكم بل وعلى البلاد.
فالأستاذ المحبوب عبدالسلام في كتابه “الحركة الإسلامية.. دائرة الضوء، وخيوط الظلام” يقول إن الحركة الإسلامية استثمرت انخراطها في المصالحة مع نظام نميري بتوسعها في اختراق الأجهزة النظامية بتجنيد ضباط في الجيش والشرطة، وفي تدريب طائفة من عضويتها المدنية عسكريا لإنفاذ خطة ترمي لحماية الحركة آنذاك تطورت لاحقا لخطة إعداد لاستلام السلطة بانقلاب عسكري وهو ما حدث بعد ذلك في العام (٨٩).
فالبشير اعترف في وثائقيات قناة العربية بتحكم الحركة وسيطرتها على الدولة بقوله: “الإخوان يتواجدون الآن في كل مفاصل الدولة.. كل مفاصل الدولة يمسك بها الإخوان.. والناس الذين عابوا علينا اننا أتينا بالإخوان الآن شاهدوا ما حصل بمصر، لأن مفاصل الدولة كلها هناك ضد الإخوان أزالوهم في يوم واحد”.
وعلى عكس ما حدث لإخوان مصر وفق تفسير البشير فإن الردة والتراجع الكبير عن أهداف ثورة ديسمبر المجيدة بعد انقلاب البرهان تؤكد أن سيطرة الحركة على السلطة في البلاد لم تتأثر باقتلاع رأس النظام عمر البشير، ولم تتراجع بالطبع.
ويعتقد على نطاق واسع أن من دواعي انقلاب الجنرالات في 25 أكتوبر الماضي على سلطة الفترة الانتقالية، تنامي الضغوط على لجنة نبيل أديب لكشف نتائج التحقيق حول مجزرة القيادة العامة.
وبالطبع فالانقلاب هو عين ما حذر من احتمال وقوعه المحامي نبيل أديب رئيس لجنة التحقيق الوطنية المستقلة التي شكلها رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك في سبتمبر من نفس العام.
حيث قال أديب لمجلة “نيو لاينس” الأمريكية: (إن إعلان نتيجة التحقيق يمكن أن يؤدي إلى انقلاب عسكري، أو اضطرابات جماهيرية في الشوارع).
وتقول المجلة التي التقت أديب في النادي القبطي بالخرطوم: (إن المحامي نبيل يدرك مدى حساسية عمله في لجنة التحقيق، و ما سيكون له من تأثير كبير، بل ومدمر على بلده).
ولعل هذا ربما يفسر أسباب تأخر اللجنة في إعلان نتائج تحقيقاتها إلى يومنا هذا رغم مضى أكثر من ثلاث سنوات على تكوينها.
وإلى ذلك يبدو أن مسألة إماطة اللثام بالكامل عن حقيقة الجناة في مجزرة القيادة العامة، قد باتت تشكل هاجسا مفزعا يفترس جنرالات المكون العسكري ليل نهار، وإلى حد دفعهم لإدراجه ضمن أهم الشروط السرية لاتفاق جوبا مع الحركات المسلحة الذي تم على يد اثنين من قادة المكون العسكري هما حميدتي وكباشي.
وكان مني أركو مناوي قد اعترف في وقت سابق بوجود اتفاقيتين إحداهما معلنة فوق الطاولة، والأخرى سرية تحتها.
وفي ذات السياق كشف المحامي والحقوقي والقيادي السابق بحركة تحرير السودان عبدالعزيز عثمان سام عن بنود وتفاصيل هذا الاتفاق السري التي لخصها في إغلاق ملف التحقيق في مجزرة اعتصام القيادة، إضافة لعدم تسليم رئاسة المجلس السيادى للمكون المدنى في الحكومة الانتقالية، ثم المشاركة في إبعاد أحزاب تحالف الحرية والتغيير من السلطة وفق ترتيبات معينة، والالتزام بعدم المطالبة بتسليم أى سودانى للمحكمة الجنائية الدولية،
فضلا عن الاعتراف باستقلالية قوات الدعم السريع وخصوصية تكوينها.
أما مصير انقلاب البرهان الثاني، انقلاب ٢٥ أكتوبر.. الذي هو بمثابة الانقلاب العسكري الثالث للحركة الإسلامية، فإنه لا يزال يغالب سكراته الأخيرة على كف العفريت الألماني فولكر بيرتس، الذي لم يجد الإسلاميون بدا من لعنه على قارعة الطريق؛ بعد أن يأسوا من إمكانية استمرار انقلابهم على قيد الحياة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.