‫الرئيسية‬ مجتمع أخبار تقارير المسالمة.. قصة حي أفلت من التقلبات السياسية والدينية!
تقارير - مجتمع - 4 يونيو 2022, 8:27

المسالمة.. قصة حي أفلت من التقلبات السياسية والدينية!

 

تقرير – حمد سليمان

منذ الأزل عرف بالتعايش الديني والإثني تتوزع داخله دور العبادة الإسلامية منها والمسيحية، تمازجت فيه أنماط الحضارات المعمارية بطريقة شديدة التميز والثراء.
سلب ألباب الشعراء وصار ملهما ومرتعا خصبا لتدفق أشعار الغزل لسحر الحسناوات وما يميزهن من جمال، حتى أضحت “ظبية المسالمة” من أشهر الأغنيات التي ينشدها العشاق. حي المسالمة الأم درماني يعد من أعرق الأحياء يعود تاريخه إلى حقبة الدولة المهدية، يقولون إن الخليفة عبدالله التعايشي (1885_1899) هو من أطلق عليه الأسم (حي المسالمة) حيث اعتنق عدد كبير من سكانه المسيحيين واليهود آنذاك الإسلام وعرف أهله بأنهم مسالمون تتعدد القوميات والإثنيات التي تقطنه مع اختلاف الأديان، رغم طول السنوات ظل يمثل أنموذجا للتعايش، إذ لا شيء يجمع قاطنيه سوى المحبة والتواصل والتراحم والسلام.

يغلب على الشوارع الداخلية السكون والصمت إلا من حركة ضئيلة على الطرقات الرئيسة، تنوعت أشكال المباني كتننوع أهله، يعيشون ما بين أجراس الكنائس وآذان المساجد، وتعد الكنيسة الكاثوليكية الأعرق على مستوى أم درمان.
على منضدة إحدى القاعات بمحكمة جنايات أم درمان شمال وضع كتابي القرآن و الإنجيل ويجلس خلفهما (فرانسو) و (الطيب) قاضيان يقطنان في ذات الحي ويحفظان أسرار الذكريات الجميلة وعبق الماضي والتاريخ.

بالمحبة والإخاء والاحترام والتواصل لم يتأثر التعايش بالعواصف والتقلبات السياسية هكذا يقول القاضي فرانسو موسى توفيق لـ (مداميك)، ليمضي بالقول: “في الأعياد التعايش جميل جدا نبتادل الزيارات فيما بيننا”.

يؤرخ فرانسو لحي المسالمة بتأسيس الدولة المهدية في أواخر التاسع عشر، ويقول إن التسمية تعود لإعلان بعض المسيحيين إسلامهم، مؤكداً أن المنزل الواحد كان يقطن فيه المسلم والمسيحي يتعايشون فيما بينهم بصورة جميلة.

ويقول فرانسو موسى: المسلمين كثر في الحي يأتون إلى الكنيسة لتهنئتهم في الأعياد ويتداخلون معهم في الأفراح والأتراح، ويشير إلى أن بعض المسيحيين يعملون على حل مشاكل المسلمين كالعم حنا الدالي، وهناك مسلمون يعملون على حل مشاكل المسيحيين.
ويستشهد مولانا فرانسو بصورة التعايش بينهم لجهة أنهم يقومون بزيارة مقابر المسلمين واحتفالات الطرق الصوفية كحولية الشيخ قريب الله بودنوباي وشيخ الطريقة القادرية الأحمدية عبدالحفيظ، في وقت يستقبلون المسلمين أيضا في أعيادهم كعيد القديس مارجرجس، وأعياد مريم العذراء، القيامة، الميلاد المجيد. وامتدح توفيق أنموذج التعايش بينهما بقوله: “لدينا أنموذج فريد يجب أن يدرس ولا توجد دولة من الدول التي زرتها بهذا التعايش الديني الفريد، ولا يمكن أن تفرق بين المسلم والمسيحي”.

ونفى تعرضهم لأي تمييز أو اضطهاد طوال الحقب الماضية رغم التقلبات السياسية، ويروي فرانسو تفاصيل ما حدث عقب إعلان تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في 1983 بعهد الرئيس نميري (1969- 1985) وفواتح عهد الرئيس البشير (1989- 2019) بقوله: “عندما أعلنت الحكومة في بعض الأوقات تطبيق الشريعة أبدا البعض تخوفهم وبدأ عليهم الرغبة في مغادرة البلاد، ولكنني قلت لهم قلت لهم الشريعة الإسلامية تحمي المسيحيين لأننا لا نسرق ولا نكذب”. يعود سبب نجاة حي المسالمة بحسب توفيق من كل التأثيرات السياسية بحسب فرانسو إلى العلاقة الاجتماعية التي تربط بين سكان الحي مستندة على المحبة والاخاء والتراحم وتبادل الحب بينهم، بجانب التواصل وزواج بعض المسلمين من المسيحيين.
وقال فرانسو إنهم تأثروا بطقوس الزواج الحناء والرقص والأهازيج بجانب المشاركات المالية في الأعراس والأتراح، وأضاف بالقول: “من يعتنق الإسلام لا يجد منا الإقصاء أو العزل ويتعايشون معنا بصورة طبيعية”.

الطيب حامد الذي يعمل قاضيا بمحكمة جنايات أم درمان شمال قال إن الحي أنموذج للتعايش الديني والاجتماعي لجهة أنهم يتواصلون في كل المناسبات الخاصة والعامة، ويضيف بالقول: “آخر مناسبة للمسيحيين كانت عيد القيامة، أنا كنت معهم حضورا عندما زارهم حاكم ولاية الخرطوم لتقديم التهنئة”.
ويشهد الطيب خلال حديثه لـ (مداميك)، على مواقف عديدة لبعض المسيحيين في الحي يقومون بخدمة الضعفاء بتوزيع الهدايا والملابس دون تمييز بين الناس، مؤكدا أن المنزل الذي يقطن يقع بجواره مسكن مسيحي. وأضاف: “لدينا علاقات قوية وشخصيا أتواصل معهم كثيرا في المناسبات”.

تجسد رجاء فؤاد نموذج للتعايش مع جيرانها بصورة خاصة لدرجة دفعها بأي طعام تقوم بطبخه في حين أنها تتلقى نفس التعامل من جيرانها، مؤكدة أنها تتواصل في الأفراح والأتراح مع جيرانها. وأضافت في حديثها لـ (مداميك): “لا يوجد تمييز سوى من البعض ولكن الغالبية لا يميزون بيننا”. رأت رجاء فؤاد تأثر الجميع بالظروف الاقتصادية الحالية الأمر الذي أثر في العلاقات الاجتماعية، تمضي بالقول: “هناك أناس طيبون ولكن آخرين تعاملهم غير حميد ويعملون على التفرقة بيينا بقول إن هذا مسلم وذاك مسيحي”.

يرى محمد حسن مطاوع وشهرته (نبقة) في حديثه لـ (مداميك)، بأن هناك تمدداً لخطاب الكراهية والعنصرية في حي المسالمة الأمر الذي أثر على التعايش. ويتهم (نبقة) حكومة البشير بالسعي لتفكيك المجتمع عبر بث خطاب الكراهية والتحريض ويصف النظام البائد بأنها تمثل أسوا الحقب التي أدت لهجرة البعض ومغادرة الحي وأضاف: “لأنهم يعملون بالتجارة في الدين قاموا بتغذية قلوب وعقول المسلمين بشيء تجاه المسيحيين باعتبار انهم كفار وأعداء الله ولكنهم هم أعداء الدين”.
ويشير محمد حسن إلى أن الحي ظل لسنوات طويلة يعيش في حالة ترابط وتماسك بين المسلمين والمسيحيين، إلا أن الوضع اختلف باندثار تلك القيم عقب تدخل عوامل جديدة لم تكن موجودة مثل خطاب العنصرية وانتشار المصطلحات على شاكلة (حلبي، عبد) التي لم تكن موجودة في السابق. بحسب قوله. ونبه إلى تأثير المتغيرات على الحياة، ما أدى لضعف التواصل لدرجة انزواء كل شخص على ذاته وتفضيل بقائه في منزله والاكفتاء بالتواصل المحدود في بعض المناسبات.
ويؤكد نبقة على وجود تراحم بين السكان على مختلف أديانهم كتوزيع الأموال على الفقراء دون التمييز بينهم على أساس ديني.

ويرى أيمن نمر خلال حديثه لـ (مداميك)، أن الظروف الاقتصادية أثرت بصورة كبيرة على العلاقات الاجتماعية بجانب ضغوط الحياة اليومية، بجانب عدم استقرار البلاد. وأردف بالقول :”التواصل كان بخير خصوصا في المناسبات كالأفراح والأتراح”. على الرغم من التأثيرات التي أدت لإحداث تغيرات إلا أن نمر يؤكد قوة رابط الأخوة والتراحم والتعايش والضمير أقوى من الروابط الدينية. نافيا تعرضهم لأي مضايقات في ظل الحكومات السابقة. وأردف: “الحياة كانت مستقرة والبلاد في وضع أفضل”.

تقول ماجدة عطية لـ (مداميك)، إنها تعيش مع جيرانها بصورة طيبة دون التمييز بينهم كما الإخوة في التواصل والمناسبات بجانب التعامل الخاص فيما بينهم، مؤكدة أن أدوات العيش بسلام تتمثل في المحبة المتبادلة والمساندة لبعض في الظروف التي تستوجب المساعدة، نافية وجود أي مشاكل فيما بينهم أو إساءة أو حديث غير لائق. وأردفت: “الدين لم يؤثر في العلاقة بيننا ولا ندخله في علاقاتنا”.
ودعت الجميع إلى تقبل الآخر وإزالة الخلافات بين الناس من أجل العيش بسلام وأمان – حسب قولها- .

يؤكد أيمن فؤاد لـ (مداميك)، إن العلاقة طيبة في حي المسالمة منذ الأزل ولا تزال ويمضي بالقول: “عندما نقدم دعوة للمسلمين لو في الكنيسة أو أي مكان يقومون بتلبية الدعوة ويشاركونا الأفراح والاتراح والحالة واحدة”.
ويؤكد وجود تواصل وتراحم ومحبة و وتوافق وتوادد رغم اختلاف الأديان، ويعتقد تأثر العلاقات الحالية بشظف العيش بسبب الظروف الاقتصادية وغلاء المعيشة.

تم إنتاج هذه القصة بدعم من المركز الدولي للصحفيين ICFJ و Code of Africa

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 1 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.