السفير نصر الدين والى
‫الرئيسية‬ مقالات مبادرة الآلية الثلاثية هي الفرصة الأخيرة لاستعادة واستئناف الحكم المدني.. لماذا؟
مقالات - 31 مايو 2022, 20:16

مبادرة الآلية الثلاثية هي الفرصة الأخيرة لاستعادة واستئناف الحكم المدني.. لماذا؟

السفير نصرالدين والي
مبادرة الألية الثلاثية هي الفرصة الأخيرة لاستعادة واستئناف الحكم المدني.
لماذا؟
متابعة لمقالي السابق الذي جاء تحت عنوان (الاجتماع التحضيري…هو اجتماع الفرصة الأخيرة) بتاريخ ١٣ مايو الجاري. https://www.medameek.com/?p=90615
لماذا نقبل بمبادرة الألية الثلاثية (بعثة الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي و الإيغاد)؟
أولاً: لتجاوز عقبات أي انسداد أو تقاطع سياسي لابد من صيغة توافقية، والتوافق هو السمة التي تطغي علي الحلول المرضية لأي طرفي تفاوض، ولبلوغ الحل المفضي لاستعادة الحكم المدني واستكمال تطلعات الثورة والشارع السوداني العريض، لابد من التوصل لتوافق ما، فالتوافق، هو الحل الوسط، ففي ما يسمي بدبلوماسية الأزمة، فكل طرف في أي تفاوض يرسم خارطة تفاوضية بتحديد أعلى سقف لمطالبه، و هو يعلم مسبقاً بانه قد لا يتأتى له بالضرورة تحقيق أو الوصول لذلك السقف العالي، لأنه يضع في الحسبان بأن الطرف الأخر سيكون لديه سقف عال أيضاً، وهنا تتقاطع وتصطدم المطالب، وتبرز عقدة للعملية التفاوضية، ولتجاوز تلك العقدة يتنازل الأطراف عما حدده من سقف عال بتروي وحنكة، وهنا تتاح المسهلين بلوغ منطقة وسط، ولن تبلغ العملية التفاوضية هذه النقطة إلا عبر الـ concession و التوصل إليها من بين أهم مهارات التفاوض. وحنكة المفاوض تتجلى في طرح العديد من المآخذ الحقيقية والدفع بها لتقوية الحجة وتحصين الاستراتيجية التفاوضية ومن ثم التجاوب ببطء لما يطرحه الطرف الآخر، ونعلم أن أي عملية تفاوضية تستند لاستراتيجية تفاوضية محكمة ستأخذ حيزاً من الوقت، ولكن إن توقعات نجاحها تزداد بحكمة المتفاوضين وقوة حجتهم وطرق طرحها. ليتأتى التوافق، وتوافق طرفي التفاوض فيما نحن مقبلون اليه هو الطريق الأوحد المتاح في الظرف الذي تعيشه الثورة الان، فدون توافق مدروس لن تتمكن الثورة من استعادة الحكم المدني. وبداهة، فإن المرحلة الحالية تتطلب البحث عن صيغة للتوافق للخروج من الأزمة للحيلولة دون مزيد من الانزلاق نحو مصير مظلم ومجهول للبلاد، وتلك مهمة سيضطلع بها المفاوض الذي سيجلس ممثلاً عن الثورة.
ثانياً: مبادرة بعثة الأمم المتحدة التي انخرطت فيها وانضمت إليها جهود الاتحاد الأفريقي والايقاد أصبحت مبادرة ذات صبغة دولية وإقليمية تحت مظلة الآلية الثلاثية، وتعد في تقديري، أفضل الطرح المتاح وشبه المتكامل لإعادة داعمي الثورة لمائدة الحوار ولا أقول الاتفاق، لماذا؟ وأفضل ضمانة لأية اتفاق يتم التوصل إليه.
فعلى المستوى الدولي: تحظي المبادرة بسند دولي واسع، من الأمم المتحدة ومنظمتي الاتحاد الأفريقي والايقاد، بجانب دعم قوي من دول الترويكا (مملكة النرويج، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، و مجموعة أصدقاء السودان التي تتكون من (الأمم المتحدة، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، مملكة هولندا، النرويج، إسبانيا، السويد، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بجانب المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة) و انضمام كل من: الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومجموعة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي (في اجتماع مجموعة أصدقاء السودان في العاصمة السعودية في ١٨ يناير ٢٠٢٢) عزز من دور وهدف مجموعة أصدقاء السودان.
وعلي المستوي الداخلي، فإن السواد الأعظم للشعب السوداني داعم لمطالب الثورة، إلا النذر اليسير الذي تلجمه مصالحه أو مصالح حزبه الضيقة، ليتمسك بخيط العنكبوت، فالحراك الثوري العريض هو الحاضنة للمفاوض الثوري، وسنده الداعم، وسيكون له النصير لدي الإقبال على توافق يخرج الوطن من تلك المغارة بظلامها الدامسة، وتلك هي مهمتنا جميعاً ولكافة السودانيين الداعمين للثورة بالداخل والشتات.
إذن، فالآلية الثلاثية، والترويكا، و مجموعة أصدقاء السودان، والعديد من الدول، وعلي رأسها الولايات المتحدة تمثل الدعم الدولي بثقل سياسي واقتصادي كبير، والإتلاف والشركاء الدوليين هو نتاج نجاح الدبلوماسية التي دفعت بها الولايات المتحدة في الإسهام الفاعل لحل الأزمة السياسية في السودان علي مدي عمر الثورة، وحشدت في سياق في إطار ذلك شراكة دولية واسعة، وفي ذلك تكريس لنهج جديد ابتدعته إدارة بايدن، ويتمثل في حشد وإنشاء الشراكات الدولية والإقليمية لدرأ مخاطر انفراط عقد الأمن والسلم الدوليين، و الاستعاضة عن استراتيجية الولايات المتحدة السابقة والتي سادت الإدارات قبل بايدن، لتجنب الانتقادات الواسعة لافتقادها وافتقارها للسند الدولي ممثلا في قرارات وتفويض ملزم من مجلس الامن للتدخل لحل الازمات والصراعات والحروب. وقد رأينا ذلك في الأزمة الأفغانية، وبدرجة أقل في استعادة خطة العمل الشامل المشترك أو ما يتعارف عليه بالملف النووي الإيراني، كما تجسدت تلك الاستراتيجية الأمريكية الحديدة بشكل أكثر وضوحاً في الحرب الروسية على أوكرانيا، ونجاح الولايات المتحدة في حشد أكبر دعم شهده التاريخ المعاصر حيال أزمة سياسية وعسكرية ناشبة. ولا غرو فإن الحشد الدولي الحالي والواسع، وغير المعتاد لدعم قضايا السودان، يعد حدث فارق، ولربما يحدث لأول مرة في التاريخ المعاصر في دعم القضايا السياسية والأمنية للسودان، وفي ذلك ولادة جديدة للدعم التنموي النوعي للسودان، لما يمثله من فرصة فريدة لتوفير مظلة ضخمة من الدعم للبلاد باستعادة الزخم الذي حصدته الثورة قبل الانقلاب، وهذا عين ما يحدونا للوقوف عنده. وفي تقديري، فإنه يمثل بالفعل حدثاً سياسياً دولياً فريداً وأكبر بارقة أمل وضمانة لدعم تنموي مرتقب للسودان، وهو عين ما ستحتاجه البلاد لتثبيت ركائز نجاح الثورة على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فبلادنا بوضعها السياسي والاقتصادي الهش لا قبل لها بتدعيم ركائز الحكم المدني دون سند دولي، فوعينا وواقعيتنا بعظم مشاكلنا وقضايانا وثقل التركة التي تنو بها أكتافنا في إقالة عثرة وطننا ووضعه مجدداً على طريق الانعتاق من التسلط والحكم الشمولي الذي تلوح طلائعه، وتحقيق غايات ثورتنا المجيدة، وحقن دماء أبنائنا وبناتنا، يحتم وضع أولي خطواتنا على الطريق المؤدي للنموذج الديموقراطي الذي سيرتضيه الشعب السوداني. ويتوجب علينا، عدم ترك تلك السانحة تمر دون تحل بإرادة سياسية قوية ومسؤولية وطنية. وجميعنا يعلم بأن هذا الطريق لن يكون مفروشاً بالورود ولكنه درب محفوف بالتحديات الجمة، وهو ما يستدعي وقوفنا صفاً واحدا ويد واحدة بتحلينا بإرادة صلدة للمضي في هذا النهج السياسي، الذي سيمثل لنا فرصة وحيدة ونادرة لإقالة عثرة الوطن.
ثالثاً: فنحن لا محال مقبولون على تسوية سياسية، تسوية لن تتأتى إلا بالتوافق، تسوية سيكون دونها تضحيات سياسية جسام، ولكننا نضع نصب أعيننا بأنها الطريق الأوحد المتبقي لنا لاستعادة وطننا من قبضة سلطوية نكاد نتقري ملامحها العسكرية والأمنية القابضة، فالسودان على حافة الهاوية، سياسيا وأمنيا، واقتصاديا، بجانب كافة تبعات وأشكال وتمظهرات الانهيار، ولربما عزلة دولية جديدة. وليس بخاف علينا بأن المجتمع الدولي الذي ما يزال يتخذ موقفا موحداً مع السودان يتمثل في أهمية وضرورة استعادة الحكم المدني، لن يستمر في هذا الموقف للأبد، وكانت أولى تمظهرات ذاك التوجه إرسال رسالة سياسية موحدة عبرت عنها زيارة المبعوثين الدوليين للسودان. وعلى مستوى الإدارة الأمريكية فإن إرجاءها تصنيف ما في وقع في ٢٥ أكتوبر من العام الماضي (بالانقلاب العسكري)، لن تتخطاه أعين المراقبين الفاحصة، فالإعلان عن هذا التصنيف يستتبع تطبيق عقوبات من الإدارة الأمريكية علي القادة العسكريين وظلالها ستقع حتماً علي البلاد والشعب السوداني، وبالتالي قفل باب نافذة الحوار، وتريد الإدارة الأمريكية الاحتفاظ بـ leverage لممارسة ضغط سياسي على القادة العسكريين باعتبارهم من سطا على السلطة بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، بجانب انتهاج دبلوماسية وسياسة تتمثل في الإشادة المستدامة للحراك السياسي، وشجاعة السودانيين والسودانيات ولجان المقاومة، والمكون المدني. وهذا الوضع السياسي سيتيح لها متابعة الدبلوماسية بشكل لصيق للتوصل للحلول السياسية.
و في سياق ذي صلة، نستذكر سلسلة من الانقلابات العسكرية التي اجتاحت أفريقيا، التي أدت إلى تغيير الولايات المتحدة استراتيجيتها السابقة، بأخرى تهدف إلى تجنيد الجيوش المحلية لمواجهة مختلف التهديدات الأمنية هناك، وذلك بالاستعاضة عن تلك الاستراتيجية بتدريب آلاف الجنود في مختلف الجيوش الأفريقية عبر البرامج العسكرية التي استهدفت دعم حلفاء أمريكا الأفارقة بالسلاح والتدريب في حربهم ضد الهجمات الخارجية ومكافحة الإرهاب، كمدخل لتمرير إستراتيجية الاحتواء ودرأ المخاطر الأمنية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة، فالانقلابات العسكرية، خاصة في أفريقيا دفع الحكومة الأمريكية إلى إصدار قرار يمنع تزويد تلك الدول بالتدريب والأسلحة مجدداً. ولكن أجرت الولايات المتحدة استثناء لقادة الانقلاب العسكري في مالي وبوركينا فاسو والمجلس العسكري الحاكم في السودان بالإضافة إلى إثيوبيا المتهمة بارتكاب جرائم حرب في تيغراي، ولكن ستتغير هذه الاستراتيجية الأمريكية في حال فشل محاولة الفرصة الأخيرة لاستعادة الحكم المدني في السودان، وسيتم ذلك عبر إعادة فرض عقوبات مشددة على قادة الانقلاب العسكري ومن ناصرهم من المدنيين في الاستيلاء على السلطة، وهناك تشريع أقره الكونغرس الأمريكي بغرفتيه وأجازه ليصبح قانون غير ملزم للرئيس بايدن.
رابعاً: وبقراءة مبسطة، نجد أن عدم تصنيف ما حدث في السودان في ٢٥ أكتوبر كانقلاب عسكري من قبل الإدارة الأمريكية، ليس نعمة للعسكريين، لا نقمة عليهم، وفي ذات الوقت يصب في مصلحة الثورة، ولكن إلى حين، وتتمثل غايته في حوار الفرصة الأخيرة عبر الآلية الثلاثية. وهذا من سأمه حفز المكون المدني لاتخاذ خطو خطوة جادة في طريق الحوار. والعسكريون يستشعرون قرب شبح العقوبات التي ستطبق عليهم وتخيم على مصالحهم، والعقوبات من جهة ستؤثر بل ستقعد بتعامل أي جهة اقليمية للتعامل مع الانقلابين. ونجاح الحوار يتطلب عدة أمور لإحداث النجاح المنشود للحوار، وفي أعلى سقفها، التحلي بالشعور الوطني المسؤول للمكون المدني بأطيافه كافة التي قبلت مبدأ الجلوس للتفاوض لقبول الحوار كسبيل وحيد للخروج بالبلاد مما تعيشه ويعيشه الشعب السوداني من انعدام للأمن، وقهر وتجبر سلطوي، وبطش، وتضييق، ومن استهداف معتمد واغتيال لرموز الثورة وقادة الحراك الثوري الشعبي الممنهج، والاستعداد لطرح القضايا العالقة كافة على مائدة التفاوض، للحيلولة دون العودة القهقرى، وعدم رفض الحوار كمبدأ ووسع شروط يصعب قبول المكون العسكري وهو يمسك بزمام السلطة، ويدير دفة الحياة السياسية والاقتصادية. إذن ماذا يجري في سياق المبادرة الثلاثية؟ من الواضح أن المبادرة الثلاثية تحظى بقول مبدئي والتزام بالمضي فيها وعبرها لاستهلال حوار سياسي، وما رفع مالك الطوارئ في كافة أنحاء البلاد، وإطلاق كافة السجناء السياسيين في البلاد، إلا أحد أهم الشروط الاستباقية التي تضمنتها المبادرة الثلاثية كمقدمة ضرورية لتهيئة الحوار، وهنا نبعث الترحيب الدولي بالخطوة، وهي الخطوة الأساس التي ظلت تنادي بها لجان المقاومة وأصحاب المصلحة، وليعلم أصحاب المصلحة بأنهم يدخلون الحوار ويجلسون على طرف مائدة التفاوض، مستندين إلى قاعدة سياسية عريضة و قوية، وبدعم دولي للشعارات وللقضايا والطموحات التي عبرت عنها الثورة، وهذا هو سلاحهم الحقيقي.
خامساً: ستنطوي التسوية المرتقبة على توافق سياسي، ربما سيكون قاس في بعض جوانبه، لكنه سيكون ضرورياً، فالعودة للحكم المدني لن يعطيها الجانب العسكري للجانب المدني على طبق من فضة، والمكون المدني ممثلاً في أصحاب المصلحة لن يتنازلوا عن المبادئ الأساسية للشارع السوداني والحراك الثوري، ولكن لابد من خلق منطقة وسط يلتقي فيها الجانبان من أجل الوطن، وتلك هي الأسس ينبي عليها أي تفاوض وتسوية سياسية. فإطالة العسكريين للموقف السياسي والأمني والاقتصادي الراهن للبلاد، سيجعلها رهينة لتمدد حكم سلطوي وقمعي، ففي نهاية المطاف فالعسكريون يعلمون أنهم لن يربحوا المعركة، وإستراتيجيتهم تتمثل في كسب الوقت، والخاسر في هذا الوضع ستكون مزيد من الأرواح التي زهق بإمعان في سلسلة عمليات الاغتيالات التي تقع على قادة الحراك الثوري، بجانب الاعتقال التعسفي الممنهج، والإخفاء القسري، والقتل خارج إطار القانون، وجر البلاد لمستنقع مجهول، ولن يصب ذلك بأية حال في مصلحة الثورة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.