منير التريكي
‫الرئيسية‬ مقالات عن الحزب الشيوعي السوداني
مقالات - 29 مايو 2022, 8:33

عن الحزب الشيوعي السوداني

منير التريكي
انتصرت ثورة اكتوبر ١٩٦٤م وأنهت حكم الفريق عبود وعسكر نوفمبر ١٩٥٨م. بعد فتر انتقالية مدتها سنة واحدة فقط تم إجراء انتخابات وتشكلت حكومة مدنية. تآمر الحكومة ونوابها ضد الحزب الشيوعي، وهذا اسمه منذ أكثر من ثمانين عاما. تم طرد نوابه السبعة المنتخبين من البرلمان في ١٩٦٧م. ألبت الحكومة بإعلامها الشارع وتم الاعتداء على دور الحزب ومحاصرته سياسياً واجتماعياً. الذريعة كانت ندوة تحدث فيها طالب منسوب للحزب.

العنف السياسي ضد الشيوعيين أنتج انقلاباً عسكرياً كامل الدسم. انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩م قام به اليسار المكون من الشيوعيين والقوميين العرب (ناصريين وبعثيين). استغل اليمين الديمقراطية لضرب اليسار. اللعب غير النظيف أنتج عنفاً غير قانوني. في ١٩ يوليو ١٩٧١م أي بعد سنتين انتهي شهر العسل بين نميري والحزب الشيوعي. رأى الشيوعيون أن نميري تخلى عن الاشتراكية ويجب تغييره وانقسمت لجنة الحزب المركزية بين مع وضد الفكرة. المؤيدون للفكرة نفذوا ما أسموه ثورة تصحيح. التحرك ضد مايو كلف الحزب الشيوعي ثمناً باهظاً. وجه نميري ضربة مؤلمة جداً للحزب. أعدم قيادات الشيوعيين. أضر ذلك بالسودان كله. خسر السودان مفكرين وقيادات وقامات رفيعة. سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب كان معروفاً عالمياً بذكائه وقدراته وخبرته. الشفيع بفكره التنظيمي المتقدم كان في قيادة اتحاد العمال العالمي. أشاوس مثل هاشم العطا وجوزيف قرنق وقاسم أمين وغيرهم شرفوا أهلهم في حياتهم وحتى لحظة إعدامهم.
يمكننا تصور الحزن العميق الذي مرت به فاطمة أحمد إبراهيم زوجة الشفيع وشقيقة الشاعر صلاح محمد إبراهيم. كانت مناضلة وناشطة وسياسية وأول برلمانية في المنطقة كلها. سبق بها السودان أفريقيا والعالم العربي والعديد من الدول الأخرى. الاتحاد النسائي السوداني سبق غيره بوقت طويل. يحفظ للحزب الشيوعي دوره التوعوي المهم جدا في مجتمع ترتفع فيه نسبة الأمية بدرجة كبير. نشاط الحزب وسط العمال والجماهير بصفة عامة ساهم بصورة كبيرة جدا في زيادة مساحة الوعي وتثوير المجتمع. شكل الحزب مركز استنارة في تعريف الناس بحقوقهم وتفجير طاقاتهم لصالح مجتمعاتهم. ريادة الحزب في المنطقة وعلاقاته المباشرة مع السوفييت والمعسكر الشرقي جعل السودان جزءاً من الفضاء العالمي. رغم نكبته ظل الحزب يعمل بمثابرة وسط الجماهير ويحتفظ بعلاقاته الخارجية. كانت تصلنا أحدث إصدارات الكتب وترجماتها والصحف والمجلات العالمية وأحدث الأفلام. كان لدينا فرق جمباز واكروبات وفنون شعبية وفي مثل هذه الأجواء نظمنا وفزنا بكأس الأمم الأفريقية ١٩٧٠م. وزارنا فريق سانتوس البرازيلي بقيادة الاسطورة بيليه. درسنا طلابنا في الاتحاد السوفيتي ورومانيا ويوغسلافيا. الروس كانوا يدعمون النضال ضد المستعمرين الأوروبيين. ارتبطنا بحركات التحرر العالمية. الخرطوم كانت محطة للمناضل مانديلا والعديد من الشخصيات المهمة. بنى السوفييت العديد من المصانع في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها. مصنع كريمة للفاكهة والخضر (الروس) أحدها. تعلمت أغلب الأحزاب أسس التنظيم من الحزب الشيوعي. كان الحزب يؤهل عضويته بأحدث ما أنتجه المعسكر الاشتراكي. وقتها كان المعسكر الغربي بقيادة أمريكا وأوروبا يلهث للحاق بالسوفييت. فاجأهم الروس بإرسال يوري قرقارين للفضاء.
الشيوعيون كانوا يمثلون كل ما هو جديد وحداثي. كانوا يشكلون حضارة العصر. بينما كان غيرهم ريفيين منبهرين بقشور الحضارة. كان الشيوعي السوداني ثائراً طليعياً مثقفاً متقدماً موسوعياً تنويرياً خدوماً مهذباً مواكباً لأحدث صيحات الموضة. بمثل هذه الصفات كان من الطبيعي أن يصبح الشيوعي نجماً ينال إعجاب الكثيرين والكثيرات. أعتقد أنكم الآن كونتم فكرة جيدة عن سبب الكراهية الشديدة التي يكنها عضوية اليمين السياسي للشيوعيين. وعن سبب تسمية المشروع الحضاري. وعن المسارعة إلى موسكو طلبا للدعم وعن إرسال الوفود باستمرار الي الصين. وعن الخوف الغريزي والتوجس الشديد من أي تحرك أو سكون للشيوعيين. وعن سر استغلال الجيش وجهاز الأمن والإعلام منذ مصالحة ١٩٧٧م وحتى الآن للنيل من الشيوعيين. وعن الاستهداف الواضح للشيوعيين والتضييق عليهم واعتقالهم والتنكيل الشديد بهم. وعن سبب نفور عامة الشعب السودان من تجار الدين. الشيوعيون هم أعمامهم وإخوانهم وأصحابهم وأساتذتهم. السوداني الحقيقي لا يفجر في الخصومة مهما كانت حدة الخلافات.
هناك مقولة قديمة منسوبة لأحد الدعاة يقول فيها إنه ذهب إلى أوروبا ووجد إسلاماً بدون مسلمين بينما في البلاد العربية وجد مسلمين بلا إسلام. وهو يشير إلى تحلي الأوربيين بصفات الصدق والأمانة واحترام العمل وغيرها بينما يفتقدها عند المسلمين.
من تجاربي الخاصة وجدت أن الشيوعيين يطبقون الدين وقيمه السامية في أنفسهم وبدون تباهي أو ضجة أكثر من خصومهم الذين يصرخون بذلك في مكبرات الصوت.

أقول هذا ولست شيوعيا ولم أكن يوما ولا أعرف حتى مقر الحزب الشيوعي السوداني.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.8 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.