‫الرئيسية‬ مقالات “الغواصون السمر” زبدة جيل ملحمي
مقالات - 29 مايو 2022, 0:50

“الغواصون السمر” زبدة جيل ملحمي

الجميل الفاضل

“الثوار الجذريون” هم الثوار حقا.. لا يساومون حول قضايا ما ثاروا إلا لأجلها، ولا يبيعون على قارعة الطريق مبادئ آمنوا بها، ولغيابها خرجوا لكي لا يعودوا دونها، ولكي لا يشتروا كذلك بثمن قليل زيف أحلام غالية كبرى، لا وجود لها بأسواق ومراكز التبضع الدولي الرخيص، التي يفتقر معروضها من السلع المستعملة المدارة، لمواصفات ومقاييس الجودة الثورية العالية، ذلك كله فضلا عن افتقار وسطاء هذه السلع المزجاة وباعتها ومروجيها، لحد أدنى من ضمير حي.
لهذا ولسواه اختار هؤلاء “الغواصون السمر” جيل السودان الملحمي الجديد.. هذا الطريق الوعر الذي يمر بمفاوز وفلوات قاسية وموحشة، وبمتاهات مفزعة لا يعرف لها أول من آخر.
فقط لأنهم أدركوا بعمق كامل أن السلعة التي يتسابقون لنيلها وللظفر بها، سلعة غالية من شأنها أن تؤسس لغد مشرق جديد، ولحياة حرة كريمة.
ولذلك فقد بذل جيل البطولات، وجيل التضحيات هذا – ولا يزال – النفس والنفيس..
نعم النفس والنفيس حقا وواقعا، لا خيالا، ولا مجازا.
فهذا الجيل المدهش والمختلف في كيميائه الخاصة، وتفاصيله الدقيقة، بدا وكأنه الجيل الوحيد الذي كسر الحاجز الوهمي بين الخيال والواقع، وبين الحقيقة والمجاز.
إذ كاد هذا الجيل أن يجسد على الأرض كل مجاز لغوي تبارت عبقريات الشعراء في استثارة أخيلة الناس به.
ترجموا أن الوطن أغلى من العيون إلى رد فعل أكده من فقدوا عيونهم فعلا بإصابات متلفة في المواكب.. قابلوا دونها العدسات باسمين هازئين بفداحة الخطب الشخصي كأنهم في يوم عرس، محاجرهم تغطيها ضمادات طبية، لا يأبهون لها يلوحون بشارات وعلامات النصر من على أسرتهم البيضاء.. شأنهم شأن من فقدوا أطرافا أخرى من أجسادهم الشابة الفتية، بيد أنهم لم يفقدوا في ذات الوقت ثقتهم بالسير على ذات الدرب العسير الذي خبروا عسرته.
بل ورغم خروج بضع وتسعين نعشا من بين أيديهم وعلى أكتافهم إلى القبور في سبعة أشهر أو نحوها.. إلا أنهم كلما فرغوا من تسوية قبر ثائر خطفه الوحش عادوا لمواجهة ذات الوحش بضراوة أشد، وبلا هوادة.. يجسدون ملحميا على الأرض معني قد خطر لشاعر مبدع بأن الأرض من شأنها أن تنبت ألف ثائر كلما قضى ثائر، وأن أرضه المتخيلة تلك لو نضب لها معين يخرج ثائر، ستقاتل منها حتي المقابر.
إن شاعرا عربيا كبيرا زار الخرطوم.. جري على لسانه قولا موحيا وصف فيه أأهل السودان بأنهم شعب أكثر شاعرية حتى من شعرائه على علو كعبهم بين شعراء العربية بالطبع.
إن هذه الشاعرية الكامنة في هذا الشعب ككمون النار في الشجر.. يترجمها وينقلها الآن هذا الجيل الملحمي من مضمار القول، إلى حيز الفعل بالضبط.
المهم وإلى أن يستبين الخيط الأبيض، من الخيط الأسود، فإن هذين الخطين متوازيان، خط البناء والتأسيس لسلطة الشعب كاملة غير منقوصة على أنقاض قديم لا يساورني أدنى شك في أنه مضى وانقضي.
وخط مجتر لا يخطو ولا يرى إلى الآن على الأقل سوي ما كان قد رأي من قبل في ذاكرة الأيام.
وبرزخيون آخرون لازالوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

لام.. ألف
“ترى هل بدأت الثورة الحقيقية التي يمكن أن تحقق للإنسان السوداني ما يطمح إليه من أي حاكم كان؟.. سواء أكان امرأة أو رجلا، عجميا قحا أو مستعربا؟”.

منصور خالد

حالتي
أشهد ألا انتماء الآن
إلا أنني في الآن لا

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.