‫الرئيسية‬ اقتصاد ضباب الاقتصاد السياسي
اقتصاد - مقالات - 28 مايو 2022, 6:49

ضباب الاقتصاد السياسي

معتصم الأقرع

أحد الادعاءات غير المنطقية التي غالبًا ما يتم تقديمها بشكل صريح أو ضمني هو أن الاقتصاد علم تمامًا مثل الفيزياء أو العلوم الطبيعية الأخرى. هذا الادعاء أسوأ من غريب، إذ أنه ينم إما عن جهل وإما سواقة متعمدة بالخلا.

في العلوم الطبيعية بشكل عام، هناك إجابة واحدة واضحة لكل سؤال، بصرف النظر عن قضايا الكوانتم.

أما في مجال الاقتصاد، فلا توجد إجابة واحدة ثابتة لكل سؤال.

لكن الأهم من ذلك، أن الاقتصاد يتعلق بمعيشة الناس، وبالتالي تتغلغل فيه ادعاءاته العلمية المصالح الطبقية، وهذا يعني أنه في معظم الأوقات لا توجد وصفة سياسة واحدة جيدة للجميع وتخدم مصالح جميع الطبقات بنفس القدر.

وهذا يعني أن أي حزمة سياسات معينة يمكن أن تكون جيدة جدًا للفقراء و/أو الطبقة الوسطى، ولكنها سيئة للأثرياء.

والعكس صحيح أيضًا، إذ أن السياسة التي تخدم مصالح الأغنياء وممثليهم السياسيين قد تكون ضارة لغالبية الشعب.

لذلك لا توجد سياسة اقتصادية جيدة للجميع على مستوى عام. هناك سياسة ممتازة من وجهة نظر الأغنياء والأقوياء، وهناك سياسة اقتصادية أخرى مختلفة ومثالية من وجهة نظر الفقراء، حتى لو وصفها الأغنياء ووكلاؤهم بأنها متطرفة أو مدفوعة أيديولوجياً.

وربما هنا يكمن سر صعوبة علم الاقتصاد لأن التمييز بين البعد الموضوعي وبعد المصالح الاجتماعية ليس سهلا لذلك ينقسم جل من يتعاطوه إلى قسمين، أحدهم مصاب بعمي المصالح الاجتماعية، وهو غالبا كومبرادوري تابع كضابط استعمار جديد، وآخر مصاب بيرقان أيديولوجي يحجب عنه ابعاد موضوعية وحتى رياضية.

لكن في الجانب الاخر لا توجد فيزياء صحيحة للأغنياء وفيزياء مختلفة جيدة للفقراء – وهنا أعنى طبيعة العلم في حد ذاته وليس تطبيقاته التي تتلون بالمصالح الاجتماعية والطبقية.

لإعطاء مثال من الاستقطاب الطبقي المتطرف في مصر، إذا كنت غنيًا، يمكنك إلقاء نظرات على هذه الضواحي الجميلة للغاية حول القاهرة، والتي تبدو مثل أي حي راقٍ في مدن الغرب لتخلص إلى أن سياسة الانفتاح النيوليبرالي التي تم تبنيها منذ السبعينيات من القرن الماضي قد حققت نجاحًا باهرًا لأن القاهرة بها الآن أحياء تشبه هوليوود ومطاعم فخيمة وخدمات لا نهاية لها لمن امتلك المال.

ولكن إذا كنت ضحية فقيرة دهسك القطار النيوليبرالي السريع ، فقد تعتقد أن الأمور كانت أفضل في الستينيات الناصرية لأن الجميع كان لديهم إمكانية الترقي الاجتماعي بالوصول إلى التعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية والطعام والضروريات الأخرى كانت رخيصة وفي متناول الجميع- بالطبع على افتراض أن الأغنياء الذين سرقوا خبزك لم ينجحوا بعد في غسل مخك وتحويلك إلى ديك مسلمية غياز وهذا أرجح لأن الأقوياء الذين يمتلكون المال والسلطة أيضا يمتلكون الإعلام ويمتلكون شرائح من المثقفين المطيعين المستفيدين، لذا فهم قادرون علي بيعك وهم أن مصالحهم الطبقية فيها مصلحتك ومصلحة كل الوطن.

وهنا يبرز سؤال للدجاج الذي كان يتحجج بنجاح نيويلبرالية البنك والصندوق ويوصي بأن نهتدي بها، هل كنتم تنظرون إلى ذلك النجاح من ملاعب بيفرلي هيلز ام من أزقة السيد زينب والدرب الأحمر وبولاق الدكرور؟

باختصار أن الشريحة الاجتماعية التي وضعت “العودة لحضن المجتمع الدولي” في اعلي سلم أولويات حكومة ما بعد الثورة هي نفس الشريحة التي تزدهر مصالحها الخاصة بالغوص في أحضان مراكز القوة الخارجية ولو كانت العودة بتلك الكلفة تخدم مصالح الطبقات الشعبية لما طاردوها بكسر من ذلك الحماس الفاجع.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.