‫الرئيسية‬ ثقافة رحل الطاهر بشرى فأيْتَمَ طُهرَ الألوان
ثقافة - 26 مايو 2022, 4:13

رحل الطاهر بشرى فأيْتَمَ طُهرَ الألوان

صلاح الزين
——–

من حوارِ لونين ووترٍ مذعور وُلِدَ الطاهر بشرى. ومن جغرافيتين واختلافِ ريحِهما رحل الطاهر بشرى. لا ندري إن كان رحيله نكايةً في المكان أَم الأصدقاء.

هكذا رحل كإله ضاق بمخلوقاته. من بَعيدِهِ الذي وُلد فيه أتى إلى المدينة. المدينة التي ليس لها من الاسم غير الإنكار. أنكرته.
أمسك ريشته فلوَّنَ ذاك البخل وسكنَ واستنقعَ في السِرِّي في الجمال فأحبته المدينة فتلطفت به كضوء قمرٍ يبعد الدواهي عن جادة الطريق.

ارتفق باللون وبعضاً من صحبة قليلة فكثُرَ الأصدقاء: القصّاص، بشير سهل، الفاتح مبارك، عبد الله عبد الوهاب، دار النشر جامعة الخرطوم، شنطة (خرتاية) تلازمه كما لون بشرته، حياءٌ دمثٌ كبياض أسنانه ولون عينيه، ضِمنَ صُحبةٍ أخرى.

يخرج صباحًا. يمازح جوعَهُ ورهقًا مرتقبًا. يخلعُ فقرَهُ ليفسح مكانًا ويحشو شنطته بفكرةِ لوحةٍ واقتناصِ لونٍ يتراءى في صلفِ الاحتمال والاستحالة وضَحِكِ الأصدقاء ونزواتهم.

يجهد كتفه بثقل الشنطة فيسرع الخطو قليلا نحو صحبته ليوزع ما أثقله على أكتافهم: أفكارًا للوحة، مقترحًا لقراءة رواية، نافذةً تطل على قصيدة، وزيارةَ معرضِ تلوين. فيرتاح، قليلاً يرتاح ويبتسم.

مساءً يتلمس طريقه نحو مَسكنِهِ وقد تبدلت محتويات الشنطة وما تبدلَ تعبُ حِملِها. لا أمسَهُ يستريح ولا يومَهُ يرخي رسن الغد.

كلامه همسٌ كما هبة نسيم تسامرُ خضرةَ بستان وتخشى ما يُسِرُّ به النحلُ في أذن الوردة: عشقًا كان أو نميمة حول العسل.

هكذا سامرَ الحياة وأحبَّ الأصدقاء. فكانَهَم وكانوهُ كضربات فرشاةِ لونهِ على تخْتِ الزمن وسفوحِ الذاكرة.

أحبَ المكان/الوطن كتميمة يخافها الإله.
انخطف الوطن ومعه انخطف الطاهر بشرى كدابةٍ لا تسير بغير سرج وغريزة. فكانت أديس وأسمرة وكاليفورنيا وأيوا.
لا الشنطة شاخت ولا ضعفَ الكتف والذاكرة.

انضاف الحنينُ وأجراسُهُ، تبدلَ المكان وطعمَ اللغات فثقُلت الشنطة وقليلاً تنمّلَ الكتف. فصمت.
صمت الطاهر بشرى -كحجَرٍ بلا رفقة- عن الكلام والتواصل، ليس عجزًا وإنما بحثًا عن أبجدية أخرى تروي عطش الحصى الجاثم عند أقدام الموجة ونعل الغيم.
صمت وما صمت الأصدقاء بحثًا عنه في نواحي الدنيا وزوايا الأسافير، فاستعلنَ الطاهر وجودَه بموتِه اليَشبه خريرَ السيل.

لا أعرف ولكني أجزم أنه لوَّنَ المنفى بألوان الوطن ليكونَ المنفى أنيسًا يُسامَرُ وعطرًا يُشتهَى.

ومثلَ دربٍ، الطاهرُ لا يسير وحده، فقد أوفدَ الباقر موسى والنوّاب، اللونَ والقصيدةَ، لينتظراه هناك، هناك عند الضفة الأخرى ويجمِّلان المكان وقمرَ السمر.

ونحن أصدقاؤه، في ضفتنا الهُنا، لا نوفِّره ولا نخلع الشنطة من كتفه. نمعن في حبه بإيذاء كتفه. فنحشو الشنطة بالوصايا والسلام لحسين شريف وحسّان والقدال ومحجوب وعادل عبد الرحمن وزمزم.

أيوه نقسو عليك يا الطاهر نكايةً في رحيلك الباكر. وما أجمل الحب القاسي!!!

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال