‫الرئيسية‬ دراسات في الرحلة العدلانية: صعود الجغرافيا تاريخاً وانحطاط التاريخ جغرافيةً
دراسات - 23 مايو 2022, 3:45

في الرحلة العدلانية: صعود الجغرافيا تاريخاً وانحطاط التاريخ جغرافيةً

مقاربة في بوطيقيا السيرورتين

استحدثت إدارة الاستعمار البريطاني، في عشرينيات القرن الماضي، مشروع الجزيرة، مشروعاً لضخ الأقطان لمصانع لانكشير في بريطانيا. بمعنىً آخر، نهوض التحديث وعلاقاته الرأسمالية في فضاء اجتماعي وجغرافي محضون في أقماط بنية إنتاجية لم تتباعد، بعد، ثقافياً، من اشتراطاتها الطبيعية وعلاقاتها القبل رأسمالية مما أسس لاتفراد تلك البقعة الجغرافية بآليات إنتاج القطن وإعادة إنتاج الفقر والتخلف.

انفرش الفضاء ذاك بمجاميع سكانية ذات أصول إثنية وثقافية متباعدة ومتغايرة تقطن قرىً تتناثر في فضاء الفقر ذاك وتهبه لبوس اجتماعي طبقي يعرِّف المكان وبه يتعرَّف.

عادة ما يبدأ التحديث بالجغرافية ويعمل على إزاحتها من حيزها الموسوم بتعالقات المناخ ولون المكان، إلى مكان آخر، يجعل من الجغرافيا جغرافية لتاريخ يصير ويتكون ومن ثم تستبين جغرافية تاريخية لا جغرافية تزهو بالمكان وعبقه.

بكلام آخر، المكان في سيرورته الجغرافية يذهب بالجغرافيا إلى حالة هيولية صماء تعرف، فقط، بتماهيها مع ذاتها، و لا تحيل إلى غير تعريف الرياح كريح والهواء هواء. إنعجان المكان في المكان و إنوجاد الأخير كجغرافية بملامح مكان لا تتعرف إلا به. بكلمة، سديم المكان في جغرافياه والجغرافيا في سديم المكان.

ولأن التاريخ يذهب بالزمن و طنينه إلى ما يجعل منه زمن اجتماعي، زمن بذاكرة من خبز و جسد بأهواء، لا زمن لمكان يتعرَّف بذاته و جغرافيا لا ترى أسفلها، أقول، تلازمت الصيرورة الجغرافية و تمفصلت مع صيرورة تاريخية تخلع الجغرافيا من ضلع المكان و تهبها ضلعاً من تاريخ يتراكز على المكان و مخلوقاته فتصير الجغرافيا جغرافية مغموسة في تاريخ تتعرَّف به و يتعرَّف بها- تاريخ اجتماعي تتمفصل الجغرافيا فيه بتاريخ آخر، هو، بدوره، يتمفصل مع جغرافيات أُخَر، جغرافية تنداح خارج حدود تاريخها وتاريخ يرمق و يختال خارج حدود جغرافيته.

وكان ما كان، ذلك الحيز الجغرافي المركون في شمال غرب الجزيرة، والمطرّز، كسماء صيفي، بقرىً منهكة بفقرها، حيث قرية (أم دَكَّتْْ الجعليين) مسقط جبين صديقنا الخاتم، أقول، كان أن نهض ذلك الجزء الذي، وحتى ينشمل بالتاريخ وسيروراته ويعرَّف كمكان تاريخي لسيرورات اجتماعية، أن قايض التاريخ الجغرافيا بالفقر والتراكوما والسركاريا. ومن ثم برزت تلك القرى والكنابي ككانتونات فقر و جيتوهات مرض مقيم، إذ لم توفرها علاقات الإنتاج ودورة رأس المال في ارتكازاها الخارجية إلى غير ما هي عليه- فضاء مريض يستعلن معالم وجوده الاجتماعي والمكاني بعروق فقر تحززه من الوسط، تحزّه وتعتصره حتى يكون وجود الناس فيه هو إنوجاد فوق أنامل المرض وحفافي الفقر. وببطء وتريّث، يخب التاريخ نحو اشتهاءاته هو لا اشتهاءات تلك القرى وأناسها إلى ما يجعل المكان، مكانهم، مكان للإنسانية والعيش الكريم.

تأخذ دولة ما بعد الكولونيالية بيد ذلك التاريخ آن انعيائه بفقر المكان ومجاميعه، تأخذ بيده وتسلسل قيادته إلى ما يجعل منه تاريخاً يستقيم في انعواجه وهو يغذّ السير نحو متاهات دورات رأس المال في تمفصلاها العالمية. هكذا، هكذا يضخ وطن بأكمله، وفيه تلك القرى، ثروات وبشراً يخاصمون المكان وكأن تمام وجودهم هو هو انسرابهم في الخارجي الغامض.

تكاثرت تلك القرى وخلفها يركض فقرها القابض بتلابيبها وهو يسوطها نحو وجود اجتماعي بغوايات تخالف وجودها ذاك وتدهنه باحتمالات وجودٍ مغاير وإمكانٍ نبيل، نبيل وإنساني.

ولأن التاريخ فعل اصطراعي منذ الأزل الذي هو أزله، فقد انفتح أفق أربعينيات القرن المنصرم على صباحات خطاب سياسي وفكري يرى إلى التاريخ، ذاك التاريخ المنخور بالصديد، يرى إليه كتاريخ بقامة لا ظل لها، تاريخ يرى ذاته في امتدادها الزمني، زمن صرف هو هو جوهر زمنه وزمان جوهره، لا تاريخ سيرورات اجتماعية وطبقية بها التاريخ يستقيم تاريخاً يمكن مقاربته وتدوير أطرافه مما يبرز بهاء جماله لا فقط الصديد فيه.

ولد صديقنا في آن الوقت الذي فيه كان الخطاب السياسي والفكري اليساري ينقر بوابات أربعينات القرن الفائت ويحاول الانسلال خلل ثقوب كانتونات الفقر تلك ويقول بحقها في أن تطرب الصباح بمسامرات المساءات الفائتة وتعدَّ النهارات لقيلولات لا يصوِّحها رفيف أجنحة الذباب.

ولإدتين: ولادة خطاب للاختلاف وحامل محتمل يسوق اختلاف الخطاب إلى ما يجعل من الاختلاف وخطابه قوّة اجتماعية وسياسية تؤخذ في حسبان الخطابات العربسلامية المجاورة لها. والقرى، تلك القرى المتناسلة من تناسل السكرتاريا والتراكوما ترفل في شراشف فقرها المرشوح في عروق المكان والكائنات، ولكنها، وبمكر ذرب، ترخي مسامع فقرها لوقع أقدام ترى للفقر وقبحه لا كابتلاء من الله وإنّما بفعل فاعل يمكن لمسه، شم رائحته وإزاحته من غير اعتذار واستغفار.

قلنا، في أربعينيات القرن المنصرم، بدأت طلائع الشيوعيين والديمقراطيين في الانبثاث في أوساط تلك الهيولات الجغرافية والبشرية والتأسيس لحركة سياسية تدرك بوعي غزير القرابة الابستمولوجية ما بين تشقق الأرجل وانحسار النظر ومحالج القطن التي تدوّر القطن قماشاً ولباساً بعيد المنال حتى في رؤيته ساتراً للفقر وعيوبه. ولأن للخطاب قدرة قراءة العادي في اختلافه وعلى إزاحته من بداهات وجوده المكرور، و إنسناده بقوى اجتماعية تنتج فائضاً إنتاجياً به تؤسس الدول والجيوش والديمقراطيات الصدئة بصدأ حوامل الخطاب، أقول إرتفق ذلك الخطاب بقوى اجتماعية قوامها فقراء المزارعين والعمال الزراعيين في رحلة ترى في الليل سقالات فجر وشيك.

الفقر، في أحد تعريفاته، كفعل انبتاتي بنائي به تنخلع البنية عن روافعها وصولاً لحالة فرجة تعرض البنية المنخلعة في طبوغرافيا ميتافيزيقية برأس ورأس. الفقر هذا لا يحمل في صيرورته التاريخية ثورة تعيد تركيب البنية وبنائها، ولا ثوّاراً يسحبون الصباحات من جوف عتمة الليالي الفاترة. وإنما الوعي بأسباب الفقر وألوان زي سيروراته هو ما يجعل البنية مترعة باحتمال رعافها ثوّاراً وخطابات تعيد للبنية بنية وجودها وعودتها من ميتافيزيقيا بأحابيل إلى وضوحٍ به تستقيم.

ابن مزارع فقير وبيت أكثر فقراً، حملت أحشاؤه باكراً سركاريا صارعها زمناً وتراكوما أهدته انحسار البصر. ابن لتلك القرى المبذورة في كرم فيّاض لفقر واضح في غموضه وغامض في وضوحه. ابن لذاك الفضاء المغموسة أطرافه في الحاجة والعوز. ولكن، ألم نقل إن الفقر، الفقر وحده لا ينجب صباحات بثوّار؟!

باكراً، باكراً جداً، أولم صديقنا عيني عقله على مشهد الحاجة والعوز ذاك. فقد سبق ولادته بعقد أو يزيد، إنبثاث خطابات اليسار الشيوعي وسط فقراء المزارعين وعمال الزراعة، المصانع الصغيرة واتحادات الطلاّب، منظمات الشباب والنساء، اتحادات العمال والنقابات المهنية. وسط هذا المشهد الذي يشي بفضاءات مغايرة تستَّل أسافلها من جلوسات أصدأها طول الجلوس، خطا صديقنا، خطا باكراً نحو ما يستعلن وضوح القرابة الطبقية بين تكرار الفصول وتَسَفُّلِ المكان. بين أن تكون منتجاً في فصلين ومعدماً في كل الفصول… حمل صديقنا وعي وضوح العلاقة تلك، تزيَّا به وتهندم، قرابة خمسين عاماً ما بين سجون، على غير ما أريد لها، تشحذ وضوح القرابة تلك، و إختفاءات تنقع الروح بالسِرِّي في التاريخ و تمظهراته.(هناك ورقة تقرأ مسيرة الخاتم الطلابية ونضالاته).

يرى الفكر إلى الظاهرة/الواقع على مستويين: مستوى به تبدو الظاهرة كما هي عليه، تستعلن نفسها بسفور فيه تنعدم المسافة بين الرائي وموضوع الرؤية فيصير أحدهما الآخر في تماثلٍ يُماثلهما إلى حد صيرورتهما واحداً أحد، لا رائي ومنظور إليه. يتماهى الاثنان ويتطابقان، مما يغرق المسافة بين العقل الرائي وموضوع الرؤية بسراب ميتافيزيقي ميتاواقعي به تكون الظاهرة وإحداثياتها بنية بقدمين: أحداهما في بداية أبد لا بداية له والأخرى في نهاية أبد لا نهاية له. منطقاً، تصبح الظاهرة هي هي، هي ما كانت وما تكون وما ستصير، جوهر إلهي يسبح بألوهيته وآلهة تتجوهر بالتسبيح ذاك… مستوى ثاني: فيه يرى العقل الرائي للظاهرة كظاهرة قيد الإنجاز، لم تتكوّن وتستقر بعد، ما هي عليه الآن لن تكونه بعد حين لأنها ما كانته من قبل، ظاهرة تتكوّن لتصير وتصير لتتكوّن… بداهةً، المسافة بين هذا العقل الرائي وموضوع الرؤية تزوِّقها عين التاريخ واشتراطات الإسترابة والشك الإبستيمي.

يتفارق المستويان، ليس في بنية منظور النظر لموضوعه، وإنما في إنتاج معرفة بموضوع الرؤية. معرفة به تموضعه في اشتراطاته التاريخية، أو أخرى تركزه خارج شروطه تلك فتكون المعرفة به هي هي سيرورته هو.

المستوى الأول يتماهى مع موضوعه ومن ثم لا ينتج معرفة به لأنه صاره، لم يخالفه أو يتفارق معه. وإن أنتج معرفة به فإنها معرفة الفكر اليومي، كما يسميها “مهدي عامل”، التي تتطابق ولا تنزاح لتنتج معرفة بموضوعها فتكونه ويكونها في بلادة سعيدة تزهو بغبائها وضمور المفاهيمي فيها.

المعرفة تأتي من الاختلاف والتفارق، هكذا يقول المستوى الثاني، الذي ينتج معرفة بموضوعه عندما يتخالف معه، أي لا يصيره، لا يكونه وإنما يأتي إليه استدباراً وكأن المعرفة هي قول وإنتاج المختلف الذي يزيح ويقضم العادي في متنه وأطرافه المصقولة، حد السأم، بتكرار العادات والمألوف. هو بالضد من اليومي الذي يرمم موضوعه، يزوِّقه وينشره لريح البداهة وبلادة العقل السعيد بغبائه، هو تهديمي، تفكيكي، إزاحي، ينتهك المقدس ويزفه إلى سماواته ليمكث هناك، هناك بعيداً عن رجس الأرض وصرير أبوابها الممض.

أن اختلف معك يعني أن أحبُّك، بأن لا أكونك ولا تكونني إذ أن فعل الحب هو جهد ثنائي، لا واحداً يتكرر…

أقول: وكأن المعرفة هي معادل الحب، الحب في سيرورته الاختلافية التي تذهب بالمحبين إلى بذر الأرض بكل ما هو مختلف وشقي، وشقي باختلافه السعيد.

بالمفهوم أعلاه تنتفي أطروحة التعاقد السرمدي مع الحزب الثوري وخطاباته، تنتفي تلك المسافة التي فيها يصير الثوري استطالة عادية، استطالة عادية وتافهة لحزبه والحزب امتدادا لأهواء الثوري وأمزجته المنتلفة بالاستطالات تلك، ولتحل محلها مسافة سرية، سرية وواضحة تُجلِس الإثنين حول طاولة، طاولة معدّة بحكمة لاقتناص المفاجئ أو خسران السري في التاريخ وتبديلاته. إنه تعاقد الشهيات التي تنفّض عندما ينعدم المشتهى.

استطراداً، تتنوّع خروقات الثوري عن خطابات الحزب منظوراً لتلك الخطابات كشُرَف للرؤية والرؤيا لا مخازن ومخابئ لفكر وممارسة أغلقت وختمت بختم السلطان الذي لا سلطان عليه. هناك إنتقال وإنتقال، خروج وخروج، أشبه بتبديل القدم حتى يستقيم الجسم واقفاً، واقفاً لا آيلاً للإنحناء والركوع. إنه إنتقال داخل بنية الخطاب في تعددية تبدياته، لا خطواً خارجه وهجراً مرير. الانتقال داخل حقول الخطاب المتعددة لتمضيض بنية حقول الخطاب نفسه لا مفارقة تقصم ظهر الخطاب وتعصف به إلى السديم والعدم.

هكذا، كان خطو صديقنا الخاتم، في تسعينات القرن المنصرم. خطواً خارج أحد حقول الخطاب وولوج إلى الخطاب ذاته من بوابة حقل آخر لا يستقيم الخطاب إلا به، شيء أشبه بالخروج على الصياغة في سياق السياق، أو خروج من أقماط تهفهفت نحو أخرى تسند المولود والميلاد. خروج نحو نفس الحلم وإن من بوابة مغايرة، ليبقى الحلم حلماً مشرعاً على كل بوابات الولوج.

ظرفان، عالمي ومحلي، اسسا لذلك الخروج الذي هو هو دخول آخر في الخطاب ذاته من دون تذريره ونثره لرياح الكهانة وقساوسة العدم.

انسد القرن الماضي وإنردم بحدثين؛ نهوض الخطاب العربسلامي وانهيار أقاليم الاشتراكية؛ الأول محلياً والآخر عالمياً، وكأن قدر ذاك من هذا أو ضرورة الموت في الموت مرتين وما بين الموتين من خلخلة وارتجاج تستلزم، فيما تستلزم، ضرورة إعادة النظر، نظرياً و ممارسياً، في الذي كان والكائن وما سيكون. إنه سؤال التاريخ، التاريخ حين يمكر، وهو أمقت الماكرين.

أقول، تزامن خروج صديقنا مع الموتين أعلاهما وكأنه خروج من نشيد الموت إلى ما يعيد في الموت ضرورات الحياة عوض كونه موتاً ميتاً وإلى عدم.

بحساسية المفكر، لا الموظف التنظيمي، الذي كأنه صديقنا طوال سنوات عمره في الحزب الشيوعي، رأى الى ما رأى إليه، وكأي مفكر لم ينختم عقله بعد باكتمال الإجابة وانعطاب السؤال والقلق، خطا نحو فجر ما رآه وكأنه يقول للذين رابطوا: ثمّة أفجار عدّة لليل واحد، ذائعات عدّة لنصٍ واحد، وخروقات عن متن لتمتين المتن ذاته وحلمه.

إشتمل المشروع الحضاري الأسلاموي، بسبب من غربته التاريخية في زمان البنية ومكانها، على آليات تفكيكية أفضت إلى تفكيك المشروع الحضاري نفسه. ولكن، و في الآن ذاته، مهّدت لتقليص البنية إلى بنية أخرى تعرّف بشكل الشفاه و حلمة الأذن و تصويتات اللغة و تخارجاها… بكلام آخر، أثننة تلك الكليّة التاريخية المسمّاة (السودان) و القذف بها إلى وحدات مكانية وجغرافية ترى في صراع السيرورات التاريخية صراع الجغرافيا ضد الجغرافيا، لون البشرة ضد لون البشرة، و لثغة اللسان ضد لسان بلثغات مغايرة، لا صراعاً اجتماعيا طبقياً بإستراتيجيات و شراك تاريخية تتقن الاصطفاف الطبقي عبر المكان والجغرافيا، رائحة الفصول و الطعام، إنتهاءاً بهيئة الجسد، خواتم الحكايات، قيلولات الظهيرة وتعاطي الطرب ورنين الدفوف. بمعنى آخر، نجح المشروع الحضاري الإسلاموي، في سقوطه الداوي ذاك، بسبب من إرتفاقه بمشروعات سابقة بزي مختلف، أقول، نجح في ترحيل تلك البنية وصراعاتها، اللازمة لها، إلى ما يجعل منها بنية تصطرع على المكان ومحمولات لا بنية تشتمل على بنيات مشمولة في تاريخٍ الصراع فيه ترجيع لخبز يبحث عن حريته وحرية تبحث عن خبزها. هكذا، هكذا انحط التاريخ إلى هيولية الجغرافيا وعطن المكان فيها، انحسر وبهت، وتضاءل إلى حيز مكاني وجغرافي يمكن الاستيلاء عليه بجيوش صغيرة منهكة بتضخم الجغرافية فيها وأسلحة تفتقر، فيما تفتقر، إلى رشادة النظرية والمنهج، لتنتهي، أعني الجيوش وأسلحتها، إلى قرابة، بالضرورة طبقية وأيدلوجية، مع مرشح الخطاب وتمكث هناك، ترقب بذل يعوزه الإحساس بالخيانة لخروجها الداوي من تاريخية الصراع إلى جغرافية. مركز همّش الهامش وأعاد تهميشه ممركزاً: فضيحة البنية عندما يُقرأ التاريخُ جغرافياً.

بذات السياق يمكن النظر إلى تحلل أقاليم الاشتراكية وأقاليمها، في الجغرافية الأخرى من كونية التاريخ وانحطاط إمبراطوريتها التاريخية إلى جغرافيات تبحث عن تاريخ لها مؤود. والفرق بين التجربتين هو فرق بين جغرافيا وتاريخ وجغرافيا وتاريخ.

في صباحات إنخلاع الجغرافيا من التاريخ وانخلاع التاريخ من الجغرافيا، كان خروج صديقنا الخاتم خروج على عبثية ذلك التخلع وصدأه ودخول إلى ذات بوابات الصباح لرتق الانفكاك ذاك وفتقه، خروج المفكر الذي يرى إلى إعادة صياغة الممارسة كأنبل السبل لممارسة النظرية وإعادة تفكيكها. أبن ميلاد بذاكرة بارحت فيها كانتونات الفقر تلك، في ذلك الجزء من مشروع الجزيرة، انوجادها المكاني وصعود الجغرافيا نحو التاريخ وأبن خروج آخر فيه ترجل الوطن الاشتراكي من حصان التاريخ إلى حوافر الجغرافيا وروثها. من كلا الخروجين خرج بحثاً عن درب آخر يشي بانحطاط أقل.

مفكر مختلف كان صديقنا، واختلاف بقلق يزوبع الإقامات السعيدة بيقين الإجابة وموت السؤال.

ما خان ولا انحرف، ولكنه ذاهب لذات الصباح الممكن ولوجه من بوابات شتى.

* قدمت هذه الورقة في الاحتفالية الأولى بحياة المناضل الخاتم عدلان- أي عقل انطفأت جذوته!!؟ أي قلب توقف عن الخفقان!!؟) وتنشيرها مداميك بمناسبة الذكري السابعة عشر لرحيل المفكر الخاتم عدلان ادناه دراسة غير منشورة من قبل قدمت في الذكري الأولي لرحيله.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال