حسان ناصر
‫الرئيسية‬ مقالات في ذم البردايم !
مقالات - 19 مايو 2022, 9:41

في ذم البردايم !

حسان الناصر

أخفقت المؤسسة الأكاديمية السودانية في إحداث اختراقات نظرية للإطار السياسي، مما ترتب عليه انحسار في الأدوات وإعادة الاعتبار للمقولات النقدية. فكانت تكلفته طوال تاريخ الحركة الوطنية، تخبط هذه المؤسسة بل واستتباعها للنظم السياسية المتعاقبة على سدة الحكم.

ففقدت روحها الوطنية التي من خلالها كان يمكن إعادة تعريف المشاريع السياسية على قاعدة وطنية متماسكة و منهجية صارمة، بل وأخفقت في اجتراح مساقات متصلة مع القضايا الاجتماعية التي تهم السودانيين.

وبكل تأكيد تعتبر هذه المعضلة أو الإشكالية بنيوية في الفكر والنظريات، التي من خلالها تنظر هذه المؤسسات وروادها وخريجوها الى معضلة الواقع، فتدخلت تدخلات أشبه بما أن نصفها خرقاء في العملية السياسية، ويتمظهر هذا خلال الفترات الانتقالية والانتفاضات.

نجد جذور هذه الأزمة أو دعوني اسميها (العمى) في تركيبة المؤسسة التي بنيت على نسق استعماري، فعطلت الأهمية والوزن الثقافي والسياسي داخل المنظومة الحداثية للعلوم الاجتماعية، وحولت الأكاديميين في المؤسسات التطبيقية إلى مجرد برجوازية صغيرة أصحاب تطلعات لمناصب، وارتبطبت علاقاتهم بطموح تابع.

مع تقدم سنوات الحكم الوطني، وظهور الانتفاضات، ارتبط الأكاديمي بمنظومات المجتمع المدني وتحول إلى مخبر محلي يعمل في سوح منظمات المجتمع المدني الدولية بلا أجندة وطنية أو نظرية وطنية، فخرجت الكتابات التي تصف الأزمة حسب المقولة الأوروبية، ولم تخرج أدبيات حقيقية و واضحة في أزمات كالحرب والسلام، الاقتصاد والقانون و الفقر، بل تبنت الخطاب الخارج من مراكز اتخاذ القرار الغربي، تاركة إرثاً جيداً ومعتبراً لمنظرين سودانيين لهم شأن كبير و واسع.

ألمت هذه التشوهات بالمؤسسات الأكاديمية في بنيتها فلم تستغل الممكنات المتاحة، بل تحولت القاعات إلى مجرد أركان نقاش فقيرة وخالية من أي حساسية نقدية أو وطنية، وأصبح المركز / المختبر، دار حزب سياسي يسيطر عليه الخواء كما (ابراج الحمام)، و المفكر أو الأكاديمي إلى مجرد بغباء يردد صدى الحزبي و الفاعل السياسي.

لا أريد ضرب نماذج ولكن يمكن لنا مشاهدة أكاديميين رفعي المستوى داخل السودان وخارجه، تحولوا بين ليلة وضحاها إلى (هتيفة) لشعارات سياسية عرجاء، بل وانتقل هذا إلى تفكيرهم وكتاباتهم، فلم تنتج لنا الأزمة أي مفهوم نقدي يمكن لنا من خلاله الانطلاق لفهم ما يحدث.

أجد نفسي أتجه إلى ترك الشأن السياسي بطريقته العارية هذه لأنها ستقود إلى تبني مواقف وأدوات فقيرة ستعيد إنتاج التفكير في الأزمات من خلال هذه الورطة، وبل تأكيد هذا لا يجعلني أدعي بأني أكاديمي، فهناك مجاملة لازالت تلاحقني في إضافة صفة باحث أكاديمي أسفل التعريف.

لكن المغزى كما أستلفه من المفكر أبو القاسم حاج حمد هو رد الاعتبار للنظرية، وأجد في ذلك عزاءات في مسيرة الأستاذ محمد عبد الرحمن بوب صديقي الذي يفتح الوجهة على فضاءات أجمل ومقولات أشبه برحيق نسمات جنوبية، فاتنة كعيون جميلات يخرجن من تل يستشرف البحر.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال