‫الرئيسية‬ ثقافة الخرطوم تنام كثيرا.. كأنها لا تنتظر شيئا.. وتسكب الآهات
ثقافة - يوميات ثورة - 17 مايو 2022, 12:35

الخرطوم تنام كثيرا.. كأنها لا تنتظر شيئا.. وتسكب الآهات

عمر أرباب
(سوف يأتي باسم الثغر)
شارع القصر أو شارع فيكتوريا لا يهم، باب القصر الذي يفتح فيه تماما، كلّ متنه من الانتظار، فالخطوات التي تدلف إليه عجلى والخطوات التي تخرج منه قلقة، فهي لا تضمن أن تعود إليه مرة أخرى، جندي الحراسة الذي يلبس سفنجة ويضع رجلا على أخرى، يتصفح جريدة ما لعلها من جرائد الأمس، فلا زال وسط الخرطوم نائما تماما حتى صرافاته الآلية نائمة، فهي تكركر دون أن تعطي شيئا غير حسرة الذي ينتظرها.
ساحة أتني خالية إلا من الشجيرات وبائعات القهوة وبعض الحمائم التي أصبح يزعجها صوت الرصاص ورائحة البمبان كلما توجه موكب إلى قصر غردون، الذي تحول إلى قصر الرمم عندما تحولت اللغة بفعل الرصاص الذي لا يرحم إلى لغة تكتب بالحجارة والطوب، لا بأيد تبحث عن المعنى في واقع عبثي وتراجيدي بامتياز.
في وسط الخرطوم يستيقظ الصرف الصحي مبكرا ويهدي الطرقات الفرعية رائحته التي تشبه تلك الروائح التي تنتمي إلى المكر والخديعة كلما تمادت شمس الحرية في الحضور.
وحده شارع الجامعة يضج بالعربات ويمور بالحركة كأنه يريد أن يعوض الجامعات السودانية غياب ضجيج الطلاب الذين أتوا وأتت معهم وزارة المالية ووزارة التعليم العالي إلى تنكرهما ونكرانهما القديم ونكوصهما عن حقوق أساتذة الصبر والمصابرة رغم مكابرة الحكومات المتعاقبة لهذا الحق.
مركبات شارع الجامعة تتوقف قبالة وزارة الخارجية وسفارة مصر، يكثر الجمع ويزداد كلما تحركت مركبة في هذا الشارع، إنه الهروب الكبير من وطن أصبح فيه العيش من المعجزات الصغرى حيث لا زال الأنبياء الكذبة يتحكمون في مصيره لكنهم بلا نبوءة تخبرهم إلى أين هم ذاهبون به؟ حيث اختفت الإجابة من أفق الوطن، فلو سألت عن أي شيء، نادرا أن يجيبك عنه أحد كأننا عدنا إلى عصر ما قبل المعرفة.
وأنت تسير وتترك شارع القصر خلفك متجها غربا، تتلفت علك ترى الموز حيث كان هنا اعتصام اللاجدوى الذي فتح شهية المتربص إلى الالتهام، فلا تظن أنك أحسنت إلى القرد عندما تعطيه حبة موز وأنت تحمل كيسا ممتلئا، لن يتركك ستتجمع بقية القرود وتتبعك ولن تتركك حتى تأتي على آخر حبة وتترك الكيس فارغا تماما مثل حال الوطن الآن، حيث يسكنه الفراغ العريض، كأن ملكة الدار استشرفت بعنوان روايتها حال الوطن بعد الواحد عشرين من أكتوبر.
بائعات الشاي، المجد لهن فهن يشكلن اللوحة وسط الخرطوم، يأتين مبكرا، يجلسن بيقين العابد الذي يوقن بأن الرزق ضربه في الأرض، يتجمع حولهن الناس، إنهن أنهر، بل هن وطن، فهذا الجندي المجهد من حراسة الليل، والطالب الذي خرج مبكرا، والموظف صاحب الكيف، والذين لا لهم إلا الله، والغلابة عمال اليومية، كل هؤلاء يتجمعون حولهن، وهن يحطن الجميع بمحبة وابتسامة وماء بارد وقهوة تجبرك على متابعة الاستماع لأغنية عاهدتني لعثمان حسين رغم أنك بالقرب من أماكن لا يعرف أصحابها العهد ولا صونه “عاهدتني إنك تكون مخلص في بعدي وحلفت يا ناسي تصون عهدك وعهدي، لو كان صحابك خدعوك………. ما اظني يوم اتعب وراك او أسألك واسهر ليالي ضنى وأقول مين حولك، كانت كنوز الدنيا ملكك وكنت لك….”، هن صويحبات الجميع عطرهن الأنس واياديهن العطاء وتفقد الأحوال، يأتين قبل الشمس ويعدن بعدها من أجل شروق أسرهن وحتى لا يتعرضن لكسوف المسألة فالحرة ضياء المجرة وصرة النهر وعزيمة لا تعرف الاستسلام.
على حائط وزارة الإعلام كُتب يسقط لقمان، ألا في العنصرية سقطوا ولا عذر للذين لم يعرفوا قبح المقدمة فاصطلوا بخديعة النتيجة، لا أدري ما الذي أتى بالقاضي أبي سبيحة إلى مخيلتي وأنا أرى من هناك محكمة الاستئناف، لا أدري ربما بكاء وجداننا عندما يتذكر الأستاذ أحمد الخير.
شارع الحرية يبدو شبه خاليا إلا من بعض العربات والمارة وقليل من المحال التي فتحت أبوابها بتكاسل، ما هذا؟ هل نعيش في فترة كساد أم أن الأمور أصبحت خارج الحسابات فكل شئ أصبح غير مجد، شارع الجرائد وبائع الطعمية وفتة بغداد وصولا إلى الفيحاء حيث صرافات بنك فيصل وصوت الصراف وأنت تردد (سوف يأتب باسم الثغر يلوح بالأماني) ابتسم الصراف وحملت الأيدي النقود، واستسلم إستاد الخرطوم لصوت محمود عبد العزيز وهو يغني (يا عُمر) وبجواره يعلو الميكرفون شاورما، طعمية، فتة، ليمون، عرديب، وبجواره يعلو صوت مناد: الحاج يوسف حلة كوكو، الوحدة، ترافقك الكلمة الأخيرة أين هي الوحدة؟ ألسنا في حاجة إليها، هل تشفي هذه الوحدة الخرطوم الجريحة والوطن الجريح؟
لا يتركك ود الأمين وهو يصر أن يردد مع موسيقى تطرد كل رسل الكآبة “سوف يأتي باسم الثغر يلوح بالأماني، ضي عينيه بريق وغموض ومعان، يحمل الروح إلي يزرع العطف نديا، يسكب الآهات شمسا في ثنايا أذني وبها أحيا وأنسى ما ضناني” إنه الوطن عندما يأتي، تأتي كل الأشياء والحيوات وما ذلك على الأحرار بعزيز، وبه نحيا دون أن ننسى ما ضنانا حتى لا تعود الأوجه الكئيبة مرة أخرى..فلا صباح لها ولا مرحب بها.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.4 / 5. Total : 7

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. تصوير بديع يعبر عن احسا س صادق …هذا المقال يقول ان الخرطوم برغم نومها الثقيل تضم مثل هذا اليراع الذهبي والخيال المبدع الفنان ..
    الخرطوم حتما ستستيقظ يا صديقي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.