صلاح الزين
‫الرئيسية‬ مقالات آراء رصاصةٌ في أذْنِ شيرين
آراء - ثقافة - 12 مايو 2022, 15:50

رصاصةٌ في أذْنِ شيرين

صلاح الزين

في الأخبار اغتالت الشرطة الإسرائيلية الصحفية شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة الجزيرة أثناء تغطيتها لمواجهات بين قوات الاحتلال والفلسطينيين في مخيم جنين.

يقول درويش:

خذني ولو قسرًا إليك، وضَعْ منامي في يديك
ويذهبان إلى الصدى متعانقين
كأنني زوَّجتُ ظبياً شاردًا لغزالةٍ وفتَحتُ أبوابَ الكنيسة للحَمَام
لعلنا لم نفترق أبدًا
أتعرفني؟
بكى الولد الذي ضيعتُهُ لم نفترق، لكننا لن نلتقي أبدًا
وأغلق موجتين صغيرتين على ذراعيه وحلَّق عاليًا

وتقول الأخبار إنها اغتيلت برصاصة تحت الأذن.

يا ترى لماذا الأذن؟؟

للرصاصة صوت كصرخة طفل ينزلق خارج رحم أمه. يصرخ حتى يسمعه العالم وحقلٌ متعبٌ بخضرته وركضِ الريح.

والصوت يستلزمُ مستمعا وإن كان ذئبًا يجثو قرب منبع قصي يرقب غزلاناً تورد الماء.

السمعُ من مخلوقات الأُذن وتميمة عرسها وقمط الصدى الذاوي في حشرجة الصوت. فالصوت لا يموت لكنه ينام في الصدى فلا تصدأ الأذن حتى تسمع البشرية لهاثها إن كان من تعب أو حب.

لبرهةٍ استغنى العالم عن سماع الصوت واستبدله بالصمم كبِركَةٍ قضَّ مضجعَها صوتُ العصافير فاستأنست بالحصى

كمن يُلقي نميمةً في مسمع الخصم، يُودِعُ القناصُ ذاكرته وسلالة شهواته في سُرّة الطلقة لتكون مشيمةَ العدم وطفولته التي لا تشيخ ليكون قناصًا يصطاد الشعاع وخفر البدر من اكتماله قمرًا وخِفّةً.

خرجت الطلقة، كمن يخرج في نزهة، من خدر نعاسها وصمتها الآني، من نعومة ملمسها وذاكرة الصانع بشجرة أنسابها، خرجت وبوجل ولهفة تبحث عن مُستقَرٍ لها كموظف يُسكِرهُ حبر الإمضاءات وتحية المدير.

الرصاصة، وفي عجلة من أمرها، لم تُلقِ التحية على المارة إذ لا يوجودون إلا في المرايا وربطات عنقهم وعطر ما بعد الحلاقة وتشذيب الشارب.
فقد كانت معنية بأُذنٍ على كتفها كاميرا، يتطفلان على السِرِّي في المشهد: العين ترى والأذن تسمع فتكون الصورة فاتحة شهية لمخلوقات أوسنها السِرِّي في العنب وشاشة التلفاز.

كانت شيرين هناك، هناك تحتقب جمالها وكاميرا وأُذنًا وعين.
الأذن ليس بها وقر ولا العين رمد. فاستقرت الرصاصة وأوقرتَ الأُذن ورمدت العين فكان المشهد: موتٌ متلفز ووجبةٌ لفُرجةٍ حول شاشات غير معنية بأدوار الممثلين على الخشبة ولا النص والكاتب والمخرج. فاليكتب من يشاء وليُخرِج من أراد

فالفرجة دابة النعاس إلى سرير بوسائد من ريش الغمام.

فأين ذهبت شيرين؟؟ أين ذهبت بجمالها وإطلالتها الموسوسة بمنح الشهود ضميرا سَهكَهُ تواتر التكرار والسأم المعدني؟
ذهبت إلى حيث أراد لها الظالم أن تكون في مملكة المحو والزوال نورساً لا يظمأ فيعود. حيث الصمت صورةٌ تُسمِع ولا تُرى كشبح أوهنه النعاس والتجوال.
ويظل العالم مشغولاً باستنساخ (نعجة دوللي) وكأنه أولمَ قطيعَ نعاجهِ بما يكفيها من عشب وغدير.

لا مكان لسماع صرخة وليدٍ بجَرَسٍ في برية الصمت. فاليُخرس السمع باغتيال الأذن ولتنعم البشرية بعباءة الصمت.
فتندس شيرين في سؤال بوطيقيا درويش لتنام تحت التراب، تراب الإنسانية الفسيح، الما مغلول برائحة الجغرافيا ووضاعة الحدود.

ومثل درويش تتعجب وتسأل:
أقول كلامًا كثيرًا
عن الفارق الهش بين النساء وبين الشجر
وعن فتنة الأرض
عن بلدٍ لم أجد
خِتمَهُ في جواز السفر
وأسال، يا سيداتي
ويا سادتي الطيبين،
أأرض البشر لجميع البشر
كما تدعون ؟
إذن أين كوخي
الصغير وأين أنا ؟

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.7 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال