‫الرئيسية‬ ثقافة سلسلة المُهمَلات…. البِرِش (11)
ثقافة - 5 مايو 2022, 8:54

سلسلة المُهمَلات…. البِرِش (11)

سلسلة المُهمَلات

هذه النصوص هي مشروع كتابة، قيد التنفيذ بعنوان “المهملات”، عن أشياء تبدو لا قيمة لها من فرط تواجدها وبداهتها وعاديتها، رغم انها اكتسبت جدارتها من فرط وجودها! لا أحد يساءل لون بشرته ببساطة لأنها هناك كصبح وصلاة تتكرر فنغفر لها ترددها مثلما نغفر للشمس مغيبها وطلوعها !!اقصد مؤانسة المكرور والذي به أدمنا الحياة والوجود من غير ان نقول ليهو شكراً من فرط تكراره!! هي كتابة تحاول ان تقول ما نجهله عن العادي الذي أوجَدَ الأساسي فينا!! سأنشر هذه النصوص في حلقات عن العادي لأهبُ شهادةً للأساسِ اليتيم!

البِرِش (11)

صلاح الزين

البِرِش …….
نَعلُ قدمِ السماءِ فوقَ الأرض. خطوُ اللهِ في حجارة الأبد وركضُ الخيولِ نحو الإسراء بلا سرج ومعراج. بستان السؤال ولغز الوضوح.

البِرِش، عطرٌ غامض يوسم دابة الميلاد وهي تخب نحو أفواه العدم. راوٍ مفتونٌ يسرد حكايا أرق النعاس ونقصان الاكتمال، وينام.

بساطُ الخلود الذي لا يُطوى. خزانُ ماء الحياة الذي لا ينضب.

مثل البشر، البرش جوفه خلوٌ من بذرة الفناء، يفنى إن فنوا، و لا يفنون.

كالعنقاء في جوفه حيوات عدة تصقلُ مرآة حيوات البشر ليرى الخلودُ وجهه في المرآة فيكتمل الخالق ويطرب إبليس.

ميلاده، وأعني البرش، كان تالياً لطرد آدم وحواء من جنة الخلود والنعم (والتسوي بإيدك بغلب أجاويدك). ولأن الخالق يرى، كما يرى سرته، الما يُقبِلُ من دهرٍ فقد أخذ على نفسه أن يُيسرَ تكاثر مخلوقاته ليكتمل نقصانه بنقصان اكتمالها، فكانت الولادة هدية الخالق بحيِّها وميِّتها، من غير مَنٍ لخلقه.

كان البرش قِمْطًا وبِساطًا لانسلال قابيل وهابيل من رحم حواء المطرودة من النعيم.

كان رفيقاً بها وببذرة الخليقة، فالبذرة ضلع الطين المبلول. فأورثا سُلالتَهُما، من ضمن ما أورثاها، بِرْشاً يطوي الأبدية ولا ينطوي كحجارة تتأبى على مخلب الريح.
ولضرورة العيش وغريزة السيرورة خلعَ البرش على نفسه ما لم يكن في مخيلة الخالق و لا حتى مطرودي الخطيئة: انردف خلف إبليس في ركوب سرج الأبدية الراكض في برية اللانهاية.

فاستطال البرش ومدّد أطرافه وغَشيه بعض من طمع وهو يسند صدره على قفا إبليس: لم يكتفِ بدورِ البساط وأقماط المهد وهَدْهدَة الرضيع.

يشب الوافد الجديد عن طوق القِمط ورائحته ليتعرف على ما وهبَه الخالق من جسد يحمله، كصخرة إيزيس، في دروب الغواية ومسامرات الوجد. ومثلما كان لحافُهُ ذات مهد، يمد البرش فيوض كرمه لتغمر صوح ذاك الجسد وغائظته بهندسة بها يقول الجسد: ها أنذا قد قضمت حلمة ثدي أمي!!

لا أراح إيزيس صخرتَهُ فوق قمة الأولمب ولا ارتاح الجسد من مشقة الهبوط والصعود.

كرقراق الرواكيب منتصف ظهيرة غامضة، يزهو البرش ببطارية تكشف عتمات الخبايا وأُبوة اللون. حينها يكون البرش هادي لقافلة تغذّ السير نحو صحراء اللذة البلا رمال وتلال والمسكونة بالعواء للآخِر، الآخر المقدود من ضلع حواء وهي ترفل في عباية لم توفرها ثقوب الطرد من مملكة النعيم.

فيكون البرش مرة أخرى برزخَ العبور لاختلاط ماء المتعة بشهوة الطين في الإنجاب كنهرٍ يشتاق مصبَهُ وإن كان حتفه. وبذلك يتجدد البرش ويكون العبادُ له من الشاكرين.

تُوهَنُ المصائب ولا يضعف البرش. تندثر المحمولات وتبقى مشيمة الحامل كطمث لا يخلف وعده. فالبشر إلى زوال والبرش إلى بقاء. طُردَ أسلافُ البشر ولُعِنوا فكان البرش بساط السلالة لحينٍ معلوم.

عندها، عند ذاك الحين المعلوم يُطوى البرش ومثل البشر، أيضاً لحين معلوم. يُطوى، بعناية يُطوى داخل قماشة ويُعلَّق قرب سقف مؤتمن، مِنهُ يراقب العباد من تحته في حنوٍ مريب.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 1 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال