‫الرئيسية‬ مقالات ٢٩ رمضان إحياءً لذكرى المجزرة
مقالات - 25 أبريل 2022, 2:24

٢٩ رمضان إحياءً لذكرى المجزرة

وائل محجوب

• ستخرج الملايين يوم ٢٩ رمضان إحياء لذكرى من فقدنا من ثوار وثائرات في فض اعتصام القيادة واعتصامات الولايات، وإحياء لذكرى جميع شهداء الثورة منذ انطلاقها حتى يومنا هذا، وقد أضيف لهم صف طويل من شهداء مقاومة الانقلاب، وتأكيدا أن عين الشعب لا تنام عن الحق، ولا تحيد عن مطلبها في العدالة والقصاص، وتجديدا لمعاني الثورة والتحام أمسها بيومها، ونضالها الأشم ضد الطغيان والتسلط هو سهمها لغدها القادم، ومداميك البيت الكبير الذي سيجمع أهل السودان على صعيد واحد، بلا تمييز من عرق أو قبيلة أو جهة أو دين، وهو تطهيرها لبلادها من دنس الإجرام والفساد.
• إن في هذه الثورة المجيدة الباسلة من الدروس والعبر ما لو تأمله أعداؤها ومن يتربصون بها الدوائر من انقلابيي السلطة الحالية، ومكلومي النظام البائد المتهالك، وأعوانهم من الانتهازيين، ومتسلقي السلطة ومن يريدون القفز لها بالزانة، لعلموا بغير شك أنهم يناطحون صخرا، وانطبق عليهم حال الوعل الذي عناه الشاعر العظيم الاعشى؛
كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها
فَلَمْ يَضِرّْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ
• هذه الثورة يضمد فيها الجرحى جراح بعضهم البعض ويجبرون الخواطر، وكل مصاب يرنو لشفاء رفيق ميدانه قبل أن تبرأ جراحه.
• هذه الثورة.. ينهض ثوارها من أسرة المستشفيات وعمليات إخراج الرصاص للصفوف الأمامية، لذات المواقع التي أصيبوا فيها من قبل، بلا ريب أو تردد.
• هذه الثورة.. يتصل نبضها ويتلاقى ثوارها على مستوى البلاد حرفيا، ما تتأثر به نيالا ترد عليه عطبرة، وما يحاك بأم درمان تتصدى له بورتسودان، وما يحدث في كوستي، تتفاعل معه دنقلا، وما تردده الجزيرة يتردد صداه من سنار وحتى كادقلي.
• وهذه دلالة ميلاد الجديد من القديم، ما بين “فرث ودم” تتخلق البلاد التي ارتقى من أجلها الشهداء، وحمل الجرحى جراحهم كأوسمة، وهتف الشباب من الثائرين، في زهو وخيلاء الشجاعة في مواجهات الميدان، وهم يرنون للمستقبل؛ يا أولاد عشان تعرفوا (أبوكم/ أمكم) كان/ت مكنة.. ولا شك سيعلمون.
• ما تشهده الآن من قوة وتماسك وترابط الثوار في كل أنحاء السودان، هو سر هذه الثورة الباسلة العجيبة، التي تخلقت أمشاجها من كر وفر الشوارع لأشهر منذ ديسمبر وحتى أبريل، بدأت بالمئات وتدحرجت مثل كرة الثلج، تستقطب في كل صبح جديد المزيد من الملتحمين، وتتراص صفوف ثوارها ثباتا وجسارة في مواجهة الرباطة والكجر، البمبان والرصاص، المطاردات والاختطاف والاعتقال، والاغتيال بدم بارد من قناصة ملثمين.
• حتى انبجس فجر السادس الأغر من أبريل، فإذا بالملايين تطوق العاصمة وتحبس الطاغية الرعديد في قصره، وتزحف الحشود المليونية في القرى والحضر والمدن من كل فج عميق، ليسترد الناس أصواتهم وحياتهم من بعد طول اختطاف وتزييف وتغييب، هذا الالتحام الذي دام لأشهر هو من أسباب هذا التوحد الثوري الملهم، أما سره الأعظم، فهو ميدان الاعتصام.
• كان الميدان هو السرة التي جمعت أبناء السودان من كل مكان على صعيد واحد، وكانت هي كرؤية الهلال للصوم، كعرفة للحج، وكانت هي الرحم الذي ولد كل هذا الثبات والتماسك والتلاحم، الذي شمخ كحائط صد عظيم، تماسك به الشعب بعد المجزرة، وأعادوا به تنظيم صفوفهم رغم جراحهم وصدماتهم فيما يشبه المعجزة، وصفعوا المجرمين جهارا نهارا وهزموا جلاوزة الشر “عنوة كدة واقتدار”، في ٣٠ يونيو الجبار بزحف ألجم الرصاص ودحر كيد الباغي المعتدي.
• فإذا لم يعلم الناس كل ما حكينا عنه، فليتأملوا فقط هذه الملحمة الإنسانية التي تتجلى تفاصيلها منذ بدء رمضان في منازل الشهداء شهيدا تلو شهيد، وهذه الإفطارات التي يتدافع لها الثوار حبا وكرامة، يضمدون بها جراح النفوس ويجبرون الخواطر، ويؤكدون تماسك الصف الثوري، ويرسلون الرسائل لآباء وأمهات الشهداء الأماجد الكرام، بأنهم باقون، وأن الراية التي سقطوا ذودا عنها بعزيز الدم يحميها فرسان ورفاق لهم، من أبناء وبنات الشعب، هم رفاق وإخوان الشهداء الذين طافوا بخيال وتجسدت فيهم الأخلاق الثورية التي توسمها شاعرنا المجيد علي عبد القيوم، وهو يتغنى بأمجادنا الثورية في أكتوبر؛
ﻧﺤﻦ ﺭﻓﺎﻕ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ
ﻧﺒﺎﻳﻊ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ
ﻭﺍﻟﺪﺍ ﻭﻭﺍﻟﺪﺍ
ﻧﺒﺎﻳﻊ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ
ﺍﻟﻘﺮﺷﻰ ﻗﺎﺋﺪﺍ
ﻧﺒﺎﻳﻊ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ
ﻣﻨﺒﻌﺎ ﻭﻣﻮﺭﺩﺍ
ﻧﺤﻦ ﺭﻓﺎﻕ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ
ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺀ ﻧﺤﻦ
ﺍﻟﻜﺎﺩﺣﻮﻥ
ﺍﻟﻄﻴﺒﻮﻥ
ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﺿﻠﻮﻥ
ﻧﺤﻦ ﺟﻨﻮﺩ
ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻘﺪﻣﻴﺔ
ﻧﺤﻦ ﺍﻟﻤﺜﻘﻔﻮﻥ ﺍﻟﺸﺮﻓﺎﺀ
ﻧﺤﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﻣﻼﺕ
ﻭﻧﺤﻦ ﺃﻣﻬﺎﺕ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ
آبﺎﺅﻫﻢ ﻧﺤﻦ
إخﻮﺍﻧﻬﻢ ﻧﺤﻦ
أﺧﻮﺍﺗﻬﻢ ﻧﺤﻦ
ﺻﺪﻭﺭﻧﺎ ﺳﺮﺍﻗﺔ ﺍﻟﻜﻔﺎﺡ
ﻋﻴﻮﻧﻨﺎ ﻃﻼﺋﻊ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ
ﺍﻛﻔﻨﺎ ﺍﻟﺮﺍﻳﺔ ﺍﻟﺒﻴﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﺴﻼﺡ
ﻧﺒﺎﻳﻊ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺳﻴﺪﺍ
ﻧﺒﺎﻳﻊ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﺪﺍ ﻭﻭﺍﻟﺪا
….
• هذه الثورة هي آصرة تربط أهل السودان ببعضهم البعض، شأنها شأن صلات الرحم والقربى، لذلك فإنها قادرة على استنهاض الطاقات وحشدها، وعلى التجدد والمواصلة في مواجهة الكيد والتربص والغدر، فإذا لم تعلم بعد ما الذي استنهض الشباب في فجر انقلاب الغدر الثاني في ٢٥ أكتوبر، ليهتف شاب وحيد، الثورة ثورة شعب، والسلطة سلطة شعب، والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل، قبل أن يتسلم الانقلابيون مقاليد السلطة حتى، وقبل أن تشرق الشمس، وما إن شرقت حتى كان صوته قد ذاع في البلود والحلال، واستحال لملايين الأصوات الهادرة، وكانت البلاد قد اغلقت بالتتريس الشامل.
• طافت الأصوات من دار لحي لمدينة وتدفقت الملايين للعواصم من كل فج عميق، رفضا للانقلاب، وها هي الشعلة تنتقل من يد ليد، في سباق نصرها المؤزر والمؤكد، وذلك وعد الحق للناس، ومن بعد صبرهم على المكاره والجراح.. لا يغلبون.
• فهل حدثنا عن الثورة؟ لا لم نحدث عن الثورة إلا لماما، ونحن نتحدث هنا عن لمحة من أسباب ومعاني الثبات والجسارة، وعلامات النصر، التي تلوح في الأفق، وتقرأ على كل الجدران، وعن قدرة شعبنا الغلابة التي لا تصد ولا ترد، فإذا علمت بقدرة شعبك تلك، فألزم طريق ثورته وشعبه تكن من الفائزين.
• إن الملايين التي ستخرج إحياء لذكرى شهداء مجزرة فض اعتصام يوم ٢٩ رمضان، هي الملايين التي أشعلت الثورة وما انفكت تحرسها، ولن تتراجع حتى تبلغ أهدافها وتحقق شعاراتها، وهي ذاتها الملايين التي واجهت وما تزال تواجه بسلميتها وحشية ودموية خصومها من العسكر والمليشيات، وستنتصر عليهم، وهي تأكيد لمن يتوهمون أن بإمكانهم السطو على الثورة، وللمتهافتين من فلول العهد البائد الذين يتدافعون بالأرجل والمناكب دعما للعسكر، في إطار أوهامهم باستعادة الحكم، أن الشعب يقظ ويحرس ثورته وقادر على الدفاع عنها، فلا تلعبوا بالنار.
• المجد لشعبنا سليل الفخر والبطولة، والمجد والخلود للشهداء الكرام البررة، وشفاء عاجل للجرحى والمصابين، وعودا حميدا للمفقودين.
عاش نضال الشعب السوداني.
الثورة مستمرة وستنتصر

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال