‫الرئيسية‬ دراسات خطاب النسويَّة بعد (نيرتتي).. خطابٌ ثوريٌّ أم خطابٌ ليبراليٌّ مهزوم؟!
دراسات - مقالات - 8 يوليو 2020

خطاب النسويَّة بعد (نيرتتي).. خطابٌ ثوريٌّ أم خطابٌ ليبراليٌّ مهزوم؟!

حكمة أحمد

بالنظر إلى الحضور الثوري للنساء في ميدان اعتصام (نيرتتي)، والاحتجاجات المُندِّدة بالعنصرية بمنطقة (كاودا)، لعله الآن الوقت المُناسب للنظر في خطاب النسوية المركزية الليبرالي المُتعثر، وغير الشامل، وينبغي علينا – بوصفنا نساءً حظين بامتياز الوسط والما وراء – أن نُعيد النظر في سياسات المجتمع المدني التي تفتقر إلى الشمول، ويعيبها كثيرٌ من الإقصاء، إلى جانب الانتباه إلى ضرورة التحول إلى بناء منهج أكبر وأكثر شمولاً، حتى يمكننا القول بنسوية سودانية تحوي داخلها شاسع الاختلاف، وفي نفس الوقت تتلاقى الرؤى.

يجب العمل معاً مع النساء اللواتي دفعت بهن الظروف الاقتصادية والسياسية نفسها وقذفت بهن إلى أُتون المركز، مثلما عليهن – ابتداءً – إعادة النظر إلى أنفسهن وإلى مكانهن في قلبِ (المعمعة)، وفتح أبواب التساؤلات المشروعة على أقصاها، ومن ثم خلق تحالفاتٍ أوسع تُخرِجهنَّ من إطار الضحايا اللواتي يُدعَمْنَ بواسطة التمييز الإيجابي (الشكلاني)، مرَّة لسماعهن، ومرَّات أُخرى يدفع بهن إلى مربع الضحايا للتكسب من مظالمهنَّ والتكريس لنخبةٍ طبقيةٍ واحدة.

لا يهدف هذا المقال إلى إدانة المستفيدات من الامتيازات الطبقية، بقدر ما يرغب في تفتيح الأذهان على حصرية هذه الامتيازات، وكيف يمكن أن توضع في إطارٍ عدليٍّ خارج الشعارات والتقارير.

لا بد من تقييم الآليات والأدوات المبذولة في عمل المجموعات المختلفة التي تتصدَّى لأشكال العنف والتمييز المختلفة ضد النساء. مثلاً، لنأخذ نموذج التمييز الإيجابي، وكيف تمَّت إساءة استخدامه لصالح القلة، وأقول: “تمت إساءة استخدامه”، لأنَّ الاستخدام الصحيح هو الذي يعكس الشمول في التمثيل وفي الفرص، ومن ثم ينعكس على تحقق العدالة بمختلف مستوياتها سواء أكانت عدالةً اجتماعيةً أو قانونيةً أو عدالةً سياسيةً أو اقتصادية.

مع العلم أنَّ التمييز الإيجابي الذي أقرَّه (ميثاق بكين)، وتبنته معظم الدول التي تعاني من إشكالات متجذرة في عدم المساواة والتهميش، كان يهدف في الأساس إلى محاولة ترفيع المجموعات الأقل حظَّاً في الوصول إلى الفرص.

آن الأوان لأن نبدأ غربلةً شاملةً تُساوي في القيمة الفعل الثوري المُتفجر في أنحاء البلاد كافة، وبشكل أكبر في مناطق الحروب.

لقد سئمنا من الخلاص المركزي الفرداني، لذا لا بد أن ننظر إلى الأدوات التي تم افتراعها لإنصاف النساء، وأن نرى من المستفيد منها، وأين مكمن الخلل؟

لقد سئمنا من نظرات الشفقة والتجريم والخطابات الرسمية وغير الرسمية التي تعكس في أكثر الأحيان سياسات لا تخلو من استعلاء وعنصرية.

لقد سئمنا من الامتعاض الذي يظهر في ورش العمل، من الأصوات التي تُطالب بتمكين حقيقي شامل، وقد حان الوقت إلى النظر إلى ثورة النسويات بشيء من الاحترام للخروج من دائرة الضحايا المُشيطنة.

لقد سئمنا من الحجج الفطيرة التي يتم تقديمها كمبرر لعدم وجود نسويات يحملن نفس الفهم للنظريات النسوية أو مستوى التعليم الذي يُخرِجهنَّ من دوائر صنع القرار، هذه الحجج الضعيفة هي حججٌ تخدم فقط حضوراً طبقياً دائماً وتضييقاً للفرص على الأخريات.

لنخرج من شعارات المساواة الفارغة من المضمون إلى خانة التمكين الحقيقي الذي يقود إلى عدالةٍ شاملة، لا بد أن نُعيد التفكير في إحساس الوكالة المتفشي وسط النخبويات اللواتي يمتلكن صوتاً ومساحة.

لا بد من وقفةٍ حقيقيةٍ لتقييم موقعنا من النضال، ومراجعة الاستحقاق التاريخي المُتوارث للطبقة المتوسطة، وأن نفهم كيف فشلت السياسات المركزية في استيعاب نظرة ومنهج شامل.

بالعودة مرَّة أُخرى إلى الحشود التي تعتصم في (نيرتتي) الآن، نرى حشود النساء في الواجهة: النساء المُزارعات اللواتي لم يتم يوماً تقنين عملهن، النساء البنَّاءات اللواتي يحفرن الجبال ويحرقن طوب الكمائن، اللواتي لم يُنظر إليهنَّ كفاعلات، ولكن صعدن إلى الوعي الجمعي كضحايا حربٍ واغتصابٍ وخلافه.

هؤلاء النساء لديهن مطالب أساسية ومُلحَّة، خرجن مُجاهراتٍ بها من معسكرات النزوح والمدن التي شُرِّدن إليها، فهذه ليست ثورة المدن المستقرة، إنَّها ثورة المدن المحروقة، ثورة من تم انتزاع أرضه وزرعه وحلمه، ثورةٌ ضد الثورية التي في سعيها إلى إعادة الاستقرار، أسهمت في الهدم، وتحولت إلى تجارة حرب تسترزق من استمرار الصراع نفسه.

بهذه السلمية العظيمة في مناخ دامٍ؛ يخرج (مانفستو) ثوري جديد، محفوف بالمخاطر، ومحاصر بأصحاب الأجندات المصلحية.

لذا وفي هذا التوقيت، إذا لم نمتلك الجرأة على مواجهة أنفسنا، والإنصات إلى هدير المطالب الجامح، والجلوس للتعلم، فإنَّنا بذلك سنُهدر فرصةً عظيمةً لإحداث اختراق تاريخي يكشف العورات التي نُداريها تحت مختلف العباءات.

السياسات النسوية بشكل عام والأُطر النظرية

أعمال النساء غير مدفوعة الأجر

ثورنة العمل وشرعنته

حين ننظر إلى النساء اللواتي يتصدَّرن الحراك السياسي، وفي نفس الوقت يتولَّيْن نفس الأدوار التي يقمن بها في المنزل – من طبخ وخلافه، ولا نعني بالطبع تبخيس هذا الدور العظيم والمهم الذي تقوم به الكثيرات طواعية كجزء من مسؤوليات وضعت عليهن بشكل تاريخي – نرى أنَّ مواصلتهن لهذا الدور تُفهَم في إطار الحفاظ على الموروثات الاجتماعية والثقافية المُتمثلة في مؤسسة الأسرة.

وإذا نظرنا إلى الاعتصام بعدسة مكبرة، نجد أنَّه أقرب إلى تلك المؤسسة مع بعض الملامح الثورية، والتي يمكن أن تختلف من حيث الدرجة والمقدار في اعتصام القيادة العامة لأسباب مُتفاوتة.

هذه المؤسسة ربما يُضمِر لها البعض – نُضمِر لها كنسويات راديكاليات وتقدميات – رفضاً، ولكن أعتقد أنَّ الأمر المهم من طرح وجهة النظر هذه ليس للتدخل أو فرض رأيٍ قد يُشكِّل تهديداً للنسيج الاجتماعي لهذه المجموعات، ولكن هو بصورة أشمل لإضافة سؤال آخر إلى أسئلة الإجحاف المستمر في النظر إلى هذه الأدوار كأنَّها أعمال كتب على النساء القيام بها وحدهن.

أعتقد أنَّه من المهم إضافة سؤال يتعلَّق بالإجحاف في النظر إليها بكونها أعمالاً مجانية، أو عدم الاعتراف بها كعمل، وفي نفس الوقت تقييم عمل المنظمات التي تنادي بمساواة النوع غير المصحوب بخيارات أشمل تعمل على تمكين النساء، وبالتالي تضمن عدم احتجاج الرجال ورفضهم لهذه الأدوات، وبالتالي إعاقة إحراز أي تقدُّم مُمكن.

لا بد أن يتضمن الخطاب النسوي هذه القضايا، وأن يتم النظر إليها وتثمينها كأي دور ثوري يتم في هذا السياق، باعتبار أنَّه لا يقلُّ أهمية عن أدوار أُخرى ثورية.

الدفع بقضية العمل المنزلي كعمل مدفوع الأجر، وتشجيع فكرة تكوين نقاباتٍ تقوم بتقنين لوائح تعمل على صنع سياسات ضامنة للنساء العاملات في المنازل، مع تخصيص رواتب ومعاش … الخ، من حقوق العمل، ينبغي أن يكون جنباً إلى جنب مع برامج رفع الوعي بقضايا المساواة بين النوع.

ولا بد من قتل اعتراض الرجال على العدالة النوعية، والنظر إليها كأدوات تتحدَّى النظام الاجتماعي الذي يجعل هذه الأدوات كأنَّها أدوات للاحتجاج المحض. يجب أن يفهموا أنَّهم لن يقعوا ضحايا لعمل غير مأجور مثلما تُخطِّط العقلية الرأسمالية الأبوية.

كما يجب الحرص على ضمان عدم استخدام استراتيجيات المساواة في نسف وتجاهل الخبرات الكبيرة لقطاع عريض من النساء اللواتي لم تُتَحْ لهنَّ فرص تعلُّم مهنٍ ومهاراتٍ أخرى.

فضلاً عن ذلك، أرى أنَّ السعي إلى تقنين هذا العمل أمرٌ ضروريٌّ في طبيعة بلد مثل السودان، وربما يرى البعض أنَّ مسألة تقنين الأدوار المنزلية أمرٌ يقوم على هزيمة المشروعات النسوية في المساواة بين النوع، ومحاولة إخراج النساء من الفضاء الخاص؛ وهنا علينا أن ننظر إلى السيناريو الثاني في حال عمل بعض النساء داخل وخارج الفضاء الخاص، والعبء المزدوج الذي يشكل أقصى أشكال الاستغلال.

ففي حال كُنَّا نفكر في الاستراتيجيات التي تطالب بالمساواة بين النوع، لا بد لنا أولاً أن نضع في بالنا الأدوات التي تضمن حرية النساء في الاختيار بخصوص العمل داخل أو خارج المؤسسة، وهنا لا بد أن نفكر في المسألتين في وقت واحد: المناداة بمساواة النوع، والمطالبة بتشريع الأجور للعمل الداخلي، لأنَّ التوجه الليبرالي الخارج من مساحة الحرية التي توفرها امتيازات البعض في رفض فكرة العمل المنزلي، أو تؤمن خياراً اقتصادياً آخر في المقدرة على الحصول على بدائل،  إن دلَّ على شيء إنَّما يدلُّ على طريقة هزيمة الرأسمالية التي تهتم لمن يقدر على توفير نجاته الخاص من خلال السوق – وليس عبر النظر إلى من يحطمن مقدسات الرأسمالية عبر النزوع إلى الأدوات المحلية التي تضمن تحرُّر الجميع وليس الجزء.

النساء في اعتصام (نيرتتي) مثلهن مثل النساء اللواتي تصدَّرن اعتصام القيادة وأطعمن المعتصمين والمعتصمات، وتم تغييبهن عن دوائر صنع القرار، لأنَّه حين بدء الدفع بنسويات لم يتم النظر إليهن إلا بعين الضحية التي تحتاج إلى وكالة نسويات الطبقة المتوسطة، صاحبات الشهادات الفخمة و(البروفايلات) البرَّاقة (نتذكَّر هنا حملة الخمسين ولا أذكركم بالنقاش الذي دار وقتها).

وعندما أقول مثلهن، لا أقصد التطابق، ولكن هناك مشتركات منها الطبقة والنوع والاقتصاد والتعليم، مع تفاوت درجات التهميش والتغييب، لأنَّ دوائر المطالبة بالحقوق نفسها ليست متشابهة، وكنتيجة حتمية للثورة تغيَّر الوضع الآن؛ فقد نقل نساء (نيرتتي) التفاوض من الغرف المغلقة إلى سوح النضال السلمي، وبعد يأسهن من الحرب وأدعياء السلام، الآن يجربن سلاح السلمية.

الخطاب المركزي الذي يتبنى خطى الخطاب الليبرالي الغربي متناسياً السياق، عليه إعادة النظر مرةً أخرى إلى ما يتفجَّر الآن من صراع سياسي أكبر من فكرة الأبوية نفسها، وعليه الآن التقاط قفاز الحراك النسوي القاعدي المتصاعد، عليه التواضع ولو قليلاً، وتعلم السبيل إلى إطلاق الأيدي المغلولة على الأسطح البرَّاقة، فهي ارتفاعات واهية تلك التي تصعد نجمة واحدة في كتف السماء، جاعلة إياها ضابطاً في النظام التحرري برتبة امتياز.

مصيرنا في بلوغ الحرية مرتبطٌ بالتحرر من أوهامٍ كثيرة، الأوهام المصنوعة عبر تتبع خطى الحراكات النسوية التي أخفقت في إهمالها تبنى توجهات شاملة قائمة على تحليل الأزمات بشكل جذري، فعندما نغفل عن الطبقة واللون والدين والوضع السياسي والاقتصادي، ولا نأخذها في الحسبان، فإنَّنا نقع في فخ الرأسمالية الأبوية كما سمتها كمالا بهاسين، في الحوار الذي قمت بترجمته إلى العربية.

تلك الرأسمالية التي تقيد أيدي النسويات المعتمدات على التمويل المشروط، ليس فقط في عملنا في السودان، حتى في شراكاتنا مع الحليفات الإقليميات وحول العالم.

مطالب الصحة الإنجابية والحقوق البيئية في قلب الخطاب النسوي

نحتاج إلى ربط إيقاف الحرب بقضايا النساء من حيث استتباب الأمن الذي يمكنهن من العودة إلى زراعتهن، وفي نفس الوقت نحتاج أن نطالب بحقوق الصحة الإنجابية، عبر تأسيس مراكز متخصصة لا تتبع لمنظمات إنسانية تنهار مشروعاتها مع أول اختبار أمني، ولكن مراكز صحية تستوعب الخبرات المحلية، وتعمل جبناً إلى جنب على تطوير برامج تدريب وتأهيل يضع في الاعتبار هشاشة النظام التعليمي، وانهيار البنى التحتية الأخرى.

ونحتاج إلى مراكز صحية بها عيادات نفسية تقدم الدعم القائم على خطط مدروسة قادرة على فهم طبيعة الصدمات، وفي نفس الوقت قادرة على تجريب وسائل علاجية تنهض بالإرث الثقافي للمناطق المختلفة.

لا بد من مراكز صحية لديها توجهات واعية للانتهاكات التي استهدفت الأمومة والولادات بشكل ممنهج، هذه الأجساد التي تحولت إلى خرائط صدمات منسوفة الحدود، نرحلها معنا أينما عصفت بنا الأنظمة القهرية.

لا بد من تأسيس مراكز صحية تعيد القابلات إلى المجال الصحي بشكل يكفل كرامتهن ويقيم مهارتهن، ويعيد توظيفها بشكل يطور السياقات المحلية، ويعيد المهنة إلى خارطة العمل المحترف والمحمي بقوانين متينة.

أيضاً عندما ننظر إلى قائمة المطالب نجد أنَّه قد صعدت بعض القضايا البيئية الملحة لأول مرة بشكل واضح في قوائم المطالب الثورية، والتي تمثلت في وقف القطع الجائر للأشجار – وهذه واحدة من القضايا المهمة التي ينبغي أن تصعد إلى أجندات العمل النسوي -.

السلام الذي لا يشتمل على هذه الأجندات وخلافها التي تتجلى الآن في المشهد البائس من غياب الخدمات، لن يخرج عن إطار السلام السياسي الذي يقفز على السلام المجتمعي الذي يشكل عصب الاستقرار.

 

خطاب وآليات الضغط النسوي

حملات المناصرة ومسألة الوكالة المفتوحة

نحتاج إلى مجموعات ضغط قادرة على النفاذ إلى الفاعلين على المستويات المختلفة، وتستند على تحليلات مارقة من رحم المحلية، نحن بحاجة إلى تحدي الأولويات التي يفرضها اللاعبون في السوق السياسية، ولا يمكن أن تكون أولويات كل النساء هي العلمانية، كما تقايض بعض القيادات السياسية والتي تقرأ (مسك زمن)، لأنَّ مثل هذه الأولويات ليست ذات أهمية بالنسبة للنساء ولا حتى الرجال الذين يتم قتلهم كل يوم، ولكنها هي المطالب العصية على التنفيذ والتي تتطلب وقتاً طويلاً، وسنفهم مسألة (مسك الزمن) عندما ندرك لمصلحة من هذا التعطيل.

عندما ننظر إلى المطالب الملحة والواضحة لنساء المناطق الملغومة بالحرب وآثارها، لا نفهم فقط طبيعة واختلاف الأزمة، ولكن يتضح بما لا يدع مجالاً للشك اختلاف الأولويات، الأمر الذي يجب أن يفتح الأذهان على مسألة الوكالة والامتيازات عندما تتصاعد الأصوات بنسوية سودانية.

العنصرية

لعل خروج النساء في المناطق المحررة بـ (كاودا) للتنديد ضد العنصرية هو النداء الذي كانت بانتظاره المجموعات الحقوقية لتخرج بهذه المظالم من أقبية التظلم المظلمة، وكشفها في نهار ثوري ساطع، لنعيد التعرف إلى هذه الأزمة المستفحلة ونضعها في قلب التصورات النسوية.

لا بد أن نتحرى الدقة عندما نتحدث عن النسوية السودانية، وأن نتجاوز فخ النسوية الليبرالية التي تتحجج بخطورة الخطاب الذي يستند على استصحاب التقاطعية التي تحلل قضايا النساء اللواتي يتعرضن للعنف بشكل مضاعف، فقط لهوياتهن وأوضاعهن، سواء الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية والاقتصادية، مثل القبيلة، اللون، والدين.

إذ نرى بوضوح كيف تؤثر الأوضاع الطبقية كلما كانت المجموعة تنتمي إلى طبقة اقتصادية أكثر هشاشة، والتي بالتالي خلقت فوارق تعليمية كبيرة وضيقت الفرص في الحصول على خدمات الرعاية الأخرى.

علينا فهم هذه الفخاخ والتجاوزات التي تبرر لتأصيل الأحادية والتي تصور الأمر وكأننا نكرس لعنصرة الخطاب و(فرزنته)، وهو أمرٌ غير صحيح، وإذا أعدنا النظر إلى تجارب الحراك النسوي في العالم سندرك خطل هذه الذرائعية.

فلنأخذ مثلاً حملة الخمسين التي قادت مطالب التمثيل العادل في التمثيل السياسي التي انطلقت إبان ثورة ديسمبر المجيدة، ولنطرح هذا السؤال الصريح لتجنب حرج خطورته التفكيكية المثيرة لذعر طبقي وحيد، لديه مبرراته في تبني مثل هذه المخاوف التي تهدد فرصاً مكفولة لهن، ولكي تساعدنا الإجابة في فهم ما يحدث في السياق النسوي الطبقي.

السؤال هو: هل تشكل نسبة الـ (50%) من النساء من ذوات الشهادات العالية تمثيلاً حقيقياً وعادلاً لـ (50%) من مختلف شرائح النساء في السودان بمختلف تنوعاتهن؟! أم هو تمثيل للواحد بالمائة من الطبقة المتوسطة؟! وهل بذلك نكون حققنا تمثيلاً عادلاً أم أنَّنا حذونا خطى التمثيل الذكوري الحائز على المائة في المائة؟

حين ندرك أنَّه ليس بإمكاننا قهر الأبوية بنفس عضلة التفكير المهيمنة، حينها فقط يمكننا الحديث عن نسوية شاملة، نسوية يقظة وواعية باختلافاتنا وخطورة استخدام أدوات المتسلط التي أسست للنظام الأبوي نفسه.

 

(التقاطعية)

هذا المصطلح النظري – يظل مصطلحاً نظرياً تم استخدامه في هذا المقال ليس لتغريب المشهد – ولكن لأنَّ القاموس النسوي ليس متشكلاً بشكل يخصنا وحدنا كنساء في السودان، فنحن نتشارك نفس المشكلات مع نساء أخريات في مختلف بلدان العالم تم قهرهن والتكريس لإقصائهن، لأنَّ الإطار التنظيري للنسويات لم يكن منتبهاً أو متبنياً لهذا الإطار الذي يشرح طبيعة الظلم المركب التي تقع على النساء بحكم النوع، ومرات أخرى كثيرة يكون مضاعفاً لأسباب أخرى تم شرحها في المقال.

وحتى لا نشعر بالغرابة اللغوية، فإنَّ تجاربنا الفردية هي المرجع الأول السابق على المصطلح نفسه، فتجربة نساء الأقاليم التي تعاني من الحرب مثلاً، هي نموذجٌ واضحٌ لضرورة فهم اختلاف أسباب التعرض للعنف، وبشكل أدق يعتبر إحدى الأدوات المهمة التي يجب على المجموعات العاملة في الحقل الحقوقي النسوي من استخدامها لضمان فهم وتحليل العنف.

*كاتبة وحقوقية سودانية مقيمة في لندن

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *