بروفيسور خلف الله بشارة
‫الرئيسية‬ مقالات إنه الاقتصاد.. يا غبي… “It’s the economy; stupid!”
مقالات - 23 فبراير 2022, 3:50

إنه الاقتصاد.. يا غبي… “It’s the economy; stupid!”

بروفيسور خلف الله بشارة

هذه العبارة المشهورة تنسب لجيمس كارڤل مدير حملة بيل كلينتون الانتخابية الناجحة في ١٩٩٢ حين ركزت الحملة على انحسار الاقتصاد في سنوات حكم جورج بوش الأب مما أدى إلى هزيمته وفوز كلينتون. لكنها تخطر بالبال كلما سمعت المتحدثين من الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين (الجديد) يطالبون أحزاب الحرية والتغيير بالنقد الذاتي والاعتذار عمّا اقترفوه من ذنوب.

يتحدثون عن التماهي مع العسكر وغض الطرف عن القصاص (قحاتة باعو الدم) وربما توقيع الوثيقة الدستورية. لكن قادة قحت اعتذروا وندموا على كل ذلك وبشجاعةِِ أودت بهم إلى المعتقلات. إذن فالمقصود لا بد ان يكون الاعتذار عن دعم سياسات حمدوك الاقتصادية. “انه الاقتصاد” الذي أدى لانسحاب الحزب الشيوعي من قحت في نوفمبر ٢٠٢٠؛ بعد أكثر من سنة صمتوا فيها على حكومة حمدوك.
الاختلاف يبدو جوهرياٌ في ظاهره ولا مجال لعودة الحزب الشيوعي إلى التحالف مع أحزاب قحت. نفس الاختلاف تطور داخل لجان المقاومة ولذلك الضغط على لجان المقاومة للاتفاق على ميثاق وطرحه الان قد يؤدي لتشظيها.
الأحداث لا تبرئ قحت ولكنها ايضاً لا تبرئ الحزب الشيوعي. أولاً البرنامج الاسعافي لقحت الصادر في أكتوبر ٢٠١٩ ينص على ضرورة تعويم الجنيه والدخول في مبادرة عفو الديون هيبيك (صفحة ٤٥ و٤٧). هذا البرنامج توافقت عليه كل أحزاب قحت وساهم في كتابته اقتصاديو الحزب الشيوعي بقيادة د. صدقي كبلو. إذن، أين المشكلة؟
لخص د. صدقي كبلو ما يحتاجه السودان الآ في “قلع الاقتصاد من الرأسمالية الطفيلية” وبناء اقتصاد رأسمالي صناعي مختلط تساهم فيه الدولة وتقوم بواجبها في الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. في أي نشاطات تساهم الدولة وبأي قدر قد يظل موضوع نقاش يمكن الاتفاق عليه لكنه ليس اختلافاً جوهرياً ينسف تحالف قوى الثورة.

أما شروط صندوق النقد وما إذا كانت في صالح هذه الفئة من الشعب او تلك، فهذا جدل لا جدوى منه الآن لأن الشعب دفع ثمن روشتة صندوق النقد وبدأ يجني ثمار ذلك باستقرار سعر الصرف (لـ ٨ شهور)، انخفاض معدل التضخم، اختفاء تهريب الوقود وسوق العملة الموازي وتدفق تحويلات المغتربين فضلًا عن الشروع في عفو ٦٠ مليار دولار من الديون والانخراط في النظام المصرفي العالمي وإنشاء بورصات الذهب والمحاصيل. هذه نجاحات لا ينكرها إلا مكابر كما لا يمكن إنكار مساهمة اقتصاديي الحزب الشيوعي في دفع حكومة حمدوك الي ضبط الاستيراد (مما ادي لاستقرار سعر الصرف) والضغط لزيادة دعم الأسر وميزانية الصحة والتعليم. ما نص عليه برنامج قحت الإسعافي والمؤتمر الاقتصادي لا يفرق كثيراً عمّا تطالب به الغالبية الآن بما في ذلك الحزب الشيوعي. بعض بنود البرنامج كوضع يد الدولة على الذهب وضمان عائدات الصادرات اعتمدت كثيراً على تعاون وإخلاص الأجهزة الأمنية، الشيء الذي لم ولن يحدث. ذلك لأن الأجهزة الأمنية أداة في يد الرأسمالية الطفيلية؛ عدو الثورة في المقام الأول. لذلك تعثر إنجاز كثير من بنود برنامج قحت وبرنامج ثمرات له مبرراته واسبابه الموضوعية.
إذن، يمكن أن نركز في المستقبل كما ينبغي أو نتلاوم على الماضي ونبكي على اللبن المسكوب. نعم الصرف استقر على سعر عال وبعض سياسات حكومة حمدوك في استيراد الوقود مثلًا أدت إلى قيام رأسمالية طفيلية جديدة لكن كل هذا يمكن إصلاحه بدون هدم المعبد. المشكلة الحقيقية الآن هي إصرار البعض على الخروج من برنامج هيبيك وطرد صندوق النقد ورفض دعم امريكا وإمبريالية الغرب مما يؤدي للارتماء في أحضان الإمبريالية الجديدة ممثلة في روسيا والصين. معطيات الواقع في الداخل والخارج لا تسمح بهذا التمترس والانصياع لنظريات المؤامرة و بروباغندا روسيا. ستخسر الثورة الكثير.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.3 / 5. Total : 25

كن أول من يقيم هذا المقال