‫الرئيسية‬ ترجمة دور لجان المقاومة المحلية في الفترة الانتقالية بالسودان **
ترجمة - دراسات - مقالات - 15 فبراير 2022, 22:40

دور لجان المقاومة المحلية في الفترة الانتقالية بالسودان **

 

بروفيسور عطا البطحاني*
ترجمة: صلاح محمد خير**
إهداء المترجم:
إلى روح الشهيد محمد يوسف (جوني)، نحن الأموات، هو الحي، الذي دفع حميداً مهر أم درمان؛ مدينته المجدولة من تراب.

___________    _______________    ______________

ظهرت لجان المقاومة المحلية كأداة سياسية أثناء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام عمر البشير. من المفارقة أن يُلقي الدور الذي اضطلعت هذه اللجان، في الإطاحة بنظام البشير، على عاتقها مسؤولية “حماية” الثورة. لكن الأسئلة التي تطرح نفسها تتمثل في: من هم أعضاء هذه اللجان؟ ما الدور الذي اضطلعوا به أثناء الانتفاضة؟ ما الدور الذي باستطاعتهم الاضطلاع به في انتقال السودان إلى الحكم الديمقراطي؟
تاريخ المقاومة
نال السودان استقلاله في عام 1956، لكنه سرعان ما غرق في حالة من عدم الاستقرار، والاضطرابات المدنية، والمآزق الاقتصادية. لقد تراوحت السياسات السودانية بين دوامات من ضعف حكومات متعددة الأحزاب، وأنظمة عسكرية، وانتفاضات شعبية تتخللها فترات انتقالية. استمر الانقلاب العسكري، الذي عُرف باسم نظام الانقاذ، بقيادة الإسلاميين، لمدة ثلاثين عاماً، من عام 1989 إلى 2019.
جعلت ثلاثون عاماً من حكم الإنقاذ، البلاد في حالة من الفوضى؛ تمثلت في اقتصاد يرزح تحت وطأة سوء الإدارة والمقاطعات، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة في أوساط الشباب الذين يشكلون أكثر من 40% من مجموع السكان. شعر الشباب بحق بأنهم قد حرموا من الفرص المتاحة لهم. تملك الشباب شعور بأنهم قد حرموا من حق الحياة التي يرغبون فيها جراء التدابير القمعية التي تبناها الإسلاميون. عمل نظام الإنقاذ، لأسباب مفهومة، على تغذية الشعور بالسخط في أوساط الشباب في كل من المناطق الحضرية والريفية.

تصدر طلاب الجامعات الاحتجاجات الشبابية في وقت مبكر من التسعينيات من القرن الماضي، قبل فترة طويلة من التحالف بين التحالف الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان في التسعينيات من القرن الماضي. دفعت فداحة الاستخدام الوحشي للقوة التي ردت بها القوات الحكومية على احتجاجات الطلاب والشبات، بعض قادة المعارضة إلى الدعوة للحماية المسلحة للمظاهرات المناهضة للحكومة، فيما أصبح يعرف باسم “الانتفاضة المحمية”. لكن “الانتفاضة المحمية” أصابها الاخفاق كما يرى المحتجون من الشباب؛ إذ إنهم رأوا الدليل على اخفاقها في التطورات التي أعقبت اتفاقية السلام الشامل في عام 2005 وانفصال جنوب السودان في عام 2011، إضافة إلى فرط الانفاق الحكومي على الجيش والأجهزة الأمنية. من أجل المضي قدماً، شرع الشباب في تنظيم أنشطة محلية لا تنطوي على العنف وتتسم بالسلمية تحت شعار: (سلمية، سلمية ضد الحرامية).

حفز الأثر التراكمي للمقاومة الطلابية والشبابية على تكوين لجان المقاومة المحلية، على الرغم من أن زمان ومكان التكوين وهوية الأعضاء يشكل مثار خلاف بين العديد من الأطراف. بحلول عام 2010 وعام 2012، بدأت المحاولات الجادة لتنظيم لجان المقاومة المحلية. في سبتمبر من العام 2013، أخمدت القوات الأمنية بوحشية مظاهرات في الخرطوم بحري، حيث قُتل بالرصاص أكثر من 200 شاب من المتظاهرين، مما يعد مذبحة قوبلت بإدانة داخلية وخارجية للوسائل التي انتهجتها الحكومة. دعا الرئيس البشير إلى حوار وطني مع المعارضة في عام 2014، وبعد ثلاث سنوات من المداولات ضم الرئيس بعض القيادات المعارضة في الحكومة وأعاد تشكيل الوزارة وعين رئيساً للوزراء.

بسبب من السياسات الحكومية الاقتصادية القاسية والتدابير لرفع الدعم عن الخبز والوقود، أصبح اندلاع التظاهرات، وإقامة حواجز الطرق، وإحراق إطارات السيارات أموراً مألوفة تتم بإيعاز من تجمع المهنيين السودانيين، الذي تولى مسألة تنظيم وتنسيق الاحتجاجات السلمية في ديسمبر 2018. في يناير 2019، برزت قوى الحرية والتغيير كتنظيم جامع للأحزاب والقوى المعارضة. ومع ذلك، تعتبر لجان المقاومة المحلية صانعة التغيير الحقيقية.

لجان المقاومة المحلية: أداة جديدة للتغيير والخطاب السياسي
تستمد لجان المقاومة المحلية قاعدة عضويتها من الشباب العاطلين عن العمل من كافة الطبقات الاجتماعية-الاقتصادية، لكن أنشطة اللجان تجد لها، وبشكل خاص، أصداء بين من لهم اهتمام سياسي داخل الطبقة الوسطى والفقراء. يمثل الأعضاء مجموعة كبيرة ومتنوعة من الخلفيات الإثنية التي تتحدر من مختلف المناطق. تسعى حركة لجان المقاومة المحلية إلى تجاوز الانتماء الحزبي والسياسي، وتنادي بتبني نهج جديد. تم تكوين لجان المقاومة المحلية في كافة أنحاء البلاد، ولكن الخرطوم تقدم صورة واضحة لطبيعة الأعضاء الاجتماعية والطبقية ونظرتهم المستقبلية.

الأحياء الحضرية الفقيرة
يهيمن المهاجرون من المناطق الريفية والنازحون على الأحياء الحضرية الفقيرة مثل الحاج يوسف، والكلاكلة، ومايو الواقعة جنوب الخرطوم، ودار السلام وأم بدة، حيث تزدهر الاتجاهات المناهضة للمؤسسات. بينما لم يبرز هيكل قيادة، يقدم الخريجون العاطلون عن العمل ممن لهم خبرات في العمل السياسي داخل الجامعات ووسائط التواصل الاجتماعي أصواتاً سياسية أساسية ويقومون بدور الحراس الموثوقين للحشود من الشباب. يمثل هؤلاء الخريجون العاطلون عن العمل الزعماء الحقيقيين للجان المقاومة المحلية. أثناء الاحتجاجات، غالباً ما كان يتم تأهيل المنبوذين اجتماعياً بوصفهم أبطالاً محليين يصمدون أمام الشرطة، مما يشجع على روح التضحيات الفائقة الرجولة (1). استهدفت التدابير القمعية الحكومية الشباب في المدارس والجامعات، وفي أماكن الأنشطة الثقافية والرياضية، وفرقت شرطة النظام العام والقوات الأمنية بائعات الشاي، واعتقلت هؤلاء الشباب، وأخلت شارع النيل أثناء الاحتجاجات (2).

أحياء الطبقة الوسط                                                                                                          تتمثل أحياء الطبقة الوسطي في حي بري في الخرطوم، وشمبات في الخرطوم بحري، والعباسية في أم درمان. كانت لجان المقاومة المحلية في هذه الأحياء هي اللجان الأكثر تنظيماً وتأثيراً أثناء الاحتجاجات. كما كانت هي أيضاً اللجان الأكثر تنظيماً وتأثيراً بالنسبة لحشد الدعم في الشوارع. عقب مذبحة الاعتصام أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة (مخيم اعتصام المحتجين في محيط القيادة العامة)، ظهرت هذه اللجان بصفتها مراقباً يؤثر على تجمع المهنيين السودانيين وقوى الحرية والتغيير والأحزاب السياسية حتى لا تقوم بمقايضة الثورة بالسلطة. لم ينخدع أسود البراري، الذين يعتبرون أبطالاً لبؤرة الاحتجاج في الخرطوم، بأساليب الأحزاب السياسية. في وقت من الأوقات، صرخ أسود البراري في وجه أحد السياسيين عندما دعا إلى التحلي بضبط النفس (3).

أحياء الطبقة العليا
أثناء الاحتجاجات، انتشرت لجان المقاومة المحلية على نحو سريع في كافة أنحاء البلاد، في كل من الأحياء الغنية والفقيرة. قام حتى حي الرياض، وهو من أحياء الخرطوم الراقية، بتكوين لجنة مقاومة. لكن دينامية لجنة مقاومة الرياض، الذي تسكنه الطبقة العليا، تختلف بشكل واضح عن لجان المقاومة في حي الكلاكلة، الذي تسكنه الطبقة المتوسطة. بينما يتشوق أعضاء لجان المقاومة المحلية في الكلاكلة إلى العمل، يحرك سكان الرياض من المحتجين الانخفاض في قوتهم الشرائية. تم تكوين لجنة الرياض عبر جهود الاتصال عن طريق تويتر، وتضم هذه اللجنة خريجي جامعات عالمية ينتمون إلى الطبقة العليا.
على الرغم من هذه الاختلافات في قاعدة العضوية والتوجهات، اتخذت لجان المقاومة في كافة أنحاء البلاد هيكلاً تنظيمياً أفقياً، وكونت تنسيقيات لتحقيق التزامن بين الأنشطة وتنسيقها بغية التوحد حول أهداف سياسات عامة، وتقديم الدعم اللوجستي لبعضها البعض.

مستقبل لجان المقاومة المحلية
بدأت خيبة أمل الشباب في “النادي السياسي القديم” منذ وقت طويل. تدعو لجان المقاومة إلى خطاب يتجاوز الانتماءات القبلية والعرقية والإقليمية. يكشف الهيكل التنظيمي الأفقي للجان عن رغبتها في الاحتفاظ بحريتها الذاتية واستقلالها عن الانتماءات السياسية. لا توجد قوى سوى لجان المقاومة المحلية تنال ثقة عائلات الشهداء والرأي العام. تتمتع اللجان بالإمكانات والقدرات لتحويل حراك الشباب إلى ما هو أكبر بكثير؛ أي الإمكانات والقدرة على انتشال هذا الحراك من واجهته المحلية الضيقة إلى واجهة وطنية عريضة تقدم الدعم للتحول الديمقراطي.

لكن الطريق إلى الأمام لا يخلو من العقبات. تستهدف قوى سياسية رئيسية متنافسة، القوة الفعلية والممكنة للجان المقاومة المحلية. تحاول المليشيات العسكرية، إضافة إلى الأحزاب السياسية، من اليسار والوسط واليمين، إيجاد موطئ قدم داخل لجان المقاومة المحلية، واستيعابها في نهاية المطاف. على الرغم من ذلك، تستمر لجان المقاومة المحلية في المقاومة. في الفترة الأخيرة، أصدر تحالف بين لجان المقاومة المحلية، يزعم أنه يمثل مناطق جغرافية حضرية واسعة، بياناً يعلن فيه استقلاله عن الطابع السياسي لقوى الحرية والتغيير وأعضائها.

ذهب مجدي الجزولي (4) إلى أن قادة قوى الحرية والتغيير، في العهد الجديد من حرية التعبير، يخضعون لمراقبة لا هوادة فيها من قبل اللجان وأفكارها الثورية. تم الإعلان عن الكثير من أبطال الأمس بصفتهم أشراراً. تجنح اللجان لتسمية وفضح الأفراد المتهمين بمحاولة اختراق صفوفها وتوجيه مسارها. أصبحت هذه الاتهامات أساساً في التقارير التي تقدمها وسائل الإعلام حول لجان المقاومة المحلية، وعلى وجه الخصوص، بصفتها جهات فاعلة قوية يتحرك تأثير الأموال لإبعادها عن مهمتها الأصلية وتحويلها إلى أدوات وأتباع (5). تظهر التقارير الصحفية تزايد إحباط لجان المقاومة المحلية من قادة قوى الحرية والتغيير، على وجه الخصوص، إذ أن لجان المقاومة تصب نقدها على الحرية والتغيير في تعاملها مع مذبحة الاعتصام في 3 يونيو 2019، والمسائل المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية والتحول الديمقراطي.
عند النظر إلى ديناميات عملية الانتقال الحالية، يتضح أنه لا يمكن للجيش أو المدنيين في الحكومة الانتقالية تجاهل دور لجان المقاومة المحلية. تمثل لجان المقاومة المحلية مركزاً من مراكز القوة التي تنسجم مع البرامج السياسية، وتواصل عملها على الرغم من التهديدات التي يشكلها الجيش والأجهزة الأمنية وقوات الدعم السريع لاختطاف العملية السياسية.

يمر المشهد السياسي السوداني بحالة من حالات الجيشان. قد تشكل محادثات السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال وحركة تحرير السودان – جناح عبد الواحد إضافة للديناميات الناجمة عن اتفاق سلام جوبا الموقع مع الجبهة الثورية في عام 2020. تتمثل الأمور الأكثر إلحاحاً في إعادة ترتيب الانتماءات السياسية وإعادة التنظيم السياسي. تزدهر المحاولات المحمومة لاستيعاب لجان المقاومة المحلية. من المحتمل أن تتأثر لجان المقاومة المحلية بالمشهد السياسي الذي يشهد حالة استقطاب حاد. تبقى إلى ذلك معرفة ما إذا كانت لجان المقاومة ستحافظ على حريتها الذاتية واستقلالها وتعمل كقوة مضادة لقوى المليشيات العسكرية التي تسعى لتوجيه مسار ثورة ديسمبر.

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم
_____________________________________
Notes
[1] .Magdi elGizouli, Mobilization and Resistance in Sudan’s Uprising, From neighborhood committees to zanig queens, Rift Valley Institute, briefing paper, January 2020.
[2]. Later, security Chief Salah Goush confessed that this was a big mistake and contributed to youth frustration and anger against authorities. Of course, not to mention that reports of security making it easier for those using drugs (i.e Tramadol) to drug youth leaders.
[3]. Anonymous interviewer, 11 July 2020.
[4]. Magdi al-Jizouli is an intellectual, civil rights activist closely monitoring Sudan politics.
[5]. Magdi al-Jizouli, op.cit.

**صورة المترجم: صلاح محمد خير

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 2 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال