د منير صفى الدين
‫الرئيسية‬ مقالات لماذا نجحت ثورتا أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وتعثرت ثورة ديسمبر 2018؟
مقالات - 24 يناير 2022, 0:02

لماذا نجحت ثورتا أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وتعثرت ثورة ديسمبر 2018؟

د. محمد المنير أحمد صفى الدين

الثورات الشعبية ضد الأنظمة العسكرية في السودان شكلت عاملاً مهماً في إسقاط كل الحكومات العسكرية، ولكن بجانب التظاهرات كانت هناك ترتيبات مهمة من داخل البيت السوداني لضمان عدم تحول التظاهرات السلمية إلى مواجهات دموية مع الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية. هذا ما نفتقده الآن وهو ما يجعل الكثيرين في حالة قلق متزايد من مجريات الأحداث في السودان، في هذا المقال سأستعرض الترتيبات التي قادت لتنحي عبود، وتنحية النميري والبشير، والمواجهة الحالية مع البرهان.

حكومة عبود دامت ست سنوات (1958-1964). عندما اندلعت المظاهرات ضد الحكم العسكري في 21 أكتوبر 1964، قام عبود بتكوين حكومة انتقالية أشرك فيها المدنيين. لم يرض الشعب برئاسة عبود للحكومة الانتقالية لأن الناس أجمعوا على أن عبود هو رأس المشكلة، لذا استمرت التظاهرات والمواجهة مع السلطات الأمنية. زحفت التظاهرات نحو القصر الجمهوري وحينها أطلقت السلطات الأمنية النيران على المتظاهرين وسقط العديد من القتلى بعد سقوط الشهيد الأول (أحمد القرشي طه) في 21 أكتوبر. أفضت حادثة استشهاد القرشي إلى تكوين “جبهة الهيئات” من النقابات والمثقفين بعيداً عن الأحزاب السياسية التي ما فتئت تتصارع في داخلها وفيما بينها.

لعبت جبهة الهيئات دوراً محورياً في قيادة ثورة أكتوبر. وفي 28 أكتوبر صدر بيان من مجموعة من ضباط القوات المسلحة تحت مسمى “الضباط الأحرار” يعلنون انحيازهم للجماهير الثائرة. من الأمور المهمة التي أريد أن أركز عليها هنا أن عناصر من جبهة الهيئات قد قامت بالتفاوض مع عبود ومجلسه العسكري وضمنت لهم عدم المحاكمة والمساءلة على انقلاب 1958، وهذا أمر محوري جداً في نجاح ثورة أكتوبر التي بدأت في يوم 21 أكتوبر وتكللت بالنجاح في يوم 15 نوفمبر من نفس العام (أقل من شهر) بتنحي عبود عن السلطة.

هناك ثلاثة أمور مهمة أدت لنجاح ثورة أكتوبر 1964:

أولاً: انبثاق قوة سياسية غير حزبية هي جبهة الهيئات التي تكونت من المثقفين والنقابات، قامت بتنسيق ثورة أكتوبر.
ثانياً: انقسام القوات المسلحة على قائدها الأعلى الفريق عبود وإعلان مجموعة من الضباط انحيازهم للشعب ضده.
ثالثاً: ضمنت عناصر من جبهة الهيئات لعبود ومجلسه العسكري مخرجاً آمناً من الأزمة بضمان عدم المحاكمة.

إذا ظلت القوات المسلحة متوحدة خلف قائدها عبود ضد الشعب الثائر، وإذا لم يتوفر لعبود مخرج آمن من الأزمة، لامتد أمد الثورة ولأفضى الأمر لمواجهات دامية بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية مثل ما نشاهده اليوم.

نتحول الآن لثورة أبريل 1985 ضد حكم نميري، حكومة نميري دامت ستة عشر عاماً (1969-1985). نجاح الحراك الشعبي والتظاهرات في إسقاط حكم نميري في أبريل 1985 جاء نتيجة لانحياز كل القوات المسلحة تحت قيادة القائد الثاني الأعلى رتبة سوار الذهب للشعب وخلعه للرئيس نميري، لولا هذا الموقف المشرف من القوات المسلحة تحت قيادة سوار الذهب لسقط السودان في مستنقع المواجهة الدامية بين عناصر جهاز الأمن الموالي للنميري والمتظاهرين. لعل البعض يتذكر الأخبار التي تواترت بعد سقوط نميري عن اكتشاف حاويات مخزنة في أنحاء العاصمة مكدسة بالأسلحة الخفيفة، والتي نسبت ملكيتها لجهاز الأمن آنذاك. أيضاً انبثق التجمع النقابي كقوة سياسية ساهمت في تجميع إرادة الشعب ضد نميري، وساهمت في تكوين الشق المدني من الحكومة الانتقالية.

العوامل الأربعة المهمة في نجاح ثورة أبريل 1985 ضد نميري هي:

أولاً: الانحياز الكامل للقوات المسلحة لجانب الشعب وخلع الرئيس نميري من داخل المؤسسة العسكرية.
ثانياً: وجود النميري خارج السودان ساعة عزله وعدم قدرته على العودة الفورية جعل مناصريه من المايويين ومنسوبي جهاز الأمن من غير قيادة.
ثالثاً: تماسك التجمع النقابي طوال فترة الانتفاضة والحكومة الانتقالية.
رابعاً: التزام سوار الذهب بفترة انتقالية قصيرة الأمد (سنة واحدة) تتلوها انتخابات عامة أجبر الأحزاب السياسية للانصراف إلى ترتيب نفسها للانتخابات بدلاً عن التنافس على السيطرة على الحكومة الانتقالية.

انقلاب يونيو 1989 والذي أوصل البشير إلى الحكم جاء بتدبير جناح الترابي المنشق من الإخوان المسلمين، والذي كان حينها يسمى بالجبهة الإسلامية القومية. مثلما انقلب النميري على الحزب الشيوعي الذي أوصله إلى السلطة، كذلك انقلب البشير على الترابي وأنصاره الذين أوصلوه إلى السلطة، وانقسم أنصار الترابي على أنفسهم، قسم أخرِج من السلطة وقسم آخر ظل مرتبطاً بالبشير. انتفض الشعب ضد البشير في ديسمبر 2018. ولد تجمع من الأحزاب السياسية والنقابات ومجموعات من الحركات المسلحة ومنظمات مجتمعية تحت مسمى “تجمع قوى الحرية والتغيير – قحت” لتنظيم الحراك الشعبي ضد حكومة البشير. وبعد جولات من القمع الوحشي للمتظاهرين بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ السودان بعد الاستقلال، قامت قيادة القوات المسلحة المتمثلة في المجلس الأمني بعزل البشير ليتولى الرجل الثاني في هرم القوات المسلحة (ابن عوف) السلطة الانتقالية.

استمرت التظاهرات رافضة للقيادة الجديدة التي تنحت وأفسحت الطريق للبرهان ليصل إلى موقع القيادة. توصلت قيادة القوات المسلحة وقوى الحرية والتغيير إلى اتفاق لتكوين حكومة انتقالية لم تحظ بالاستقرار ولم تكتمل كل مؤسساتها نسبة للتنازع العنيف بين المكون العسكري والمكون المدني من جانب، والانقسامات المستمرة داخل المكون المدني، إضافة إلى دخول الجماعات والحركات المسلحة كلاعب سياسي وأمنى في المشهد لأول مرة في تاريخ الثورات والتحول السياسي في السودان الحديث.

في تقديري، البرهان امتداد لحكم البشير والمصالح السياسية والمالية التي يمثلها البشير وحكومة الإنقاذ، لذا فمن المنطقي أن نخلص إلى أن ثورة ديسمبر 2018 لم تنجح في إزالة نظام الإنقاذ الكيزاني العميق، وإنما انخدع الشعب وبعض السياسيين بالتغيير الذي حدث على مستوى الأشخاص البارزين للعيان، وبقيت الأيدي والعقول التي تقف وراء الإنقاذ تلعب وتعبث بالبلاد في الخفاء إلى هذه اللحظة. وللأسف، كعادتها، استعجلت الأحزاب السياسة النصر المتوهم وبدأت تتصارع فيما بينها على مناصب الحكومة الانتقالية، وأعطت الفرصة للبرهان لينقض على الثورة التي لم تؤت ثمارها بعد.

من المهم أن نؤكد أن عزل البشير عن السلطة تحت ضغط الحراك الشعبي إنما حدث بتدخل قيادة القوات المسلحة والدعم السريع التي قلبت ظهر المجن للبشير وحاشيته التي تمثل الوجه الصارخ للكيزان. بينما تدعي قيادة القوات المسلحة والدعم السريع (مجلس أمن البشير) أنهم قاموا بعزل البشير انحيازاً للشعب وحقناً للدماء، فإن ما أسفرت عنه الأحداث من مجزرة فض الاعتصام والإفراط في قمع وقتل المتظاهرين السلميين في الفترة التي تلت عزل البشير إلى يومنا هذا لهي مؤشر قوى على أن عزل البشير من قبل مجلس أمنه لم يكن انحيازاً للشعب، وإنما جاء من باب التخلص من البشير والوجوه الكيزانية الصارخة حماية لمصالح فئة أخرى تمثل الوجه والمصالح الخفية لحكومة الإنقاذ.

في تقديري؛ أهم عوامل عدم إكمال نجاح ثورة ديسمبر 2018 تتمثل في الآتي:

أولاً: نظام الإنقاذ الكيزاني قام بإحداث تغيير جذري في بنية وهوية المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية، أفقدها الهوية والحس الوطني والانتماء للشعب والالتزام بحماية “مالنا وعرضنا” (كما كان يتغنى الشعب لقواته المسلحة في الماضي)، فرأينا القبح والفحش في مجزرة فض الاعتصام على مرمى حجر من بوابات وأبراج مراقبة قيادة القوات المسلحة، ورأينا مضادات الطائرات توجه لأجساد المدنيين، ورأينا السيارات العسكرية المدرعة تستخدم لدهس المتظاهرين. رأينا كيف يجتمع الرهط من الجنود لينهالوا على المواطن الواحد الأعزل ضرباً بالعصي والسيطان ومؤخرات البنادق. رأينا كيف يتحول من يتقاضى راتبه من ضرائب الشعب إلى قاتل وجلاد الشعب. إن قوات مسلحة بهذا الثوب الذي ألبسه لها نظام الإنقاذ الكيزاني لن تنحاز للشعب، ولن تنصر ثورته ضد الطغيان، لأنها هي الطغيان. للأسف إن القلة من صغار ضباط القوات المسلحة الذين بقية جذوة الوطنية متقدة في قلوبهم وأظهروا انحيازهم لوطنهم في المرحلة الأولى من الثورة، تم إقصاؤهم وتغييبهم عن المشهد تماماً ليبقى للمؤسسة العسكرية وجه كيزاني خالص. من الجلي أن نظام الإنقاذ أدرك دور القوات المسلحة في نصرة الثورات السابقة وعمل جاهداً لتتغير هوية وعقلية هذه المؤسسة الوطنية حتى لا تنحاز لخيار الشعب ورغبته.

ثانياً: تقلص دور التكتل المهني غير الحزبي في قيادة الثورة والمرحلة الانتقالية على نحو ما حدث مع جبهة الهيئات والتجمع النقابي في ثورتي أكتوبر وأبريل. فتحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) خليط من المتناقضات الحزبية المسؤولة عن الفشل السياسي على مدى تاريخ السودان الحديث. ولو أن إدارة الحراك الثوري والحكم الانتقالي بقيت في يد جسم وطني يجسد المهنيين المتجردين من الانتماءات والمصالح الحزبية الضيقة لكانت ثورة ديسمبر 2018 أوفر حظاً من النجاح. إن الأحزاب السياسية داخل قحت هي نقطة ضعف الثورة. ومن الجلي أن الأحزاب السياسية أرادت أن لا تعطي النقابات المهنية نفس الدور الذي لعبته في إنجاح ثورتي أكتوبر وأبريل، لذا جاءت “قحت” كأول خطوة من الخطوات الانتهازية للأحزاب السياسية والتي أفسدت الثورة على الشعب السوداني.

رابعاً: طول أمد الفترة الانتقالية (أربع سنوات) حسب الوثيقة الدستورية والسعي لتمديد هذا الأمد فيما بعد كجزء من اتفاق جوبا؛ جعل السيطرة على الحكومة الانتقالية هدفاً لكل الأطراف المتنازعة التي تدرك أنه في ظل التحور الديمغرافي والوجداني في السودان لن يسمح بفوزها بالحكم عبر الانتخاب الحر.

خامساً: تعقد المشهد السياسي داخلياً بوجود عدد كبير من الحركات المسلحة التي لا تؤمن بالتحول الديمقراطي بل تعمل لحسم الخلاف السياسي والوصول للسلطة والثروة من خلال العنف وقوة السلاح. أضف إلى ذلك تعقد المشهد الإقليمي وبروز قوى ومصالح إقليمية لم يكن لها أي وجود وتأثير في مجريات الأحداث والتغيير السياسي داخل السودان خلال الثورات السابقة.

ظهور القوى الشبابية بأشكال ووسائل جديدة للحراك الثوري له إيجابيات وسلبيات. لقد حظيت القوى الشبابية بنجاح كبير في إخراج أدبيات وروح جديدة للحراك الشعبي مثل المحافظة على السلمية، الثبات أمام آلة القتل والقمع التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ السودان، عدم انكسار الإرادة رغم الخسائر البشرية الضخمة، التكاتف والتعاضد فيما بينهم، الرغبة في النأي بنفسها عن الانتماء والتأثير الحزبي. كما أنها أثبتت قدرتها على التحول من الحراك الثوري المناهض للدكتاتورية إلى حراك بناء اجتماعي وخدمي في شكل لجان على مستوى الأحياء. ولكن الإشكال الذي يواجه هذه القوى الشبابية هو عدم التقدير الجيد لمآلات الأحداث والإفراط في تقدير ما يمكن أن تحققه التظاهرات وحدها في إسقاط حكومة عسكرية تفتقر للحد الأدنى من الأخلاق والالتزام بالقانون والعرف.

من الواضح أن القوى الكيزانية الشيطانية قد بدأت في تنفيذ مخطط لاختراق وتمزيق لجان المقاومة، التنظيم الذي يجمع القوى الشبابية، من الداخل، ولن يكون للقوى الشبابية القدرة التنظيمية والاستخباراتية لمواجهة هذا الاختراق الشيطاني المحترف. لذا فإننا على موعد لتنفيذ أعمال عنف وتخريب سينسب للجان المقاومة لتشويه صورتها مع كشف هوية قياداتها وتعريضهم للاعتقالات والتنكيل وربما الاغتيالات.

ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن تدمير هوية القوات المسلحة من الداخل كما وصفت في الفقرات السابقة، قد صاحبه “شيطنة” القوات المسلحة من قبل الكيزان. فالكثير من الأشخاص الذين يرتدون زي القوات المسلحة والشرطة ويقومون بنهب وترويع وقتل المواطنين لا ينتمون لهذه المؤسسات، وإنما هم جزء من مخطط لشيطنة القوات المسلحة والشرطة حتى تتسع الفجوة بين هذه المؤسسات والمواطن وتنعدم الثقة بينهما. للأسف إن هذا المخطط الكيزاني نجح في خلق شقة واسعة بين المواطن والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ونفس المخطط الآن في طريقه لإفساد العلاقة بين المواطن ولجان المقاومة.

23 يناير 2022
msafieldin@gmail.com

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. لو كانت انتفاضات أكتوبر و أبريل ناجحتان لما افضتا الي هذه النتائج. المقال مبني علي أشباه حقائق و غير دقيق و فيه نفس كيزاني واضح.

‫التعليقات مغلقة.‬