‫الرئيسية‬ مقالات عجائب توصيات لجنة تعيينات الخارجية
مقالات - 13 يناير 2022, 10:10

عجائب توصيات لجنة تعيينات الخارجية

علي محمد أحمد

في مطلع العام 2020م أعلنت وزارة الخارجية عن حاجتها لملء وظائف دبلوماسيين في الدرجتين السابعة والخامسة وفق إجراءات التعيين المتبعة، وهي امتحان إلكتروني أولي تليه امتحانات تحريرية ثم معاينة شفهية، وينتقل المرشح من مرحلة لأخرى بعد اجتيازه الأولى بنجاح تام.

تقدم للوظائف ألفا مرشح أو يزيدون، تجاوز قرابة نصفهم الامتحان الإلكتروني بنجاح، وخضعوا لامتحانات تحريرية أعدتها جامعة الخرطوم في مطلع 2021م، وتكونت من أربع مواد وهي: {اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والمعلومات العامة، والعلاقات الدولية}، ويشترط النجاح في كل المواد لدخول المرحلة الأخيرة المتمثلة في المعاينة الشفهية.

لم تكن الامتحانات التحريرية بالامتحانات اليسيرة، حيث صرح رئيس لجنة المعاينات آنذاك السفير حسن عبدالسلام بأن هذه الوظائف مفتوحة للخبرات، ويتنافس عليها السكرتيرون الثوالث والثواني بسنوات خدمة تربو على الأربعة عشر عاماً، لذلك يسعون عبرها لتمحيص أفضل الخبرات.

نجح تسعة وعشرون مرشح سكرتير أول، وأربعة وثلاثون مرشحاً لوظيفة مستشار في الامتحانات التحريرية نجاحاً كاملاً، وتأهلوا جميعاً لدخول المرحلة الأخيرة المتمثلة في المعاينات الشفهية لاختيار خمسين منهم لملء الوظائف.

ومن ثم صدر إعلان من مفوضية الاختيار في نهاية يوليو حدد فيه زمن المعاينة الشفهية، وبشكل مفاجئ حوى كشف الذين يحق لهم دخول المعاينات ثلاثمائة وثمانين راسباً بدلاً عن الثلاثة وستين ناجحاً فقط. وحوى كشف التعيين لاحقاً سبعة وثلاثين مرشحاً راسباً في الامتحانات التحريرية، ولم يتحمل المسؤولية في هذا الأمر أي شخص أو جهة، ونأي كل بنفسه عن الذي حدث بفداحته.

خالف ما تم من تجاوزات قانون السلك الدبلوماسي والقنصلي لعام 1997م المادة 22 فقرة {ط} التي اشترطت النجاح في الامتحان التحريري كشرط للتعيين، وأيضاً خالف لائحة شروط الخدمة في السلك الدبلوماسي لعام 1993م في المادة 6 منها التي اشترطت للتعيين النجاح في جميع مواد الامتحانات التحريرية، وذكرت بالحرف أنه لا يعتبر ناجحاً من رسب في مادة واحدة على الأقل، ولا يعتد بمتوسط مجموع المواد.

وكذلك خالفت الإجراءات السابقة كل التقاليد والأعراف المتبعة للتعيين في السلك الدبلوماسي في السودان وأغلب دول العالم، حيث لم نسمع بسابقة تعيين راسب في أي دولة، بل ركزت أغلب الدول على رفع نسبة النجاح في مواد الامتحان التحريري إلى (65%) بدلاً عن (50%)، وتشددت دول أخرى باعتبار النجاح في المادة من (75%) كالولايات المتحدة وغيرها، وكل هذا لمدخل الخدمة، فما بالك بتعيين الخبرات؟!

بعد أن صدر كشف التعيين الذي كوفئ فيه الراسب على رسوبه بالاختيار والناجح بالاستبعاد، ضجت الأسافير وتفاعل الرأي العام مع القضية، خصوصاً أن التجاوز تم في عهد الثورة التي قامت لإنصاف الناس ومساواتهم بشعاراتها المعلومة. وشاع آنذاك أن الأمر تم بمباركة الحاضنة السياسية وأشخاصها التنفيذيين في الدولة، مما حدا برئيس الوزراء للتدخل بتجميد الوظائف وتشيكل لجنة – غير مختصة وبعيدة عن الخدمة المدنية وقوانيها ولوائحها وتقاليدها وممارساتها – وصدر قرار السيد رئيس الوزراء بناء على توصياتها ونص على الآتي:

أ – المرشحون الناجحون في المراحل الثلاث يعينون فوراً.

ب – عمل ملحق للراسبين المختارين.

ج- إعادة المعاينة للناجحين.

د- ترتب درجات ب و ج تصاعدياً ويعين الأعلى.

قرار السيد رئيس الوزراء المستند على توصيات لجنة د. صديق أمبدة وآخرين جانب الصواب وسعى لمعالجة وتقنين وضع الراسبين، واحتوى على صيغة مربكة وعبارات غير محكمة أربكت الرأي العام، باعتقاد أن الناجحين قد تم إنصافهم وشملتهم الفقرة أ من القرار، غير أن الجهات المعنية {الخارجية والمفوضية} قد فسرتا القرار باعتبار أن الناجحين مشمولون بالفقرة ج رغم اجتيازهم المعاينات بنجاح – حسب علمهم بدرجات نجاحهم في المعاينة من المفوضية – وساهمت صيغة القرار علاوة على توقيت نشره في عشية العشرين من أكتوبر والرأي العام مشرئب بأعناقه للاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر، في ظل احتقان سياسي وآراء متباينة وخلافات بين مكونات الحكم على اعتبار أن القضية قد حلت تماماً.

عمل ملاحق لمن رسب في منافسة وظيفية أمر لم يحصل من قبل ولا أظنه حصل في أي دولة، وأصبح هذا الأمر سابقة سودانية عجيبة تحمل في طياتها إقراراً بأن الراسب لا يحق له التعيين في الوظيفة ولهذا يجب إجراء ملحق له حتى يقنن وضعه ولا عزاء للناجحين. ولزيادة الدهشة فقد خص بالملاحق تسعة وعشرون راسباً فقط دوناً عن بقية الراسبين الذين دخلوا المعاينات ويربو عددهم على الثلاثمائة أو فلنقل كامل الراسبين الذين امتحنوا الامتحان التحريري ورسبوا فيه، وهم فوق الألف راسب، وفي هذا تفضيل لراسب على راسب، وتفصيل للمعايير على حسب الأشخاص والحاجة وعدم العدالة والمساواة حتى بين الراسبين.

نرى أن الامر لم يكن يحتاج إلى لجنة من الأساس إذا اتبعت القوانين واللوائح وحكمت العدالة والتوزيع العادل للفرص بين السودانيين بشرط الكفاءة، حيث يتلخص الأمر في نقطة واحدة تسمى بلغة القانون نقطة النزاع وهي {هل يحق قانوناً لمن رسب في الامتحان التحريري التأهل للمعاينات ومن ثم تعيينه، في ظل وجود ناجحين في جميع المراحل استبعدوا بلا مبررات؟ أم لا؟}. ونترك لك أخي القارئ الكريم الحكم على الأمر الذي لا تنتطح فيه عنزتان، ونتمنى أن يتدارك المسؤولون الأمر حفاظاً على إرث وتقاليد وأعراف وزارة الخارجية، والنأي باسمها من أن يكون مطعوناً فيه في سوح المحاكم أو صفحات الصحف بما قد يؤثر لاحقاً في هز ثقة المواطن في هذه الوزارة العريقة التي تسعى لخدمته وتمثيله، وهذا ما لا نرجو له أن يكون، ول انرضى حصوله، وكلنا ثقة أن الأمور سترجع لنصابها قريباً، وأن العدالة والمساواة ستسود بين المرشحين حفاظاً على الإرث والتقاليد منذ عهد د. عقيل أحمد عقيل، أول وكيل لوزارة الخارجية وحتى الآن، وسينصر الحق برجال لا يخشون فيه لومة لائم.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.3 / 5. Total : 12

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. محاصصات غريبة اضرت بسمعة حكومة الثورة السابقة وسمعة وزارة الخارجية في المقام الأول.
    كيف يقبل المهنيون في الوزارة خصوصاً وكيل الوزارة وطاقم الموارد البشرية بمثل هذه المهزلة الغريبة وفي ظل حكومة الثورة وبصلاحيات الشق المدني فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *