‫الرئيسية‬ مقالات عن ضعف الخيال السياسي السوداني
مقالات - 13 يناير 2022, 9:08

عن ضعف الخيال السياسي السوداني

بابكر الوسيلة

في كتابه “المجاز السِّياسي”، يقول الكاتب والباحث عمَّار علي حسن: “.. فاللُّغة لا تعكس الواقع بل تُشكِّله، كما أنَّ قواعد كلِّ لغة أو النَّحو الذي يحكم تشكيلها يتعدَّى كونه وسيلةً لتدقيق اللُّغة وضبطها، إلى كونه إحدى أدوات إعادة تكوين الأفكار، وتحديد المعنى وفصله عن سوء الفهم واللَّبس، ويُعدُّ منهجاً ومرشداً نصل به إلى النَّشاط الذِّهني عند الفرد، وطريقة تحليله للأفكار ومضمونه، وتأليفه لعناصر الكلام في رأسه قبل أن ينطق به أو حين يصمت فيختزنه. فصياغة الأفكار ليست عمليَّةً مستقلَّةً حرَّة، ولا هي ممعنة في المنطق، بل هي جزءٌ من قواعد النَّحو، تختلف من حيث قوَّة التَّأثير وضعفه من لغة إلى أخرى”.

6

وبمطالعة الكثير من البيانات والتَّصريحات والمنشورات التي تصدر من تنظيماتنا وأحزابنا السِّياسيَّة السُّودانيَّة، ومن الأفراد المعبِّرين عن أفكار هذه التَّنظيمات والأحزاب وغيرها، لخرجنا بما يُدهش من الأخطاء النَّحويَّة والصَّرفيَّة التي تعمل، دون شك، على تشويش الأفكار المطروحة من هنا أو هناك؛ وما نتج ذلك إلَّا لتعامل هذه الأجسام السِّياسيَّة مع اللُّغة، لا بوصفها “قوَّة ناعمة”، ولكن كلعبةٍ مجَّانيَّة تُحرَّك بخفَّةٍ زائدةٍ بين الألسُن والأوراق.

إنَّ انتباهنا، في واقعنا السِّياسيِّ السُّوداني، للقوَّة التي تكمُن وراء اللُّغة، باعتبارها سلطةً “بما تنطوي عليه من ألفاظ وتراكيب وتعبيرات وشفرات وعلامات، وبما لها من قدرة على أن تلفتَ الانتباه لنفسها، قبل امتلاكها القدرة على إقناع الأذهان، وهزِّ الوجدان”، قد يكون عتبةً لازمةً في التَّعبير غير الملتبَس عن “قضايا الجماهير”.

«إنَّ بنية اللُّغة وتأثير دورها أهمُّ وأخطر وأجلى من أن تُهملها المنشورات السِّياسيَّة، ناهيك عن الدِّراسات السِّياسيَّة» الصَّابرة على المعنى. ففي بلادنا «لم نكن ندري غالباً، ونحن ندرس البلاغة لنستعملها في تحليل فنِّيٍّ أو أدبيٍّ للنُّصوص الشِّعريَّة أو السَّرديَّة على استحياء، أنَّ ما يتراءى أمامنا على الورق من اصطلاحات من قبيل المجاز المرسل والاستعارة والكناية والتَّشبيه… إلخ، له وظائف سياسيَّة، ليس من قبيل الافتعال أو الانتحال، وليس هو مغالاة أو تزيُّداً، أو ليَّاً لأعناق الأشياء والأمور بحثاً عن علاقات بينها بأيِّ طريقة، بل هي حقيقة ناصعة كشمس الظَّهيرة في صيف قائظ».

وإذا كنَّا بإزاء ثورة، فإنَّ التَّعبير عنها لا بدَّ أن يأتي، من كلِّ المشتغلين بها، بلغة جديدة منفتحة على “المجاز السِّياسي” بوصفه حقلاً معرفيَّاً «يهتم بدراسة التَّواصل السِّياسي في المجتمع، سواء بواسطة النُّصوص أو الكلام أو الصُّور أو الإشارات أو الرُّموز أو غيرها من العلامات… ويضمن تحليل الخطاب السِّياسي بناءه اللُّغوي والسِّيموطيقي، وأداءه، وتوزيعه، وتلقِّيه، وتأثيره، والاستجابة له»

ثورة، تعني لغة سياسيَّة جديدة دون شوائب كامنة في العقل والذَّاكرة، باحثة عن تعابير جديدة تلبِّي حاجة الأرواح «الجديدة» لهواء جماليٍّ وتعبيريٍّ جديد، عوضاً عن هذه العبارات المستهلكة المتكلِّسة التي باتت الآن  تتراءى كجيَفٍ معلَّقةٍ في الهواء.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 1 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *