‫الرئيسية‬ تحقيقات كل القوة للجان المقاومة في السودان؟
تحقيقات - ترجمة - عالمي - 12 يناير 2022, 16:03

كل القوة للجان المقاومة في السودان؟

كل القوة للجان المقاومة في السودان؟

ترجمة مداميك

احتشدت أكثر من 5000 “لجنة مقاومة” ثورية سودانية لمعارضة الجنرالات ولتلبية احتياجات الناس اليومية. تتسأل كاتبة المقال آن ألكسندر عما إذا كانت لجان المقاومة يمكن أن تصبح أجهزة بديلة للسلطة السياسية للدولة الرأسمالية الحالية.

تراجعت “الثورة التي لا نهاية لها” في السودان إلى حد كبير من على الصفحات الأولى للعديد من وسائل الإعلام العالمية في الأسابيع الأخيرة من عام 2021.  لكن الاحتجاجات لم تتراجع وظلت تسير، غارقة في الغاز المسيل للدموع والانتهاكات من قبل قوات الأمن. مما أدى لتعقيم الأزمة في قلب الدولة. وقد وجد الجنرالات، الذين تخلصوا بثقة كبيرة من “شركائهم” المدنيين في الحكومة الانتقالية من خلال انقلاب 25 أكتوبر / تشرين الأول، أنفسهم غير قادرين على تهدئة الشوارع. (ترجمة مداميك)

تفاوض رئيس الوزراء المخلوع عبد الله حمدوك خلال اقامته الجبرية ووافق على معظم مطالب الجيش في 21 نوفمبر. وقد حظي الاتفاق بدعم الحكومات الغربية والرباعية المناهضة للثورة المكونة من قوى إقليمية – المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وإسرائيل. لكن تم رفض الاتفاق على نطاق واسع، وفي انتصار للاحتجاج، استقال عبد الله حمدوك أخيرًا في 2 يناير. (ترجمة مداميك)

ومع ذلك، فإن جماعات المعارضة المدنية المنضوية في قوى الحرية والتغيير لم تتمكن حتى الآن من توجيه ضربة حاسمة للجيش. حيث كلفتهم مشاركتهم في الحكومة الانتقالية والتنازلات السابقة مع الجنرالات الكثير من نفوذهم في الشوارع.

ويمكن قول الشيء نفسه عن تجمع المهنيين السودانيين. الذي لعب دورًا مهمًا في انتفاضة 2019 ضد الديكتاتور عمر البشير، لكنه انقسم إلى فصيلين كما أن الثقة فيه قد قلت بسبب إخفاقات الحكومة الانتقالية التي ساعد في تشكيلها.

في ظل هذه الفجوة، يتزايد نفوذ قوة سياسية جديدة – لجان المقاومة في الأحياء. حيث تقود اللجان مئات الآلاف من المحتجين إلى الشوارع لتحدي الانقلاب، كما تقوم اللجان بالتعبئة لأيام العصيان المدني والإضرابات والاحتجاجات الكبرى في الشوارع. وقد تم تنظيم اللجان من خلال “تنسيقات” على مستوى المنطقة وهي الآن تتمتع بقوة هائلة في تنظيم العمل الجماعي.

لقد قطعت لجان المقاومة شوطًا طويلاً منذ التجمعات الأولى الغاضبة في ديسمبر 2018، والتي هتفت من أجل الخبز وغاز الطهي في زوايا الشوارع. تحظى صفحات لجان المقاومة على فيسبوك بعشرات الآلاف من المتابعين، ولديهم فرق إعلامية ومسؤولون صحفيون خاصون بهم. تقوم شبكاتهم بجمع المعلومات الاستخبارية حول موقع الشرطة وتعديل مواقع المتاريس أو مسار المسيرات.

هذا ليس مجرد نتاج للنشاط الثوري في العاصمة الخرطوم. حيث حدد تقرير صادر عن مركز كارتر، بناءً على مسح واسع النطاق أجري في مارس 2021، 5289 لجنة مقاومة في جميع أنحاء السودان. وجد الباحثون أن اللجان ظاهرة على مستوى الدولة السودانية (انظر الجدول أدناه). (ترجمة مداميك)

الولاية عدد لجان المقاومة
النيل الأزرق 338
جنوب وغرب كردفان 199
شرق السودان 705
ولايات دارفور 809
وسط السودان 601
شمال السودان 1173
الخرطوم 814
المجموع 5289

تدخلت لجان المقاومة للإشراف على توريد الدقيق للمخابز وتوزيع الخبز وغاز الطهي. وفي بداية جائحة كوفيد -19، أرسل البعض فرقًا من النشطاء لنشر رسائل الصحة العامة وتوزيع أقنعة الوجه والمعقمات.

في العديد من المناطق، هناك تقسيم رسمي للعمل بين القيادة السياسية للحي في لجنة المقاومة ولجنة التغيير والخدمات. تضم هذه الهيئة النشطاء الثوريين الذين يعملون بشكل خاص على تحسين تقديم الخدمات. غالبًا ما يعكس تقسيم العمل هذا انقسامًا بين الأجيال حيث يقود النشطاء الشباب لجنة المقاومة. ثم هناك التوعية السياسية وأعمال بناء الحركة قاعديا. وهي تجتذب أجيال مختلفة من السكان لمناقشة الشعارات والتكتيكات والاستراتيجيات على المستوى المحلي. (ترجمة مداميك)

في بعض الحالات، نمت لجان المقاومة من تنظيمات قديمة في الاحتجاجات إلى حركة جماهيرية ديمقراطية. وقد انتخبت اللجان جمعيات عمومية ولجان تنفيذية ومندوبين يمثلون الحي على مشتوى المحلية التنسيق.

في الأشهر التي سبقت الانقلاب العسكري، مرت لجان المقاومة في العاصمة القضارف وبورتسودان ومراكز رئيسية أخرى بعملية “البناء القاعدي”. تضمنت هذه العملية تجديد أو إقامة هياكل داخلية على أسس أكثر ديمقراطية من خلال عقد مجالس عمومية وانتخاب للهيئات قيادية. وورد أن بعض النقابات وشبكات النشطاء في أماكن العمل، بما في ذلك أساتذة الجامعات والصيادلة والعاملون في وسائل الإعلام، تخضع لعمليات مماثلة.

وفقًا للناشط خالد الشيخ على فيسبوك، أطلقت لجان المقاومة في الخرطوم بحري حملة بناء قاعدي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 21 سبتمبر 2021. وأعلنت اللجان في بلدة أم ضوبان الصغيرة الواقعة على بعد 40 كيلومترًا جنوب الخرطوم، بداية ترتيبات البناء القاعدي.

تقدم الصور المصاحبة لتقرير خالد لمحة عن نطاق المناقشات التي جرت في الأسابيع القليلة الأولى من شهر أكتوبر. بعض المشاركين هم من الشبان والشابات، في الخطوط الأمامية للاحتجاجات. وفي صورة أخرى تحضر نشاء في منتصف العمر اجتماعًا مرتديات حجابهن الملون، وينخرط العاملون في نقاش جاد تحت سقف ورشة عمل أو مرآب من الصفيح في أماكن أخرى. (ترجمة مداميك)

في غضون أسابيع قليلة من الانقلاب، كانت لجان المقاومة تقفز قفزة أخرى إلى الأمام، معلنة أنها تعد أول برنامج سياسي لها. تم توضيح طموحها ونطاقها في تقرير إعلامي صادر عن شبكة عين في 8 ديسمبر. وقال المتحدث الرسمي باسم تنسيق لجان المقاومة في الخرطوم سامي محمد عبد الحليم للموقع إن البرنامج سيتناول “الاقتصاد وإصلاح الجهاز العسكري والأمني ​​والحدود الوطنية والعلاقات الخارجية والأحوال المعيشية”. مستفيدين من المساحة السياسية التي أوجدها تواجدهم في الشوارع، ينخرط الآلاف في جميع أنحاء البلاد في نقاشات حول الموضوعات التي حددها عبد الحليم.

الأسئلة حول دور الدولة في مسائل البقاء على قيد الحياة اليومية تأخذ اهتماما أكبر عند الطبقة العاملة والمناطق الفقيرة.

يخبرني النشطاء السودانيون أن هنالك مقترحات لاستخدام برنامج لجان المقاومة لدفع مطالب أكثر راديكالية لتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية تحظى بدعم في الأحياء الفقيرة بينما تميل المناطق الأكثر ثراءً إلى تفضيل أسئلة الإصلاح السياسي. وأصبح شعار “كل السلطة والثروة للشعب” شعارًا شعبيًا للاحتجاجات، لكن هناك ضغط مستمر لإسقاط الشق الثاني من المطلب والتركيز على الأول. (ترجمة مداميك)

هناك أيضًا ارتباط مفقود بالحركة الثورية في أماكن العمل. لا يبدو أن لجان الأحياء قد قامت بإدراج مندوبي أماكن العمل بشكل رسمي في هياكلها. وبدلاً من ذلك، قد فضلوا العمل جنبًا إلى جنب مع النقابات المستقلة ولجان المقاومة في أماكن العمل، والتي حشدت أيضًا ضد الجيش.

بشكل عام، كانت التحركات في أماكن العمل أضعف خلال موجة الاحتجاج منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2021 عنها في 2019. وقد يعكس هذا الخيارات السياسية للهيئات الناشطة الرئيسية. فقد ركزوا على احتجاجات الشوارع والعصيان المدني بدلاً من الإضرابات العامة التي أثبتت فعاليتها العالية في عام 2019.

من المحتمل أيضًا أن يكون حجم القمع الموجه ضد النشطاء في أمكان العمل في المراحل الأولى من الانقلاب قد أدى إلى خسائر فادحة. فعلى سبيل المثال، اعتقل الجيش مئات النشطاء في لجنة المعلمين السودانيين والعاملين في وزارة التربية في إحدى هذه الحملات القمعية في نوفمبر الماضي.

هناك دلائل على أن النضالات الاقتصادية والسياسية في أماكن العمل تتسارع مرة أخرى.  فقد أعلن عمال المحاكم في جميع أنحاء السودان إضرابًا لمدة أربعة أيام يبدأ في 2 يناير بسبب سلسلة من المطالب بما في ذلك زيادة الأجور وبدلات غلاء المعيشة وفقًا لصفحة الفيسبوك الخاصة بالتحالف السوداني من أجل استعادة النقابات العمالية، فإن لجان الإضراب في كل محافظة تقريبًا تحظى بمستويات مشاركة من 60 إلى 100 بالمائة. تظهر صور الاجتماعات الجماهيرية أن المضربين هم في الغالب من النساء العاملات في أدنى السلم الوظيفي. (ترجمة مداميك)

كما قام عمال البنوك ببناء حركة جماهيرية تشمل بنوك متعددة تطالب بالتحول الديمقراطي. هذا ليس مهمًا فقط بسبب احتمالية حدوث اضطراب. حيث إن جذور التحالف الحاكم القديم بين الحركة الإسلامية والجيش يرجع إلى ظهور طبقة جديدة من الرأسماليين في الثمانينيات من القرن الماضي، والتي نتجت إثر توسع القطاع المالي.

يشير النمو غير المتكافئ للحركة الثورية بين الأحياء وأماكن العمل إلى طريق صعب في المستقبل. سيبقى الوقت في صف الجنرالات ما لم تظهر أشكال جديدة من التنظيم الثوري التي تسخر القوة الإستراتيجية للعمال لتعطيل الإنتاج والتوزيع والخدمات وتوجيهها إلى القلب القمعي للدولة.

يجب أن تكون هذه القوة هي القوة الواعية سياسياً ولا يمكن أن تكون مجرد أداة في أيدي السياسيين “المدنيين” يستخدمونها للتفاوض في طريق عودتهم إلى أروقة السلطة. (ترجمة مداميك)

هذا من شأنه أن يثير تساؤلات حول “القوة المزدوجة” – وهي فكرة تعود إلى الثورة الروسية. في فبراير 1917، أطاحت الثورة بالديكتاتورية القيصرية القديمة. جلبت إلى السلطة حكومة مؤقتة من الليبراليين والاشتراكيين “المعتدلين”، بهدف تحويل روسيا إلى ديمقراطية برلمانية ودولة رأسمالية حديثة.

لكن في الوقت نفسه، أنشأت الطبقة العاملة منظماتها الديمقراطية – مجالس العمال، المعروفة باسم “السوفيتات” والتي عرّفها الزعيم الثوري فلاديمير لينين بأنها حالة من “السلطة المزدوجة” مع “وجود حكومتين”. كانت حجته الرئيسية هي أن مجالس العمال والجنود شكلت بالفعل مركزًا بديلاً لسلطة الدولة للحكومة المؤقتة الليبرالية. في أبريل 1917 أطلق لينين شعار “سلام، خبز، أرض” – وجادل بأن هذا غير ممكن إلا بتحول “كل السلطة للسوفييتات”.

ليون تروتسكي، الذي كان أول من حدد الدور الثوري للسوفييتات في أعقاب ثورة 1905، جادل بأن القوة المزدوجة كانت أحد جوانب الثورات الاجتماعية – الثورات التي تغير النظام الاجتماعي، وليس النظام السياسي فقط. حيث يؤدي تدمير التوازن الاجتماعي بين الطبقات أثناء الثورة إلى انقسام البنية الفوقية للدولة ويخلق ظروفًا لظهور الحكومات المتنافسة. (ترجمة مداميك)

تميزت الثورة الروسية بشكل من أشكال القوة المزدوجة حيث كانت الطبقة الرأسمالية أضعف من أن تعزز الانتصار على الطبقة الحاكمة القديمة. وكانت جهودها لإنشاء جمهورية رأسمالية ديمقراطية مهددة بظهور قوة ثالثة، الحكومة البديلة الجنينية لمجالس العمال.  الذين أشاروا إلى الطريق نحو قفزة من الديمقراطية إلى الثورة الاشتراكية.

حذر تروتسكي من أن لحظات القوة المزدوجة في الثورات مؤقتة وغير مستقرة. فهي تحتوي على صراعات بين طبقات متناحرة فلا يمكن حلها إلا بالحرب الأهلية.

تتميز اللحظة الحالية في العملية الثورية في السودان بأزمة سياسية حادة، عصفت ليس فقط بالجيش، ولكن بخصومهم المدنيين. ممثلي الطبقة الحاكمة السودانية التي وضعت ثقتها في استعادة الشراكة مع العسكريين، وشهد تعثر خططه السياسية لأكثر من ستة أسابيع بسبب التعبئة الشعبية التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة. مما كشف عن ضعف القسم الأصغر من الطبقة الحاكمة السودانية، التي تدعم “التحول الديمقراطي”، ضد الانقلاب.  حيث أطاح الجنرالات بسهولة ممثليهم من الحكومة الانتقالية بينما فقدوا نفوذهم في الشوارع. (ترجمة مداميك)

 

إن الحركات السياسية للطبقة الوسطى عالقة في نسخة من نفس المعضلة. إنهم يؤيدون النضال من أجل دولة “مدنية”، حيث يعود الجيش إلى “مكانه المناسب” في الثكنات ويترك الحكومة للخبراء والتكنوقراط. هذه الطبقات ليست قوية بما يكفي للسيطرة على الحركة الجماهيرية في الشوارع. إنهم بحاجة إلى تضحيات الفقراء والطبقة العاملة على المتاريس، لكنهم لم يجدوا بعد طريقة لتقديم أي شيء في المقابل. وقد تم الكشف عن فراغ استراتيجيتهم بفشل الحكومة الانتقالية في تقويض أو حتى تقييد القوة الاقتصادية للجنرالات.

وقد تفاخر الجنرال محمد “حميدتي” حمدان، زعيم الجماعات شبه العسكرية الذي تحول إلى نائب الرئيس، مرارًا وتكرارًا بقدرته على إنقاذ البنك المركزي الذي يعاني من ضائقة مالية. وفي الوقت نفسه، ارتفع التضخم خلال العام الماضي حيث خفضت الحكومة الانتقالية قيمة العملة وبدأت في رفع الدعم عن السلع الأساسية والوقود تماشياً مع معتقدات السوق الحرة. وخرجت تكلفة الواردات الغذائية، التي تدعم استهلاك الكثير من سكان الحضر عن السيطرة. (ترجمة مداميك)

يجادل مجدي الجزولي وإدوارد توماس بأن الأزمة الاجتماعية، التي تم يحتويها نسيج المجتمع السوداني عبر التاريخ الحديث للبلاد، تكمن وراء الأزمة السياسية الحالية. ويؤدي هذا إلى فاصل بين “المركز” – أي المناطق حول الخرطوم وأراضيها الزراعية الخصبة – و “الأطراف”. وتشمل هذه سهول الغرب والجنوب، التي تمارس تربية الماشية كما تحتوي على موارد مثل النفط في الجنوب والذهب في شمال دارفور. يأخذ هذا الانقسام شكل سياسات الدولة الاستخراجية من قبل “المركز” تجاه “الأطراف”. في الجيل الأول بعد الاستقلال، ولدت هذه الديناميكية حركات متمردة مسلحة في الأطراف. نجحت أكبر في إنشاء دولة مستقلة في جنوب السودان في عام 2011.

أنشأ الديكتاتور السابق عمر البشير ميليشيات قوية – مثل الجنجويد المتمركزين في دارفور والتي تحولت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع التابعة لحميدتي. حيث يشرفون على استخراج الموارد ويعملون كقوة سياسية وعسكرية موازنة لحركات المعارضة في المناطق الحضرية. كان حميدتي أحد أعمدة المجلس العسكري الانتقالي، الذي حل محل البشير في أبريل 2019. اجتذب المجلس العسكري الانتقالي بعض الحركات المسلحة المتمردة المتبقية من خلال اتفاقية جوبا للسلام، والتي مهدت الطريق لإدراجها في الحكومة الانتقالية. (ترجمة مداميك)

لم يمنح المجلس العسكري الانتقالي ببساطة، زعيم المتمردين الدارفوريين جبريل إبراهيم مقعدًا في مجلس الوزراء. لقد أعطوه دورًا رئيسيًا في فرض “الانضباط المالي” على الخرطوم وجماهير أم درمان الجامحة من خلال مهاجمة الدعومات كوزير للمالية. كان إبراهيم وميني مناوي، زعيم سابق آخر للمتمردين، من المحرضين الرئيسيين على اعتصام للمطالبة باستعادة الحكم العسكري قبل انقلاب 25 أكتوبر / تشرين الأول.

يجادل الجزولي وتوماس بأن على الثوار الحضريين أن يتجاهلوا كيف تم حشد الميليشيات الريفية من قبل الجيش. يُخبز خبز المدن من القمح المستورد الذي يُدفع ثمنه من خلال صادرات الماشية والذهب من الأطراف. إن مسألة السلام، وإمداد الخبز، ومن يتحكم في الأرض ومواردها، ترتبط ارتباطًا وثيقًا. (ترجمة مداميك)

ن للجان المقاومة أن تقدم بديلاً عن تاريخ طويل من النهب والسلب الذي يربط المركز والأطراف في السودان؟ على المستوى السياسي، هناك أمل في أن يفعلوا ذلك. ساعدت حقيقة استمرار قوات حميدتي شبه العسكرية في الترويع والقتل في كل من دارفور والمدن الكبرى على خلق شعور بالوحدة. أعيد إحياء الشعار المناهض للعنصرية – “البلد كله دارفور” – مرة أخرى مؤخرًا، بعد أن اغتصبت القوات الحكومية واعتدت على المتظاهرات أثناء التظاهرات في القصر الجمهوري.

إن بناء تحالف سياسي مستقر بين فقراء المدن والريف سيشكل تحديات أكبر بكثير. يجب أن يكون أحد شروط تطور مثل هذا التحالف بالتأكيد أن تقوم الحركة الثورية في المدن ببناء أشكال من التنظيم الذاتي. وهذا يجب أن يتجاوز العتبة من المطالب المفروضة على من هم في السلطة إلى تنفيذ تلك المطالب تحت سلطتهم.

هل يمكن أن يفتح هذا الباب لإطعام المدن دون ترك الريف جائعًا؟ فكيف يمكن لهذه السلطات الديمقراطية الثورية أن تغير الآلية التي تدر أرباحًا على المستثمرين الخليجيين وأعوانهم السودانيين من خلال الصادرات الزراعية والمعدنية لتلبية احتياجات الناس العاديين؟ هذا هو بالضبط المكان الذي سيصبح فيه تخلف الحركة الثورية في أماكن العمل نقطة ضعف قاتلة. لجان المقاومة في شكلها الحالي منظمة على أساس جغرافي، وهذا يحد من قدرتها على التأثير بشكل مباشر على ما يحدث خارج مناطقها.

 

يمكن للجان الأكثر راديكالية أن تحاول تشكيل الحركة الأوسع من خلال المطالب التي ترفعها أو من خلال طاقة احتجاجاتهم. ولكن، على عكس مجلس العمال، لا يمكنهم اتخاذ قرارات مباشرة لوقف أو زيادة الإنتاج أو تغيير تقديم الخدمات. إن قدرة العمال على التعطيل والبناء في نفس الوقت تجعل من الضروري أن يأخذوا زمام المبادرة في المواجهة مع الدولة.

من نواحٍ عديدة، يبدو أن الثورة السودانية في الوقت الحاضر لديها قواسم مشتركة أكثر مع اللغز الذي كان كارل ماركس يتصارع معه في عام 1850 عن أبريل 1917. لقد خان الليبراليون مطالب أكثر راديكالية في موجة الثورات عام 1848. في خطاب ألقاه أمام أعضاء الرابطة الشيوعية، رسم ماركس استراتيجية أدركت الحاجة إلى عملية “تطور ثوري مطول”. سيبني العمال منظماتهم الطبقية المستقلة ويرعون شكلاً من أشكال القوة المزدوجة بدلاً من “التصفيق” لانتصار الرأسماليين الليبراليين على النظام القديم.

قد تبدو مثل هذه المقارنة سابقة لأوانها، في الوقت الذي لا يزال فيه ليبراليون السودان يجلسون خارج أسوار القصر. في الواقع، تبين أن آمال ماركس بفترة طويلة من الديمقراطية الجمهورية كانت في غير محلها. لم يكن إحساسه بأن أولوية اليسار الثوري في مثل هذا الوقت كانت بناء “حزب منظم بشكل مستقل” من الطبقة العاملة. وكان واضحًا أن العمال والفقراء يجب ألا يعتمدوا على الرأسماليين الليبراليين لانتزاع الحقوق الديمقراطية من أجل بناء منظماتهم الطبقية وتعزيز مصالحهم الطبقية. بدلاً من ذلك، سيحتاج العمال إلى اقتحام حقوقهم والدفاع عنها بالقوة إذا لزم الأمر. إن إرساء أسس مثل هذه القوة المتعنتة والمستقلة سيستغرق وقتًا – والسؤال الآن هو كيف نكتسبها؟ بينما يتزايد القمع مع استهداف شخصيات بارزة من لجان المقاومة بالاعتقال. (ترجمة مداميك)

في السودان، هناك ثلاثة محاور يمكن أن تتطور حولها “الثورة الدائمة” التي دعا ماركس إليها. الأول يكمن بين التعبئة ضد النظام القائم وبناء أشكال بديلة للحكومة. كما هو موضح أعلاه، يمكن بالفعل إلقاء الضوء على بدايات هذه العملية في العمل في السودان. تتطور لجان المقاومة من حشد احتجاجي إلى فاعل سياسي. يتم الآن استدراجهم من قبل الأحزاب القائمة كحلفاء محتملين ويقومون بتطوير المواقف والمطالب بشأن أسئلة تتجاوز نطاق اختصاصهم الأصلي. لم تنتقل هذه العملية بعد إلى التدخل الواعي في مجال الحكومة. لكن بعض البذور التي يمكن أن ينمو منها مثل هذا التدخل قد تمت زراعتها بالفعل. هذه ليست عملية خطية. نمت لجان المقاومة في مكانتها وثقتها السياسية لأنها أصبحت قيادة الحركة في الشوارع رداً على الانقلاب العسكري. لن ينتج عن تقديم الخدمات “البديلة” للأحياء المحلية – المنفصلة عن محرك المواجهة مع الدولة من خلال العمل الجماعي الجماهيري – نفس التأثير.

يقع المحور الثاني للثورة الدائمة بين الجوانب “السياسية” و “الاقتصادية” للنضال الثوري. يظهر المخطط الجنيني لهذه العملية في الثورة السودانية وقد أدركت بعض التيارات في الحركة الثورية بشكل غريزي الحاجة إلى تعميقها. أدت الإضرابات التي استفادت من القوة الاقتصادية للعمال في الخدمات والإنتاج الرئيسية لتحقيق أهداف سياسية، مثل الإضرابات العامة في مايو ويونيو 2019، إلى تسريع هذه العملية. (ترجمة مداميك)

وكما حذرت الثورية روزا لوكسمبورغ، فإن توقعها أن تتبع مسارًا خطيًا من المطالب الاقتصادية إلى المطالب السياسية هو أمر ساذج. كل خطوة إلى الأمام في النضال السياسي تؤدي إلى موجة جديدة من النضالات “الاقتصادية”. هناك دائما إغراء لرؤية ازدهار المطالب بتحسين الأجور والظروف في خضم الثورة على أنه تحويل.

في الواقع، يمكن للزخم نفسه ذهابًا وإيابًا بين النضالات الاقتصادية والسياسية أن يدفع بالثورة إلى الأمام. ولكن بشرط أن تبني المنظمات التي تعمل عبر هذين المجالين من العملية الثورية وتهدف إلى دمجهما. ولكن حتى خارج اللحظات التي يمكن فيها تصور القوة المزدوجة، فمن الممكن تطوير وتعميم تجارب النضال التي تعمل من أجل هذا الهدف. على سبيل المثال، الإصرار على أشكال من التنظيم الديمقراطي أثناء الإضرابات بمعنى أن سلطة ممثلي النقابات مسؤولة دائمًا أمام جماهير المضربين هي إحدى طرق القيام بذلك. (ترجمة مداميك)

تبدو لجان المقاومة واللجان المنسقة للإضرابات العمالية متجذرة في مجالات مختلفة. يركز أحدهما على النضال السياسي ضد الجيش، والآخر يرفع مطالب اقتصادية للحصول على رواتب أفضل. ومع ذلك، فإن الضربة التي تشل عمل المحاكم في جميع أنحاء البلاد ستوجه ضربة سياسية شديدة لآمال الجنرالات في استعادة الحياة الطبيعية.

في نوفمبر الماضي، تم تداول مقترحات على فيسبوك لتشكيل لجنة تنسيق موسعة عبر الخرطوم تضم ممثلين من النقابات العمالية ومندوبي لجان المقاومة. هيئة مثل هذه، خاصة إذا كانت تتألف من مندوبين من أماكن عمل مختلفة، ستكون قادرة على استخدام مجموعة واسعة من التكتيكات والاستراتيجيات. مما يسرع من التلقيح المتبادل للمطالب الاقتصادية والسياسية، وتبادل الأفكار وتداول الناس بين المنظمات الثورية في أماكن العمل والأحياء.

المحور الثالث للثورة الدائمة هو التطور غير المتكافئ بين مركز ومحيط النظام الرأسمالي.

إن حجة تروتسكي القائلة بأن الثورة الدائمة حولت “التخلف” السياسي والثقافي لروسيا من الناحية الرأسمالية لصالح الثوار هي حجة مناسبة للسودان. خلقت التنمية الاقتصادية غير المتكافئة غي روسيا تركيزات لعمال المصانع – مع قوة اجتماعية لا تتناسب مع عددهم – في بلد معظمه من الفلاحين. واعتمدت الطبقة الحاكمة على مجموعة من المؤسسات السياسية والدينية من العصور الوسطى مع عناصر دولة سلطوية حديثة. أدى هذا إلى خلق مزيج قابل للاشتعال، وأطلق العنان لثورة قفزت من النضال من أجل الديمقراطية الرأسمالية إلى الاشتراكية في غضون بضعة أشهر.

في سياق السودان، هناك العديد من الطرق التي قد يبدأ بها العمل المتبادل عبر مركز وأطراف الرأسمالية في التطور. من الواضح أن أحدهما يتعلق بالجوانب الإقليمية والدولية للثورة. القوى الإقليمية الأربع – المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وإسرائيل – عرضة لتحديات من الجماهير. إن بناء وتعميق التحالفات العملية مع الحركات المعارضة لحكام هذه البلدان هي إحدى طرق العمل عبر هذا المحور الثالث. (ترجمة مداميك)

ولكن الأمر الأكثر إلحاحًا هو تطوير التنسيق الثوري والتضامن داخل السودان، عبر الانقسام بين “المركز” و “الأطراف” حول مسائل السلام والخبز والأرض. في هذه المرحلة، نتحدث عن بناء الحركات أكثر من الحديث عن التعدي على عناصر قوة الدولة. لكن يمكن لمطالبه وتصريحاته أن تشير على الأقل إلى اتجاه السفر.

عبر جميع المحاور الثلاثة، فإن توحيد القوة المضادة الحقيقية لـ “حالة الغول” سيوفر المفتاح لفتح أبواب الثكنات. سيجعل من الممكن تقسيم الاطراف المسلحة من الرجال في قلب الدولة السودانية على أسس طبقية. هذا ما سيقلب الجنود على قادتهم. ويحول حساباتهم حول مخاطر التمرد من شيء قد يفكر فيه الأفراد المعزولون والشجعان فقط إلى الاختيار الواعي للأغلبية.

السلطة المزدوجة، كما أشار تروتسكي، “ليست حقيقة دستورية، لكنها حقيقة ثورية”. إنه لا يتطلب فقط شلل وأزمة القوى القديمة، بل يتطلب نمو وتطور القوى الحديثة.  إذا كانت تجربة التاريخ هي أي شيء يجب أن تمر به، فهذا يعني أكثر من ظهور أشكال جنينية من المجالس العمالية التي تدمج النضال ضد الجنرالات ودولتهم بالنضال ضد الطبقة الرأسمالية الأوسع. على الرغم من أن ذلك سيكون مهمًا. كما سيتطلب ذلك إنشاء حزب ثوري يدرك الحاجة إلى كسر الدولة القائمة وينظم سقوطها. كما اقترح ماركس في عام 1850، يجب أن تكون صرخة المعركة – “الثورة الدائمة”. (ترجمة مداميك)

هناك لحظات في التاريخ تتطلب قفزة في المجهول. الأوقات التي يلزم فيها طرح سؤال من أجل اختبار الإجابات الممكنة. سلام، خبز، أرض، كل سلطة للجان المقاومة؟ هل يمكن للشباب والشابات على المتاريس في السودان بناء قوة شعبية مضادة لدولة الغول؟ هل يمكن أن تفتح الطريق أمام إنشاء “قوة من نفس نوع كميونة باريس” كما وصفها لينين في عام 1917؟ ما لم يبدأوا في طرح هذا السؤال على أنفسهم، فلن نعرف أبدًا.

مترجم بواسطة مداميك من:

All power to Sudan’s resistance committees?

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *