‫الرئيسية‬ مقالات آراء الترجمة السياسية قاصرة عن مستحقات مارد الحراك
آراء - مقالات - 7 يناير 2022, 21:19

الترجمة السياسية قاصرة عن مستحقات مارد الحراك

كتب د. علي تلوبي لـ (مداميك)
الترجمة السياسية قاصرة عن مستحقات مارد الحراك
التاريخ لا يتكرر تماماً، وذلك لأن الظواهر الإنسانية شديدة التعقيد. كما وأنها أيضاً غير مُنفكّة عن مساراتها الشديدة التشعب. ورغم ذلك فإن هنالك مقاربات يمكن تعميمها بدرجة تمكننا من النظر للخلف تأملاً بغرض التعلم من أخطاء الماضي. وربما أن الخطأ الأكثر فداحة الذي اقترفناه بحراك 2019، والذي لا زلنا نمارسه حالياً، هو أننا لم ننجح في ردم الأخدود الهائل ما بين مستوى طاقة الجماهير الثورية وجاهزية الحراك العالية وإدارته الشديدة الدقة وما بين انعدام جاهزية الفعل السياسي لترجمة ذلك الحراك وفرضه واقعاً على أرض الوطن. بصورة أخرى لدينا حراك عملاق، ربما هو الأقوى في تاريخ العالم بمعطيات التحديات التي واجهته وتواجهه، وهذا الحراك يتقاصر عنه ويتأخر منه ويتضاءل أمامه فعلنا السياسي. ونكتفي بما ذكرنا توصيفاً للمشكل، لأننا لسنا هنا بغرض التباكي على اللبن المراق، وإنما كانت التقدمة ضرورة للولوج إلى ماذا علينا أن نبدأ فعله لكي ننجح في تجسير تلك الهوة.
لننجح في الارتقاء بفعلنا السياسي، فلا بد من تحول محوري في بنية وعينا ونهج تفكيرنا. ويتم ذلك التحول المحوري عبر تنبهنا وإدراكنا أن التخطيط الاستراتيجي، استعداداً مسبقاً للقادم على المدى البعيد، له نفس درجة أهمية العمل المرحلي الآني الذي نبذله لإنجاح الحراك الحالي. وما لم نفعل، فسنظل نراوح ما بين حراكات باهظة الثمن بصورة متزايدة، وما بين مراحل انتقالية فاشلة وبدايات ديمقراطيات مبتسرة تعود بنا القهقرى كل مرة إلى مربع صفر الدكتاتوريات الشمولية المسنودة بالآلة الأمنية. ويبدأ الاستعداد الاستراتيجي باستبصار الرؤية الساطعة للمستقبل، والراسية على قيم وطنية راسخة، للوصول لأهداف تحقق تلك الرؤية، وتلتزم بتلك القيم.
في اللحظة التي يُسقط بها الحراك النظام الشمولي، وذلك حتم، فإن غياب الاستعداد المسبق لتنزيل الحراك على الواقع يخلق فراغات مؤسسية ودستورية وأمنية بالبلاد. وسريعاً ما يتسلل عبر مسارب تلك الفجوات أخصائيون من الانتهازيين الفائقي القدرة على الإحساس باتجاه مهب رياح السلطة وأرتال من الحمقى الذين لا يتهيبون من التقدم لأخذ زمام المبادرة دون أدنى قدرات تؤهلهم لذلك. ذلك غير أن الدولة الآفلة العميقة، المتمثلة حالياً في قيادات المؤسسات الأمنية والمليشيا ومن خلفهم الإسلامويين، ستكون جاهزة تماماً لمقاومة التغيير ولإعادة الأمور إلى ما كانت عليه ليواصلوا أنشطتهم الطفيلية الفاسدة وسطوتهم المُقصية والقامعة للآخرين.
كما وأن التحول المحوري المعني يتم أيضاً بالتيقظ من غيبوبة عجزنا النفسي الذي تطبع على انتظار أن يتم منحنا إذناً بممارسة حق اختيارنا، بدلاً عن أن نقوم بممارسة خياراتنا استباقاً للطغاة والمتنطعين على قيادة المشهد السياسي من انتهازيين وطفيليين وشرائح طائفية. فبدلاً عن أن ننتظر أن يتنحى الطاغية يتوجب علينا أن نقوم نحن بإصدار قرار إقالته بأمر الشعب استناداً على الشرعية الممنوحة من الجماهير. وبدلاً عن أن ننتظر أن يقوم الطاغية بتعيين أو إقالة أحد التنفيذيين بالدولة نقوم نحن بتعيين من يمثلنا وإقالة من لا يعبر عن نبض جماهيرنا. إننا بذلك ننتقل من ردة الفعل إلى الفعل، ومن الاتكال العاجز على الأقدار، إلى أن نصنع اقدارنا بأيدينا. ونحن بذلك نقفز من النمط الميتافيزيغي إلى النمط الطبيعي الموضوعي للأشياء.  حينها سنمارس الاختيار حقاً شرعياً طبيعياً مكتسباً بشرعية تفويض الجماهير العريضة، ولا نتركه نهباً لشرعيات مدعاة مثل شرعية السلاح أو شرعية تطبع الفئات النمطية الانتهازية أو الطائفية على أخذ زمام المبادرة.
إننا ههنا نتحدث عن تخطيط استراتيجي للعشر سنوات القادمة. ويمكننا تقسيمها إلى مرحلتين.
المرحلة الأولى هي مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية ما بعد نجاح الحراك.  من أمثلة أنشطة التخطيط لتلك المرحلة إعداد تفاصيل برامج الحكم وهيكل الدولة، ومن يشغل المناصب بتلك الهياكل، وقائمة من تتم إقالته سريعاً تفكيكاً لتمكين منتسبي الدولة العميقة. وليس ثمة وقت لوضع تلك التفاصيل أفضل من الآن، لأن لدينا متسعاً من الوقت لفعل ذلك بعيداً عن تجاذبات سحر كعكة السلطة الخلابة. يتبع ذلك تنفيذ السياسات التي تم تفصيلها في مجال استحقاقات السلام الشامل وإصلاح الهياكل مثل القضاء والتعليم والإعلام وإعادة بناء العقيدة العسكرية لإرساء استدامة الدولة المدنية المزمعة، ومن ثم الإعداد لمرحلة الانتخابات.

المرحلة الثانية هي فترتي الديمقراطية الأولى والثانية. وهما يتطلبان تخطيطاً خاصاً لأن الدولة لم تخرج بعد من فترة النقاهة. وأتصور أن الصراع في تلك المرحلة سيكون طرفاه الأساسيان بين محور دعاة الدولة المدنية ومحور دعاة الدولة الدينية. وهذا يحتاج منا إلى تكوين جبهة عريضة بتحالف للكيانات التي تدعو للدولة الحديثة ضد القوى اليمينية التي تتاجر متطفلة بالدين داعية للدولة الدينية. وتحالف القوى الحديثة سيكون بناؤه قائماً على رؤية دولة المواطنة والمؤسسات والحقوق المتساوية.
بعد المرحلتين أعلاه، ستكون البلاد قد تماثلت للشفاء متجاوزة فترة النقاهة مما يسمح بالتنافس الحر بين مختلف الأيدلوجيات. ولا يعني ذلك توقف التخطيط الاستراتيجي، فتلك عملية تتواصل عبر نافذة الزمان. وخلاصة الأمر أن السماء لا تمطر حلولاً. ولكي ننجح فلا بد من المثابرة المبكرة لتحضير كل التفاصيل وسد الفراغات.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال

3 تعليقات

  1. تحياتى تلوبى …

    – حسناً طرقت على هذا الامر الهام … للاسف الفجوة مابين طاقة الفعل الجبارة وطاقة النظر القاصرة والمحدودة مازالت ماثلة بل تتسع للاسف الشديد!!!
    – غياب الرؤية – وليس البرنامج او المنفستو او الميثاق او او – غياب الرؤية المبصرة والمرشدة لانتاج ما يليها من تفاصيل هى ما يورد ثورة هذا الجيل مورد الهلاك ….
    – مرحلتين ؟؟ اظن اننا فى حاجة لاكثر من مرحلة : انتقال ، تحول ، ترسيخ فاستدامة ، فإن كان الامر كذلك ما هى طبيعة و مطلوبات التحالفات فى كل مرة ؟
    – هل ما زلنا طلاب لفكرة الكتلة التاريخية واكبر قاعدة اجتماعية ام الأفضل التوجه فورا نحو تحالف نوعى وبما انه نوعى فهو يتجاوز التكتيكى نحو الاستراتيجى يعبر مرحلة الانتقال ليؤسس لتكتل انتخابى لما يليها من مراحل ؟؟؟!!!!
    – لا اظن ان جدلية الدولة المدنية Vs. الدينية هى من ستحدد شكل الصراع مستقبلا فحتى دعاة الاسلام السياسى اعتقد انهم سيطورون من مرجعيتهم بحيث يصبح مثل هذا الصراع هامشيا ، للاسف قد ننهمك فى صراعات عدة ستكون التكوينات / الولاءات الاولية جزءا منها للاسف الشديد مثلها مثل صراعات المحاور ورؤية الشرق الاوسط الجديد والعسكرتاريا الجديدة ، وكارتيلات المصالح العسكرطفيلية، سنكون امام مجموعة من الصراعات المتشابكة والمتماهية ووو
    – عموما خيرا فعلت بتحريك البركة الساكنة وياليت قراءك يدلون بدلوهم لايقاد شمعة فى رحاب هذه الرؤية الغائبة

    1. العزيز محمد مصطفي،
      تحية طيبة واعتذار عن التعقيب المتأخر.

      أتفق معك أن المراحل أكثر من اثنين.. وربما كان ذلك تبسيطا مني مخل بغرض تسهيل توصيل الفكرة.

      بالنظر لدولة مثل الولايات المتحدة، والتي لا تزال قضية تداخل الدين تشكل محورا ما بين الحزبين الرئيسين، فلست متفائلا بذهاب تلك الجدلية قريبا.

      شكرا لمرورك الوضيء كالعادة.. وفعلا نحتاج إلى تحريك البركة الساكنة.

      تقديري وودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *