‫الرئيسية‬ مقالات تفكيك منظومة رأس المال المعسكر أولاً
مقالات - 7 يناير 2022, 19:15

تفكيك منظومة رأس المال المعسكر أولاً

كتب مهدي رابح لـ (مداميك)

من حقنا أن نتساءل “من أين تأتي كل هذه البسالة؟ آلاف الشابات والشباب بعمر الأزاهر يخرجون للشوارع كل يوم، يمدون أيادي لا تحمل إلا شارات النصر وحناجر تشدو بالهتاف وأعين ترنو للغد المأمول لترد عليهم الآلة العسكرية التحية بالرصاص الحي دون رحمة، وتدهسهم المدرعات المصفحة في الطرقات. ومن حقنا أيضاً أن نتساءل من أي منبع ملعون يخرج كل هذا الغلّ والحقد لهؤلاء للذين يستبيحون الدماء الطاهرة أو الجُبن والخسّة لأولئك الذين يبررون ويصفقون لهذه الجرائم؟

من المثير للاهتمام مراقبة مقدار الدهشة التي انتابت عدداً غير قليل من السودانيين على إثر تصريحات أدلى بها أحد قيادات النظام البائد قبل بضعة أيام قلائل، وهو يؤكد المؤكد أصلاً أن الجنرال البرهان كان عضواً فاعلاً بالحزب الحاكم، بل رئيساً لأحد فروعه حين كان يتسنم منصب معتمد محلية نيرتتي في دارفور، رغم أنه من المعلوم للجميع بالضرورة انه كان من الاستحالة الترقي في السلم الوظيفي أو الرتب العسكرية والحصول على أي امتيازات استثنائية تتعلق بالعمل العام أو الخاص حينها دون توفر شرط أساسي يتمثل في العلاقة العضوية للشخص المعني بالنظام السابق. وهذا لا ينطبق على الجنرال البرهان وأعضاء المكون العسكري في المجلس السيادي فحسب، بل يمتد ليشمل شبكة كاملة من آلاف الأفراد المتغلغلين في مناحي الحياة ومفاصل الدولة ومؤسساتها.

لا يعنينا هنا بضع عشرات الجنرالات والانتهازيين المحيطين بهم بصفة شخصية، إنما يعنينا فَهْم طبيعة هذه المنظومة التي يشكلون جزءاً من نسيجها والتي ظلت تنتج القبح والموت وتوزعه على أنحاء الوطن بشكل يومي. والأهم من ذلك تقف حائلاً بين المواطن السوداني وتحقيق أحلامه في وطن يعيش فيه بكرامة ومستقبل يليق به.

إن هذا الإرث المسموم مصدره الأساس عجز تحالف الإسلامويين والعسكر الإنقاذي في تحقيق المشروع الحضاري المعلن، وبذوره تكمن دون شك في خطل المفهوم المركزي الذي أسس عليه، والذي أدى إلى النظر الى المواطن كموضوع للترويض عبر استخدام أساليب شراء الولاءات والترهيب والتقسيم، ومصدر للجباية وهو ما أدى بنهاية الأمر إلى انكفاء النشاط الاقتصادي على أنماط ريعية لم تؤد إلى تضييق القاعدة الاقتصادية والإنتاجية فحسب، بل أدت أيضاً إلى جعل غالب شبكات المصالح مرتبطة عضوياً بجهاز الدولة وخاصة بأجهزتها الأمنية والعسكرية. وهو ما حول تلك الأجهزة بالتدريج إلى دولة موازية أو دولة رأس المال (المعسكر) التي حلت وظيفياً مكان أجهزة الدولة الأخرى المهترئة لخدمة شريحة محدودة هي الآن تمثل العمود الفقري لهذه المنظومة المتشابكة التي هيأت البيئة المناسبة ودبرت ونفذت ودعمت انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، والتي تمتلك المرونة الكافية كما دلت عليه الأحداث الأخيرة لاستيعاب كل الأفراد والكيانات التي ترى في التحول المدني الديموقراطي تهديداً لمصالحها.

نخلص بذلك إلى أن جوهر الأزمة التي نعيشها اليوم هو أن إرادة التغيير الذي حملتها ثورة ديسمبر المجيدة وصاغته وفرضته عزيمة مئات آلاف السودانيات والسودانيين المدنيين ومهروه بدمائهم تستهدف أسس هذه المنظومة الفاسدة وتهدد امتيازات المنتمين إليها، لذا فإن أي حل لا يضع حجم هذه الشبكات وتمدد مصالحها وتشابكها مع الأجهزة الأمنية والعسكرية في الحسبان يصبح وكأنما يحرث البحر. فالصراع الأهم اليوم ليس بين ملايين المواطنين المحتجين وبضعة جنرالات وانتهازيين، بل هو صراع غاية في التعقيد ضد كل مظاهر هذه المنظومة يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة جذرياً وبناء نظام سياسي يربط ويوحد بين مكونات الوطن بالغة التباين والتفاوت لإحداث الحراك الاجتماعي والتحول الاقتصادي اللازم لزيادة واتساع قاعدة المصالح المادية للجميع.

إن أي حل مستقبلي لا يبدأ بمحاسبة الانقلابيين على جريمة الخيانة العظمى المتمثلة في انتهاك الدستور والانتهاكات البليغة التي طالت المواطنين أثر ذلك، ولا ينتهي بتفكيك هذه المنظومة كلياً عبر إنفاذ إصلاحات هيكلية تستهدف المؤسسات الأمنية والعسكرية وتخرجها من العملية السياسية وتستعيد ولاية الدولة على أنشطتها المالية يعني احتفاظ هذه المنظومة بكامل قدرتها على إعادة إنتاج نفسها والاستيلاء على السلطة مجدداً باستخدام القوة المادية أو الانتخابات المزورة والمال السياسي واستمرار دولة رأس المال المعسكر، والمحمية بالسلاح في تحديد مصير هذه البلاد لعقود قادمات.

من المهم جداً بذل الجهود الحثيثة لتوحيد صف القوى المقاومة للانقلاب، ومن الجيد أيضاً تقديم المقترحات النظرية لنص (ميثاق/خارطة طريق/ميثاق) ربما يتوافق حوله البعض. لكن أرى أن المعضلة الأساسية لا تكمن في ذلك، فإذا تعمقنا بعيداً عن مظاهر التباينات المربكة بين مكونات الداعمين لتحقيق التحول المدني الديموقراطي، والتي لا تخرج كثيراً عن محاولات تمايز فردية مزيفة إلى حد كبير، وقريباً من تصوراتهم للدولة المنشودة، سنجد إنها متطابقة لدى التيار الغالب المكون لهذه القوى، لذا فإنني أرى أن المعضلة الحقيقية الكبرى اليوم إنما تكمن في استيعاب وفهم طبيعة وحجم الإرث المسموم للإنقاذ والمتمثل في هذه المنظومة المعقدة، وضرورة تبني مقاربات للحل تخرجنا من صندوق الفترات الانتقالية التقليدية الفاشلة بتبني استراتيجيات تضع في حسبانها عاملين أساسيين، الأول هو  أن وضع هياكل حكم ديموقراطي مصطنعة لفترة انتقالية لا تمتلك أي من عناصر القوة لإدارة حكم تعددي أو مرجعية انتخابية في سياق واقع هش وبرزخي كالذي نعيشه ودون حد أدنى من تفكيك المنظومة الشمولية المذكورة سيؤدي إلى إضعافها وانهيارها مجدداً بالضرورة. والثاني هو أن إنجاح التحول المدني الديموقراطي المستدام يتطلب، وبالتزامن مع تفكيك منظومة رأس المال المعسكر، تحقيق استقرار البيئة السياسية والنجاح الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتفعيل المجتمع المدني وترسيخ القيم الديموقراطية والثقافة السياسية. وكلها شروط يتطلب تحقيقها فترات زمنية طويلة تتعدى الفترات الانتقالية وربما عدة فترات انتخابية قادمة، وهو ما يطرح اسئلة في حاجة إلى إجابات عاجلة لتحديد طبيعة المؤسسات الرسمية والسياسية المستقرة القادرة على حمل هذا المشروع عاتقها والصمود بما يكفي أمام المتغيرات.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *