ثقافة - 6 يناير 2022, 20:16

مولود

منصور الصويم

أحس المنتظرون، في موقف جاكسون للمواصلات، بسحابة ماطرة عبرت سماءهم، ثم بمطر غزير انهمر حتى فاضت المياه في المكان، ثم وهم في ذات وقفتهم هذه، أحسوا ببرد الشتاء قارسا ينخر عظامهم، وبقدر عظيم يتشكل بين اثنين لاذا احتضانا بينهم.
إذن: كان هناك شاب في موقف مواصلات جاكسون ينتظر المواصلات حين عبر الخريف وحل الشتاء ودنا الصيف. وكانت – هناك أيضا – شابة تنتظر المواصلات حين عبرت فصول السنة جميعها وبينها أندس ربيع عمرها المنتظر.
كان هناك شاب وشابة، ينتظران بين الجموع المنتظرة. التقت أعينهما، أحبا بعضهما حين هطل المطر، ضما جسديهما حين حل الشتاء، وقررا الزواح حين أحسا بدنو فصل الصيف.
كانت هناك نسوة، ورجال، وأطفال، وبنات، وأولاد، وشباب، وشابات، وعجائز يتساندون على العصي. كان هناك مأذون تعيس ينتظر بين المنتظرين. كانت هناك مغنية أغاني بنات ضلت طريقها إلى الشهرة. كان هناك عازف إيقاع يجلس جوار بائع عصير نفدت بضاعته. كانت هناك “برندة” تركت مفتوحة للمجهول؛ تحت مظلتها – بالذات – قرأ المأذون وثيقة الزواج.
كانوا ينتظرون المواصلات. في موقف جاكسون. الرجال والأطفال والنساء، والشاب الذي انجذب لشابة ثم تزوجها مع مقدم فصل الصيف، وأقام معها تحت سقف “برندة”؛ وهبت للمجهول.
يومها – في مطلع الصيف – أقاموا حفلا راقصا احتفالا بالعروسين. غنت المغنية التي ضلت طريقها إلى الشهرة. عزف على الإيقاع عازف الإيقاع، مستخدما أواني بائع العصير الفارغة. زغردت خمسون امرأة كن منتظرات المواصلات. رقص عشرون ولدا مع عشرين فتاة في موقف المواصلات. احتضن الشيوخ العجائز مهنئين بعرس موقف المواصلات المبارك. تقدم ثلاثون شابا لخطبة ثلاثين شابة كن بانتظار المواصلات. بكت امرأة مسنة خريفها الذي يكاد ينقضي وهي بانتظار المواصلات. وحل الصيف تماما.
ثم، مضى الصيف، وجاء الخريف، وهطلت الأمطار، وحبلت العروس، وابتلت “البرندة” بالماء، وصار للمغنية التي ضلت طريقها إلى الشهرة؛ جمهور من المنتظرين الصابرين في موقف جاكسون للمواصلات، ولم تمت المرأة المسنة الباكية رغم زوال خريفها وأفول سنينها.
ثم، حل الشتاء، وتكورت بطن العروس، وصار العريس مهموما بصحة زوجته والجنين الذي في بطنها، بيد أن خمسين امرأة كن منتظرات المواصلات في موقف جاكسون للمواصلات انبرين لرعاية العروس الحبلى والجنين الذي في بطنها، إلى أن يخرج بسلام.
في موقف جاكسون للمواصلات، اكتشف المنتظرون أن بينهم “داية”، تقدمت واثقة الخطى حين صرخت العروس الحبلى معلنة لحظة الميلاد. في موقف المواصلات بكى المنتظرون والعريس الشاب يمسك بمولوده ويرفعه عاليا صارخا باسمه:
“……”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال